الله عندما يتحدث عن قضية من فعله يأتي بنون العظمة والتي يطلق عليها نون المتكلم ... وهذه النون للعظمة يستخدمها الملوك والرؤساء للدول .. كما يقال ... نحن فلان أمرنا بما هو آت .. أو قررنا الآتي ....الخ .
فنجد أن الله عندما يتحدث عن فعل يحتاج لكمال المواهب يقول ((إنا)) أو يستخدم نون العظمة ، فأنت إذا أدرت أن تفعل شيئاً فإنه يقتضي منك قوة وعلماً وقدرة وحكمة .. إذن فهناك صفات كثيرة موجودة يقتضيها الفعل .
ولكن عندما يتحدث الله عز وجل عن ألوهيته وحده وعن عبادته وحده يستخدم ضمير المفرد.
فالله حين يتكلم عن شهادة التوحيد يقول (( إنني أنا الله )) ولا يقول : ((إننا أنا الله )) .
إذن ففي كل فعل يأتي الله بنون العظمة .. وفي كل أمر يتعلق بالعبادة والتوحيد يأتي بالمفرد ... وذلك حتى نفهم أن الفعل من الله ليس وليد قدرته وحدها ... ولا علمه وحده ولا حكمته وحدها ولا رحمته وحدها ... وإنما كل فعل من أفعال الله تكاملت فيه صفات الكمال المطلق لله .
إن نون العظمة تأتي لتلفتنا إلى هذه الحقيقة لتبرز للعقل تكامل الصفات في الله ... لأنك تقدر ولا تعلم ... وقد تعلم ولا تقدر ، وقد تعلم وتغيب عنك الحكمة .. إذن فتكامل الصفات مطلوب
إذن ففي حالة التوحيد يأتي الله بضمير الأفراد واحد أحد ..
أما في صدر الأحداث فيأتي بضمير الكبرياء والعظمة .
أنظر جمال القول لله عز وجل وهو أصدق القائلين
وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ
سورة الذاريات 47
وعندما أراد الله عز وجل أن يمدح سيدنا إبراهيم قال : إن ابراهيم كان أمة ..
وما معنى أمة ؟
أي جامعاً لصفات الخير التي تجتمع في فرد ولكنها تجتمع في أمة ... فأراد الله أن يقول أن سيدنا إبراهيم كان أمة أي أنه كان جامعاً لصفات الخير .
قال الإمام الشعراوي في هذا الخصوص ليثبت جهل من تحدث عن القرآن وادعى العبقرية بجاهلة .
إن ضمير الغائب (هو) لا ينصرف إلا إلى الحق سبحانه وتعالى ... فإن استقرأت آيات الخَلْق في القرآن الكريم تجدها باسلوب الغيبة في مائة وسبع آيات ، بداية من قوله في سورة البقرة :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ... (29)
وآخره سورة الفلق :
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (2) .......
وبأسلوب المتكلم في ست وسبعين آية ، مثل سورة الحجرات :
إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى ...(13)
وبأسلوب المخاطب في أربعة مواضيع هي سورة آل عمران :
رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ ...(191)
وقوله بسورة الأعراف :
خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12)
وقوله بسورة الإسراء :
أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (61)
فأسلوب الغيبة هو أكثر هذه الأساليب ؛ لأن الحديث عن الغائب يخلو من ادعاء ، ويخلوا من نفاق المواجهة ، أو نفاق الخطاب .
ويقول الله تعالى :
وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ..(فاطر11)
فجاء الأسلوب كأنه يتحدث عن الغائب ، ولم يقُل سبحانه " أنا خلقتكم " ، فكأننا نقول : الله خلق الإنسان من تراب ؛ ذلك لأن وسائل الخطاب بين المتكلم ومخاطب تأتي على ثلاث صور : ضمير متكلم أنا ، او ضمير المخاطب أنت ، أو ضمير الغائب هو .
فالمتكلم حين يتكلم يقول : أنا فعلت . من الجائز أن يُكذَّب ، فإن خُوطب : أنت فعلت . من الجائز أن يُنافق .، لكن إذا جاء الأسلوب بصيغة الغائب : هو فعل ، فقد برئنا من الادعاء في المتكلم ، ومن النفاق في المخاطب .
وهذا هو الحال مع الكلمة العبرية "إلوهيم" فهي للتعظيم .










رد مع اقتباس


المفضلات