التعقيب الرابع والعشرون


في صفحة 118 - 119 ، أثنى على بعض المتصوفة وبعض مؤلفاتهم كالقشيري ، وهذا الثناء في غير محله لأن التصوف أصله مبتدع في الإسلام ودخيل عليه وقد تطور إلى أفكار إلحادية ، وما زال العلماء المحققون يحذرون منه ومن أصحابه وبالخصوص القشيري فإن لشيخ الإسلام ابن تيمية ردا مفصلا على رسالته وما فيها من مخالفات وشطحات وفي الثناء عليه وعلى أمثاله تقرير بمن لا يعرف حقيقتهم .



التعقيب الخامس والعشرون


تكلم عن صفات الله عز وجل من صفحة 132 حتى صفحة 144 ، وقد حصل في كلامه أخطاء كثيرة من أهمها :



1 - اعتباره آيات الصفات من المتشابه ، وهذا خطأ لأن آيات الصفات عند سلف الأمة وأئمتها من المحكم ولم يقل إنها من المتشابه إلا بعض المتأخرين الذين لا يحتج بقولهم ، ولا يعتبر بخلافهم .



2 - ذكر أن آيات الصفات لها محملان :

المحمل الأول : أن تجري على ظاهرها مع تنزيه الله عز وجل عن التشبيه والشريك ، وقال إن هذا تأويل إجمالي لأن ظاهرها ما هو من صفات المخلوقين .

والجواب : نقول له : ليس الأمر كما ذكرت فليس ظاهرها يدل على مشابهة صفات المخلوقين ، وإنما هذا وهم توهمته أنت وتوهمه غيرك وليس هو ظاهرها لأن ظاهرها هو ما يليق بجلال الله ، وصفات الخالق تختص به وصفات المخلوق تختص به

-ثم قال : والمحمل الثاني حملها على المعنى المجازى بأن يفسر الاستواء بالاستيلاء والتسلط واليد بالقوة . انتهى كلامه .

والجواب نقول له : لا يجوز حمل صفات الله عز وجل على المعنى المجازي لأن هذا تعطيل لها عن مدلوها . بل يجب حملها على المعنى الحقيقي اللائق بالله ، لأن الأصل في الكلام الحقيقة ولا سيما كلام الله عز وجل ، ولا سيما ما يتعلق به وبأسمائه وصفاته - ولا يجوز حمل الكلام على المجاز ، إلا عند تعذر حمله على الحقيقة وهذا ما لم يحصل في نصوص الصفات فليس هناك ما يوجب حملها على المجاز - وكتبرير منه لهذا الباطل الذي ذكره نسب إلى بعض السلف تأويل بعض الصفات . فنسب إلى الإمام أحمد تأويل ( وجاء ربك ) بمعنى جاء أمر ربك ، ونسب إلى الإمام البخاري تأويل الضحك بالرحمة ، ونسب إلى الإمام حماد بن زيد تأويل نزول الله إلى السماء الدنيا بإقباله جل جلاله إلى عباده .

والجواب أن نقول :

أولا : ما نسبه إلى الإمام أحمد لم يثبت عنه ولم يوثقه عنه ولم يوثقه من كتبه أو كتب أصحابه وذكر البيهقي لذلك لا يعتمد . لأن البيهقي رحمه الله عنده شيء من تأويل الصفات فلا يوثق بنقله في هذا الباب ، لأنه ربما يتساهل في النقل . والثابت المتيقن عن الإمام أحمد إثبات الصفات على حقيقتها وعدم تأويلها فلا يترك المعروف المتيقن عنه لشيء مظنون ونقل لم يثبت عنه وله رحمه الله رد على الجهمية والزنادقة في هذا الباب مشهور ومطبوع وتداول .

ثانيا : وما نسبه إلى البخاري غير صحيح فقد راجعت صحيح البخاري فوجدته قد ذكر الحديث الذي أشار إليه الدكتور تحت ترجمة : سورة الحشر الآية 9 وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ولم يذكر تأويل الضحك بالرحمة ، وإنما الذي أوله بالرضا هو الحافظ ابن حجر في الفتح . والحافظ رحمه الله متأثر بمذهب الأشاعرة فلا عبرة بقوله في هذا .

ثالثا : ما نسبه إلى حماد بن زيد من تأويل النزول بالإقبال يجاب عنه من وجهين :

الوجه الأول : أن هذا لم يثبت عنه لأنه من رواية البيهقي ، والبيهقي رحمه الله يتأول بعض الصفات ولو ثبت عن حماد هذا التأويل فهو مردود بما أجمع عليه السلف من إثبات النزول على حقيقته .

الوجه الثاني : أنه لا تنافي بين إثبات النزول على حقيقته وإقبال الله عز وجل على عباده فيقال ينزل ويقبل على عباده وليس في هذا حمل على المجاز كما يظن الدكتور .



3 -نسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره أنهم قد يفسرون الوجه بالجهة أو القبلة أو الذات وظن أن هذا تأويل للوجه الذي هو صفة من صفات الله عز وجل الذاتية - وهذا الظن منه خطأ واضح فهؤلاء الأئمة لم يقصدون ما توهمه - لأن الوجه لفظ مشترك . تارة يراد به الوجه الذي هو الصفة الذاتية ، وتارة يراد به الدين والقصد ، وتارة يراد به الجهة والوجهة - وسياق الكلام هو الذي يحدد المقصود في كل مكان بحسبه . فإذا فسر الوجه في موضع بأحد هذه المعاني لدليل اقتضى ذلك من دلالة السياق أو غيره ، صح ذلك ولم يكن تأويلا - بل هو تفسير لذلك النص وبيان للمراد به . وبما ذكرنا يتبين أن ما ذكره الدكتور من جواز حمل آيات الصفات وأحاديثها على المعنى المجازي وصرفها عن ظاهرها أنه قول غير صحيح وأنه لا مستند له فيما ذكره عن بعض السلف ، إما لأنه لم يصح عنهم أو لأنهم لم يقصدوا ما توهمه .



4 -اعتمد على تأويلات الخطابي لبعض الصفات وأشاد به ومدحه من أجل ذلك .
والجواب عن ذلك : أن الخطابي رحمه الله ممن يتأولون الصفات فلا اعتبار بقوله ولا حجة برأيه وله تأويلات كثيرة والله يعفو عنا وعنه .

ثم العجيب في الأمر أن الدكتور تناقض مع نفسه حيث ذكر فيما سبق أنه يجب إثبات صفات الله كما جاءتنا مع تنزيه الله عن التشبيه والتمثيل كما في صفحة 99 ، 101 ، 113 ، 115 ، بينما نراه هنا يجيز تأويلها وحملها على المجاز . هل هذا تراجع عما سبق أو هو التناقض .