ـ وروى الترمذي (2563) عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : (إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلا كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ .
ثُمَّ يَقُولُ : أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ ؟
فَيَقُولُ : لا يَا رَبِّ
فَيَقُولُ : أَفَلَكَ عُذْرٌ ؟
فَيَقُولُ : لا يَا رَبِّ
فَيَقُولُ : بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً فَإِنَّهُ لا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولُ احْضُرْ وَزْنَكَ فَيَقُولُ : يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلاتِ ؟!!
فَقَالَ : إِنَّكَ لا تُظْلَمُ ، قَالَ فَتُوضَعُ السِّجِلاتُ فِي كَفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ فَطَاشَتْ السِّجِلاتُ وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَةُ فَلا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ )
ورواه ابن ماجة (4290) بلفظ ( يُصَاحُ بِرَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلائِقِ فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلا كُلُّ سِجِلٍّ مَدَّ الْبَصَرِ
ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : هَلْ تُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا ؟
فَيَقُولُ : لا يَا رَبِّ
فَيَقُولُ : أَظَلَمَتْكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ ؟ ، ثُمَّ يَقُولُ : أَلَكَ عَنْ ذَلِكَ حَسَنَةٌ ؟
فَيُهَابُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ : لا
فَيَقُولُ : بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَاتٍ وَإِنَّهُ لا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ فَتُخْرَجُ لَهُ بِطَاقَةٌ فِيهَا أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ
قَالَ فَيَقُولُ : يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلاتِ ؟!!
فَيَقُولُ : إِنَّكَ لا تُظْلَمُ فَتُوضَعُ السِّجِلاتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ فَطَاشَتْ السِّجِلاتُ وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَةُ )
ورواه أحمد (6699) بلفظ ( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَسْتَخْلِصُ رَجُلا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلا كُلُّ سِجِلٍّ مَدَّ الْبَصَرِ
ـ 227 ـ

ثُمَّ يَقُولُ لَهُ : أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا ؟ أَظَلَمَتْكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ ؟
قَالَ : لا يَا رَبِّ
فَيَقُولُ : أَلَكَ عُذْرٌ أَوْ حَسَنَةٌ ؟
فَيُبْهَتُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ : لا يَا رَبِّ
فَيَقُولُ : بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً وَاحِدَةً لا ظُلْمَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ فَتُخْرَجُ لَهُ بِطَاقَةٌ فِيهَا أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ
فَيَقُولُ : أَحْضِرُوهُ
فَيَقُولُ يَا رَبِّ : مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلاتِ ؟ !!
فَيُقَالُ : إِنَّكَ لا تُظْلَمُ قَالَ فَتُوضَعُ السِّجِلاتُ فِي كَفَّةٍ
قَالَ : فَطَاشَتْ السِّجِلاتُ وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَةُ وَلا يَثْقُلُ شَيْءٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
وهذا حديث البطاقة يؤيد ما قلنا ، ويؤكد أن التصديق والإقرار لا يكتب في سجل الحسنات ، بدليل أن الرجل لم يجد ذلك في سجله . وبالطبع ليس القول مقتصر على النطق باللسان كما يشوش البعض به ؛ وإنما هو قول القلب وقول اللسان ؛ لأن تخلف قول القلب نفاق والمنافق قد خرج بالأدلة الأخرى . وأمر آخر أن الإيمان عند السلف قول وعمل ، فيخرج من النار من ليس عنده عمل قط ، ثم يخرج الله من كان عنده القول .
ثالثا : مخالفته لإجماع العلماء .
من المعروف أنه يثبت عقد الإسلام بالنطق والتصديق القلبي كما قدمنا .
قال الشيخ الملا علي القارئ :
الإجماع منعقد على إيمان من صدق بقلبه وقصد الإقرار بلسانه ومنعه مانع من خرس ونحوه . أ ـ هـ([1])
ـ وقال أبو الحسن المالكي :
ما أحسن ما قال عياض : إن وجد الاعتقاد والنطق فمؤمن اتفاقا ؛ وإن عدم فكافر اتفاقا .
وإن وجد الاعتقاد ومنعه من النطق مانع فمؤمن على المشهور
وإن وجد النطق وحده فمنافق في الزمن الأول والآن زنديق . أ ـ هـ([2])

وقال الإمام الأجري :
أن أهل العلم من أهل الحق إذا سئلوا : أمؤمن أنت ؟ قال آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار ، وأشباه ذلك ، والناطق بهذا والمصدق به بقلبه مؤمن ، وإنما الاستثناء في الإيمان لا يدري : أهو ممن يستوجب ما نعت الله عز وجل به المؤمنين من حقيقة الإيمان أم لا ؟ !
هذا طريق الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ والتابعين لهم بإحسان ، عندهم أن الاستثناء في الأعمال لا يكون في القول والتصديق بالقلب وإنما الاستثناء في الأعمال الموجبة لحقيقة الإيمان ، والناس عندهم على الظاهر مؤمنون يتوارثون ، وبه يتناكحون ، وبه تجري أحكام ملة الإسلام ولكن الاستثناء منهم على حسب ما بيناه لك وبينه العلماء من قبلنا . أ ـ هـ([3])
فها هو الأجري رحمه الله يعتبر من أتى بالتصديق القلبي وإقرار اللسان مؤمن ويعتبر ذلك طريق الصحابة والتابعين لهم بإحسان
وقدمنا نقل النووي الاتفاق على ذلك .
رابعا : مخالفة هذه البدعة لأقوال أهل العلم
ـ قال الإمام محمد بن نصر المروزي :

نقول للإيمان أصل وفرع وضد الإيمان الكفر في كل معنى
فأصل الإيمان : الإقرار والتصديق
وفرعه : إكمال العمل بالقلب والبدن

فضد الإقرار والتصديق الذي هو أصل الإيمان : الكفر بالله وبما قال وترك التصديق به وله
وضد الإيمان الذي هو عمل وليس هو إقرار : كفر ليس بكفر بالله ينقل عن الملة ولكن كفر يضيع العمل كما كان العمل إيمانا وليس هو الإيمان الذي هو إقرار بالله فكما كان من ترك الإيمان الذي هو إقرار بالله كافرا يستتاب ومن ترك الإيمان الذي هو عمل مثل الزكاة والحج والصوم أو ترك الورع عن شرب الخمر والزنا فقد زال عنه بعض الإيمان ولا يجب أن يستتاب عندنا ولا عند من خالفنا من أهل السنة وأهل البدع ممن قال إن الإيمان تصديق وعمل إلا الخوارج وحدها فكذلك لا يجب بقولنا كافر من جهة تضييع العمل أن يستتاب ولا يزول عنه الحدود وكما لم يكن بزوال الإيمان الذي هو عمل استتابته ولا إزالة الحدود عنه إذ لم يزل أصل الإيمان عنه فكذلك لا يجب علينا استتابته وإزالة الحدود والأحكام عنه بإثباتنا له اسم الكفر من قبل العمل إذ لم يأت بأصل الكفر الذي هو جحد بالله . أ ـ هـ([4])
ـ وقال ابن حزم :
مسألة : ومن اعتقد الإيمان بقلبه ونطق بلسانه فقد وفق استدل أو لم يستدل فهو مؤمن عند الله وعند المسلمين
مسألة : ومن ضيع الأعمال كلها فهو مؤمن عاص ناقص الإيمان لا يكفر أ ـ هـ([5])
ـ وقال في كتابه ( الدرة فيما يجب اعتقاده ص337) :
وإنما لم يكفر من ترك العمل وكفر من ترك القول لأن رسول الله r حكم بالكفر على من أبى القول وإن كان عالما بصحة الإيمان بقلبه ، وحكم بالخروج من النار لمن آمن بقلبه وقال بلسانه وإن لم يعمل خيرا قط . أ ـ هـ
ـ والأشاعرة قالوا : الأعمال ليست من الإيمان وإنما من شرائعه ، فرد عليهم الإمام القاضي أبو يعلى محمد بن حسين الفراء بقوله في كتابه (مسائل الإيمان ص 164) :
قيل أما قولك أنها من شرائعه ، فإن أردت به من واجباته فهو معنى قولنا أنها من الإيمان ، وأنه بوجودها يكمل إيمانه ، وبعدمها ينقص ، فيحصل الخلاف بيننا في عبارة . أ ـ هـ
ـ وقال أبو محمد اليمني وهو من علماء القرن السادس في كتابه : (عقائد الثلاث والسبعين فرقة 1/313) :