حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن عابس بن ربيعة عن عمر رضي الله عنه أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله فقال إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك
قال الطبري : إنما قال ذلك عمر ، لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام ، فخشي عمر أن يظن الجهال أن استلام الحجر تعظيم بعض الأحجار ، كما كانت العرب تفعل في الجاهلية ، فأراد عمر أن يعلم الناس أن استلامه إتباع لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا لأن الحجر يضر وينفع بذاته ، كما كانت تعتقده في الأوثان .
وقال المهلب : حديث عمر هذا يرد على من قال إن الحجر يمين الله في الأرض يصافح بها عباده , ومعاذ الله أن يكون لله جارحة , وإنما شرع تقبيله اختيارا ليعلم بالمشاهدة طاعة من يطيع , وذلك شبيه بقصة إبليس حيث أمر بالسجود لآدم . وقال الخطابي : معنى أنه يمين الله في الأرض أن من صافحه في الأرض كان له عند الله عهد , وجرت العادة بأن العهد يعقده الملك بالمصافحة لمن يريد موالاته والاختصاص به فخاطبهم بما يعهدونه . وقال المحب الطبري : معناه أن كل ملك إذا قدم عليه الوافد قبل يمينه فلما كان الحاج أول ما يقدم يسن له تقبيله نزل منزلة يمين الملك ولله المثل الأعلى .
وقال الحافظ : وفي قول عمر هذا التسليم للشارع في أمور الدين وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها , وهو قاعدة عظيمة في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فيما يفعله ولو لم يعلم الحكمة فيه , وفيه دفع ما وقع لبعض الجهال من أن في الحجر الأسود خاصة ترجع إلى ذاته , وفيه بيان السنن بالقول والفعل , وأن الإمام إذا خشي على أحد من فعله فساد اعتقاده أن يبادر إلى بيان الأمر ويوضح ذلك .
.
ومن هنا يظهر أن تقبيل الحجر الأسود ليس على سبيل التعظيم ، وإنّما هو على سبيل الحب ، كما يُقَبِّل أحدُنا أولادَه و زوجتَه . فلو كان التقبيل دليلاً على التعظيم ،لاستلزم أن الجميع يعبد زوجته . ومن الواضح أنّ ذلك غير معقول ؛ فعُلِمَ أن التقبيل لا يستلزم العبادة والتعظيم ؛ فقد يكون مصدره الحب .
وقد أبان هذه الحقيقةَ سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه على رؤوس الأشهاد ؛ فعندما أراد أن يقبل الحجر الأسود لدى الطواف ، قال على مرأى من الأعراب ما معناه : إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك ؛ فلو كان الحجر معبودًا ، لما قال له عمر رضي الله : إنك لا تضر ولا تنفع ؛ فعُلِمَ أن الدافع إلى تقبيله هو الحب .
.
ويذكر العهد القديم بأن الأنبياء كانوا يكرمون تابوت العهد ويبخرونه , والمسيحيون يقبلون صور وتماثيل المسيح والعذراء ، ومنهم من يسجد لهذه الصور والتماثيل كي ينال البركة بالسجود لها مع ما في ذلك من مخالفة للشريعة التوراتية {خر 4:20 لا تصنع لك تمثالا منحوتا ولا صورة ما مّما في السماء من فوق وما في الارض من تحت وما في الماء من تحت الارض} , وهكذا نرى أن الوثنية في المسيحية والشرك في عباداتها وتصوراتها لم يكن محصوراً في عبادة المسيح والروح القدس، بل انضاف إليه الكثير من ضروب الوثنية والشرك، والتي تتوعد الأسفار المقدسة فاعلها بأليم العقاب الذي لم تبال فيه الكنيسة حين عمدت بقراراتها إلى مخالفة ما جاء في الناموس من وصايا .
كما قد توعدت التوراة باللعن لأولئك الذين يصنعون التماثيل {تث 14:27-15 فيصرح اللاويون ويقولون لجميع قوم اسرائيل بصوت عال. ملعون الانسان الذي يصنع تمثالا منحوتا او مسبوكا رجسا لدى الرب عمل يدي نحات ويضعه في الخفاء.ويجيب جميع الشعب ويقولون آمين} .
.
يتبع :-
التعديل الأخير تم بواسطة السيف العضب ; 08-03-2010 الساعة 08:07 PM
المفضلات