وفى التسجيل التلفازى المذكور روت البنت وقائع تحولها من الإسلام إلى النصرانية، ذاكرة الشبهات التى دفعتها إلى هذا التحول حسبما لقنها من أظهروها فى الحلقة المذكورة. ولسوف أقوم هنا بعرض تلك الشبهات واحدة تلو الأخرى ثم أنظر فيها لأرى هل لتلك الفتاة أو غيرها عذر فى اتخاذها تكأة فى تسويغ مثل ذلك العمل الشيطانى. والملاحظ أن المتحولين من الإسلام إلى النصرانية على قلتهم البالغة هم من أمثال ريهام ممن لا يستعملون عقولهم ويتّسِمون بضحالة الفكر وتشوّش الذهن رغم أنهم قد يكونون طلابا جامعيين، ومن ثم يمثلون مرعى صالحا يرتع فيه القساوسة البكاشون بأكاذيبهم وافتراءاتهم وينجحون أحيانا فى ختل عقولهم، وإن كانوا يعودون إلى الإسلام مع أول فرصة يتيح الله لهم فيها من يبصرهم بخطئهم ويوضح لهم تفاهة تلك الشهبات. أما المتحولون من النصرانية إلى الإسلام فأعدادهم لا تحصى ولا تعد، وكثير منهم من أصحاب الوزن الثقيل كالكتاب والمفكرين والصحفيين والسفراء والساسة والأدباء والقساوسة والأساقفة وأساتذة الجامعات والفنانين ومن إليهم. والمسلمون لا يطنطنون بذلك على عكس ما يفعله قساوسة النصارى، الذين يرقصون ويتصايحون كلما وقع فى أيديهم بين الحين والحين البعيد صيد هزيل لا يساوى ثمنه، فهم فى هذا كالفقير الذى لا يشتمل جيبه إلا على عدة ملاليم، ومع هذا تراه يصلصل بها طول النهار رغبة منه فى إيهام الناس أن معه مالا، على حين تجد الغنى المتخم بالأموال لا يصنع شيئا من ذلك، وبخاصة أن أمواله من ورق البنكنوت الذى لا يصدر صوتا، وليست من الملاليم التى يشخشخ بها الأطفال!
تقول ريهام إنها، بينما كانت تصلى ذات مرة، رفعت بصرها إلى السماء، فرآها أبوها وأنكر ذلك عليها إنكارا شديدا وحذَّرها مَغَبَّةَ ذلك التصرف. ولما حاولت أن تعرف السبب فى حكمة النهى عن هذا أجابها قائلا: لا تناقشى، بل عليك أن تنفّذى فقط. فكان ذلك، كما تقول، أول حاجز ينبنى بينها وبين ربنا، الذى شعرت أن هناك مسافة كبيرة تفصله عنها. ولا أدرى كيف يشكّل مثل هذا الأمر حاجزا بيننا وبين ربنا، وهو الذى يقول: "وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعانِ"، و"نحن أقرب إليه من حبل الوريد"؟ وإذا كان البشر يتركون دينهم من أجل مثل ذلك الأمر فالثمرة الطبيعية لهذا هى أن يغير الناس أديانهم كل يوم بل كل دقيقة.
وثم فعلا حديث للنبى يحذر فيه عليه السلام من خطف البصر بعض أقوام كانوا يرفعون وجوههم نحو السماء فى صلاتهم، بَيْدَ أنى لا أحسب هذا التهديد قاعدة عامة. ولننظر أولا فى نص الحديث، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم في صلاتهم؟" وأنه "اشتد قوله في ذلك فقال: لَيَنْتَهُنَّ عن ذلك أو لَتُخْطَفَنَّ أبصارُهم". وقد قرأته البنت المتنصرة من ورقة أعدوها لها فى يدها، ولم تستطع أن تقرأه قراءة صحيحة رغم بساطته التامة، وهو ما يعطينا فكرة عن محدودية ثقافتها وضحالة شخصيتها رغم ما كانوا قد شحنوها به ضد الإسلام ورددته فى الحلقة بسذاجة عجيبة.
والواقع أن النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء فى حديث آخر، كان "إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل: ما بال فلان يقول؟ ولكن يقول: "ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟"، وهو من أدبه العالى صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك: "ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له، وإن اشترط مائة شرط"، "خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة، فلقِينا المشركين (أى وقعت بين المسلمين وبينهم حرب)، فأسرع الناس (أى المسلمون) في القتل حتى قتلوا الذرية، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال أقوام ذهب بهم القتل حتى قتلوا الذرية؟ ألا لا تقتلوا الذرية، ألا لا تقتلوا الذرية. فقال رجل: يا رسول الله، أو ليس إنما هم أولاد المشركين؟ فقال: أو ليس خياركم أولاد المشركين؟ كل نَسَمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها، فأبواها يهودانها أو ينصرانها"، "ما بال أقوام يتنزهون عن أشياء أترخَّص فيها؟ والله إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده"، "ما بال أقوام يلعبون بحدود الله ويستهزئون بآياته؟ طلقتُكِ! راجعتُكِ! طلقتُكِ! راجعتُكِ!". ومنه أيضا "أن أم هانئ بنت أبي طالب خرجت متبرجة قد بدا قرطاها (لاحظ معنى التبرج هنا وأنه يعنى ظهور قرطيها لا غير)، فقال لها عمر بن الخطاب: اعملي، فإن محمدا لا يغني عنك شيئا. فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بال أقوام يزعمون أن شفاعتي لا تنال أهل بيتي، وإن شفاعتي تنال حاء وحَكَم؟ وحاء وحَكَم قبيلتان".
والملاحظ فى حديثنا الذى نحن بصدده أن رسول الله لم يصدر حكما عاما، بل قَصَر التحذير على قوم بعينهم كانوا يرفعون أبصارهم فى ذلك الوقت إلى السماء فى صلاتهم. ولو كان يقصد التعميم لقال مثلا: "ألا من رفع بصره إلى الصلاة وهو يصلى خطف الله بصره"، مثلما فعل فى الحديث التالى: "ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له، وإن اشترط مائة شرط"، إذ بعد أن ذكر ما يصنعه بعض الناس تركهم وعمم الحكم مستخدما اسم الموصول: "مَنْ" الدال على ذلك. ومثله الحديث الآخر الذى استعمل فيه ضمير المخاطبين للإشارة إلى أن الحكم لا يقتصر على من يفعل الأمر الذى حذر منه صلى الله عليه وسلم، بل يشمل جميع المسلمين، ومن ثم نراه يتحول عمن يقتل ذرارى الكافرين دون سبب ويوجه كلامه نهيا إلى كل مسلم مستخدما ضمير المخاطبين الشامل لأتباعه جميعا: "ما بال أقوام ذهب بهم القتل حتى قتلوا الذرية؟ ألا لا تقتلوا الذرية! ألا لا تقتلوا الذرية!". والذى أفهمه من الحديث أنه ربما كان هناك قوم من المنافقين يصنعون ذلك استهزاء بالصلاة مثلا أو انصرافا عنها وإظهارا لاحتقارهم لها ونشرا للفتنة والاضطراب بين المسلمين، فقال النبى فى حقهم ما قال، وإلا فما أكثر ما قد ينظر المصلون نحو السماء ويكررون ذلك ثم لا يقع لهم شىء مما حذر منه الرسول، ومنهم تلك البنت المتنصرة التى من الواضح أنه لم يخطف الله بصرها، اللهم إلا إذا كانوا قد لقنوها هذا الكلام لتقوله فى المقابلة المرنائية كى تحدث بلبلة وفتنة بين عوامّ المسلمين الذين لا يستطيعون تمحيص مثل تلك الأمور دون أن يكون قد سبق منها رَفْع لبصرها إلى السماء فى صلاتها أيام كانت مسلمة تصلى. ومن هنا نراه صلى الله عليه وسلم فى هذا الحديث الذات يستمر فى استخدام ضمير الغائبين للدلالة على أن الموضوع محصور فى ذات الأقوام الذين وردت الإشارة إليهم فى ذلك الحديث: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم في صلاتهم؟ فاشتد قوله في ذلك فقال: لَيَنْتَهُنَّ عن ذلك أو لَتُخْطَفَنَّ أبصارُهم". وليس معنى ذلك أنه لا بأس على الإطلاق على من يرفع نظره نحو السماء فى صلاته، إذ من شأن ذلك التصرف أن ينصرف ذهنه عن التركيز فى العبادة، وهو ما لا يليق بمن يقف بين يدى ربه سبحانه وتعالى. فهى مسألة أدب ولياقة أكثر منها أى شىء آخر.
وسبب آخر يجعلنى أستبعد أن يكون ذلك حكما عاما فى كل من يرفع عينيه نحو السماء خلال صلاته أنه لا يوجد تناسب بين الخطإ والعقوبة إذا ما أخذنا الأمور على ظاهرها. وإذا كان الإسلام قد ترك من لا يصلى أصلا بل من لا يصلى ولا يزكى ولا يصوم ولا يحج دون أن يحذره تلك العقوبة الدنيوية ولا ما هو أقل منها، بل ترك الكافر ذاته، والكُفْر هو ما هو؟، من غير أن يتهدده بشىء من هذا فى الدنيا بتة، فكيف يمكن أن يكون هذا العقاب الشنيع هو العقاب الإلهى الدنيوى الخاص بكل من يرفع بصره فى الصلاة مجرد رفع نحو السماء؟
صحيح أن هناك نصا فى القرآن يتحدث عن العمى العقابى بالمعنى المادى فيما هو واضح، إلا أنه خاص بالكفار المعاندين لا بالنظر إلى السماء ولا بأى شىء آخر دون الكفر، كما أنه لا يقع هنا على الأرض مثل التهديد المذكور فى الحديث الشريف الذى بين أيدينا، بل عند الحشر. يقول سبحانه وتعالى فى سورة "الأسراء": وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126)". أما سائر ما قيل عن العمى فى القرآن ضمن سياق الزِّرَاية فخاصٌّ بالعمى المعنوى: عمى القلب واستغلاق العقل عن دعوة الحق وتصلب الرقبة والمعاندة الغبية، والتمرد والكفر لوجه التمرد والكفر، ومن ذلك: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)" (البقرة)، "وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (72)" (الإسراء)، "وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44)" (الشورى). والنص التالى واضح الدلالة تماما على أن العمى فى القرآن حين يُذْكَر ضمن سياق الزراية إنما هو العمى المعنوى: "أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور (46)" (الحج). وكل هذا يؤكد أن التهديد الشديد فى الحديث السابق هو تهديد خاص بقوم بأعيانهم يستحقون تلك العقوبة لا لمجرد رفع أبصاهم نحو السماء فى صلواتهم، بل لسبب آخر يكافئ العقوبة حاولتُ أن أتعرف إليه فى السطور السابقة، ولعلى لم أُبْعِد الرَّمْيَة.
يتبع..
المفضلات