أعلم أخي الكريم السيف البتار ان من الذي نقلته من كتاب الميزان في تفسير القران يوجد رد على الشبهة الموجودة في نفس الايات
وقد قرأت ما كتبت لنا أنت بردك على هذه الشبهة والموجود على هذا الرابط

http://www.ebnmaryam.com/vb/showthread.php?t=142

ولكنني رأيت في هذا التفسير ابداع وتبين للحق بطريقة ميسرة فنقلته اليكم كي تعم الفائدة وهناك المزيد ان شاء الله

***********************

يتبع لما في المشاركة الاولى


و يظهر به فساد ما ذكره بعضهم: أن الكلام في طبيعة البشر و الحب الناشىء فيها و مثله لا يسند إلى الشيطان بحال و إنما يسند إليه ما هو قبيل الوسوسة التي تزين للإنسان عملا قبيحا.

قال: و لذلك لم يسند إليه القرآن إلا تزيين الأعمال، قال تعالى: «و إذ زين لهم الشيطان أعمالهم»، و قال «و زين لهم الشيطان ما كانوا يعملون»، و أما الحقائق و طبائع الأشياء فلا تسند إلا إلى الخالق الحكيم الذي لا شريك له، قال عز و جل: «إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا» و قال: كذلك زينا لكل أمة عملهم» فالكلام في الأمم كلام في طبائع الاجتماع، انتهى.

وجه الفساد: أنه و إن أصاب في قوله: إن الحقائق و طبائع الأشياء لا تسند إلا إلى الخالق الحكيم الذي لا شريك له لكنه أخطأ في قوله: إن الكلام في طبيعة البشر و ما ينشأ منها بحسب الطبع، و ذلك أن السورة كما علمت في مقام بيان أن الله سبحانه هو القيوم على خلقه في جميع ما هم عليه من الخلق و التدبير و الإيمان و الكفر و الإطاعة و العصيان، خلق الخلق و هداهم إلى سعادتهم، و أن الذين نافقوا في دينه من المنافقين أو كفروا بآياته من الكافرين أو بغوا بالاختلاف في كتابه من أهل الكتاب، و بالجملة الذين أطاعوا الشيطان و اتبعوا الهوى ليسوا بمعجزين لله غالبين عليه مفسدين لقيمومته بل الجميع راجع إلى قدره و تدبيره أمر خلقه في تحكيم ناموس الأسباب لتقوم بذلك سنة الامتحان فهو الخالق للطبائع و قواها و ميولها و أفعالها لتسلك بها إلى جوار ربها جوار القرب و الكرامة، و هو الذي أذن لإبليس و لم يمنعه من الوسوسة و النزعة و لم يمنع الإنسان من اتباعه باتباع الهوى ليتم أمر الامتحان و ليعلم الله الذين آمنوا و يتخذ منهم شهداء، و إنما بين ذلك في هذه السورة ليتسلي بذلك نفوس المؤمنين، و يطيب بذلك قلوبهم بما هم عليه عند نزول السورة من العسرة و الشدة و الابتلاء من الداخل بنفاق المنافقين و جهالة الذين في قلوبهم مرض بإفساد الأمور و تقليبها عليهم، و التقصير في طاعة الله و رسوله، و من الخارج بالدعوة الشاقة الدينية، و وثوب الكفار من العرب عليهم من جانب، و أهل الكتاب و اليهود منهم خاصة من جانب آخر، و تهديد الكفار كالروم و العجم بالقوة و العدة من جانب آخر، و هؤلاء الكافرون و من يحذو حذوهم اشتبه عليهم الأمر في الركون إلى الدنيا و زخارفها حيث أخذوها غاية و هي مقدمة و الغاية أمامها.

فالسورة كما ترى تبحث عن طبائع الأمم لكن بنحو وسيع يشمل جهات خلقهم و تكوينهم و جميع ما يتعقب ذلك في مسير حيوتهم من الخصائل و أعمال السعادة و الشقاوة و الطاعة و المعصية فتبين أن ذلك كله تحت قيمومته تعالى لا يقهر في قدرته، و لا يغلب في أمره لا في الدنيا و لا في الآخرة أما في الدنيا فإنما هو إذن و امتحان، و أما في الآخرة فإنما هو الجزاء إن خيرا فخير و إن شرا فشر.

و كذلك الآيات أعني قوله: إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم و لا أولادهم إلى تمام تسع آيات في مقام بيان أن الكفار و إن كذبوا آيات ربهم و بدلوا نعم الله التي أنعمها عليهم ليتوسلوا بها إلى رضوانه و جنته فركنوا و اعتمدوا عليها و استغنوا بها عن ربهم، و نسوا مقامه ليسوا بمعجزين و لا غالبين فسيأخذهم الله بنفس أعمالهم، و يؤيد عباده المؤمنين عليهم و سيحشرهم إلى جهنم و بئس المهاد، و هم مع ذلك غالطون في الركون إلى ما ليس إلا متاعا في الحياة الدنيا و عند الله حسن المآب، فالآيات أيضا تبحث عن طبيعة الكفار لكن بنحو وسيع يشمل الصالح و الطالح من أعمالهم.

على أن الآية التي ذكرها هذا القائل مستشهدا بها على أن الحقائق لا تسند إلا إلى الله و إنما يسند إلى الشيطان الأعمال أعني قوله تعالى: «كذلك زينا لكل أمة عملهم» يدل بما حف عليه من القرائن على خلاف ذلك و يؤيد ما ذكرناه و هو قوله تعالى: «و لا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون»: الأنعام - 108، و هو ظاهر.


و كذا يظهر فساد ما ذكره بعضهم: أن التزيين على قسمين محمود و مذموم و الأعمال نوعان حسنة و سيئة، و إنما يسند إلى الله سبحانه ما هو منها محمود ممدوح حسن، و الباقي للشيطان و هو و إن كان حقا من وجه و لكنه إنما يصح في النسبة المستقيمة التي يعبر عنه بالفعل و نحوه فالله سبحانه لا يفعل إلا الجميل، و لا يأمر بالسوء و الفحشاء، و أما النسبة غير المستقيمة و بالواسطة التي يعبر عنه بالإذن و نحوه فلا مانع عنها، و لو لا ذلك لم يستقم ربوبيته لكل شيء، و خلقه لكل شيء، و ملكه لكل شيء، و انتفاء الشريك عنه على الإطلاق، و القرآن مشحون من هذه النسبة كقوله تعالى: «يضل من يشاء»: الرعد - 27، و قوله: «أزاغ الله قلوبهم»: الصف - 5، و قوله: «الله يستهزىء بهم و يمدهم في طغيانهم: البقرة - 15، و قوله: «أمرنا مترفيها ففسقوا»: الإسراء - 16، إلى غير ذلك من الآيات، و لم ينشأ خطؤهم هذا إلا من جهة ما قصروا في البحث عن روابط الأشياء و آثارها و أفعالها فحسبوا كل واحد من هذه الأمور الموجودة أمرا مستقل الوجود منقطع الذات عما يحتف به من مجموعة الأشياء و قبيل المصنوعات و ما يتقدم عليها و ما يتأخر عنها.

و لزم ذلك أن يضعوا الحوادث التي هي نتائج تفاعل الأسباب و العلل على ما فطرها الله عليه في مسير السببية متقطعة متفرقة غير متصلة و لا مرتبطة فكانت كل حادثة حدثت عن أسبابها و كل فعل فعله فاعله منقطع الوجود عن غيره مملوكا لصاحبه ليس لغير سببه المتصل به فيه نصيب و لا في حدوثه حظ، فأجرام تدور، و بحر تسري و فلك تجري، و أرض تقل، و نبات ينبت، و حيوان يدب، و إنسان يعيش و يكدح لا التيام روحي معنوي يجمعها و لا وحدة جسمية من المادة و قوتها: توحدها.

ثم تعقب ذلك أن يظنوا نظير هذا الانفصال و التلاشي بين عناوين الأعمال و صور الأفعال من خير و شر، و سعادة و شقاوة، و هدى و ضلال، و طاعة و معصية و إحسان و إساءة، و عدل و ظلم، و غير ذلك فكانت غير مرتبطة الوجود و لا متشابكة التحقق.

و قد ذهلوا عن أن هذا العالم بما يشتمل عليه من أعيان الموجودات و أنواع المخلوقات مرتبط الأجزاء متلائم الأبعاض، يتبدل جزء منه إلى جزء، و يتحول بعضه إلى بعض، فيوما إنسان، و يوما نبات، و يوما جماد، و يوما جمع، و يوما فرق، و حيوة البعض بعينها ممات الآخر، و كون الجديد منه فساد للقديم بعينه.

و كذلك الحوادث الجارية مرتبطة ارتباط حلقات السلسلة أي وضع فرض لواحدة منها مؤثر في أوضاع ما يقارنها و ما يتقدمها إلى أقدم العهود المفروضة للعالم الطبيعي كالسلسلة التي تنجر بجر الحلقة منها جميع الحلقات و هو السلسلة فأدنى تغير مفروض في ذرة من ذرات هذا العالم يوجب تغير الحال في الجميع، و إن عزب عن علمنا و إدراكنا أو خفي عن إحساسنا فعدم العلم لا يستلزم عدم الوجود، فهذا مما بينت في الأبحاث العلمية منذ القديم، و أوضحته الأبحاث الطبيعية و الرياضية اليوم أتم إيضاح، و لقد كان القرآن ينبئنا بذلك أحسن الإنباء قبل أن نأخذ في هذه الأبحاث من فلسفيها و طبيعيها و رياضيها بالنقل عن كتب الآخرين ثم بالاستقلال في البحث، و ذلك بما يذكر من اتصال التدبير في الآيات السماوية و الأرضية، و ارتباط ما بينها، و نفع بعضها في بعض، و اشتراك الجميع في إقامة غرض الخلقة، و نفوذ القدر في جميعها و السلوك إلى المعاد، و أن إلى ربك المنتهى.

و كذلك أوصاف الأفعال و عناوين الأعمال مرتبطة الأطراف كارتباط الأمور المتقابلة المتعاندة فلو لا أحد المتعاندين لم يستقم أمر الآخر كما نشاهده من أمر الصنع و الإيجاد أن تكون شيء ما يحتاج إلى فساد آخر، و سبق أمر يتوقف على لحوق آخر.

و لو لم يتحقق أحد الطرفين من أوصاف الأعمال لم يستقم أمر الآخر في آثاره المطلوبة منه في الاجتماع الإنساني الطبيعي، و لا في الاجتماع الإلهي الذي هو الدين الحق، فإن الإطاعة مثلا حسنة لأن المعصية سيئة، و الحسنة موجبة للثواب، لأن السيئة موجبة للعقاب، و الثواب لذيذ للعامل لأن العقاب مولم له، و اللذة سعادة مرغوب فيها لأن الألم شقاوة مهروب عنها، و السعادة هي التي يتوجه وجوده بحسب الخلقة إليها و الشقاوة هي التي يتوجه عنها، و لو لا هذه الحركة الوجودية لبطل الوجود.

فالإطاعة ثم الحسنة ثم الثواب ثم اللذة ثم السعادة هي بحيال المعصية فالعقاب فالألم فالشقاء و إنما يظهر كل منها بخفاء ما يقابله و يحيى بموته، و كيف يمكن أن تقع دعوة إلى شيء من غير تحذير عما يخالفه؟ و كيف يمكن أن يكون خلافه ممكنا دون أن يكون واقعا بما يدعو إليه من الأغراض و الميول؟.

فقد تبين من ما ذكرناه: أن الواجب في الحكمة أن يشتمل هذا العالم على الفساد كما يشتمل على الصلاح و على المعصية كما يشتمل على الطاعة على ما قدره الله في نظام صنعه و خلقه غير أن الكون و الفساد في غير الأعمال و أوصافها ينسبان إلى الله سبحانه لأن الخلق و الأمر له.

لا شريك له و قبيل السعادة من الأعمال تنسب إليه بالهداية نسبة مستقيمة و قبيل الشقاوة منها كوسوسة الشيطان و تسليط الهوى على الإنسان و تأمير الظالمين على الناس و نحو ذلك ينسب إليه تعالى بالإضلال و الإخزاء و الخذلان و نحوها نسبة غير مستقيمة، و هي التي يعبر عنها بالإذن فيقال: إنه تعالى أذن للشيطان أن ينزع بالوسوسة و التسويل، و لم يمنع الإنسان أن يتبع الهوى، و لم يضرب بين الظالم و ما يريده من الظلم بحجاب لأن السعادة و الشقاوة مبنيتان على الاختيار، فمن سعد فباختياره، و من شقي فباختياره، و لو لا ذلك لم تتم الحجة، و لم تجر سنة الاختيار و الامتحان.

و لم يمنع هؤلاء الباحثين عن الاسترسال في هذه المباحث إلا استيحاشهم من وخيم نتائجها بزعمهم، فأما المجبرة منهم فزعموا أن لو قالوا بارتباط الأشياء و ضرورة تأثير الأسباب و اعترفوا بذلك لزمهم الإيجاب في جانب الصانع تعالى و سلب قدرته المطلقة على التصرف في مصنوعاته.

و أما غيرهم فزعموا أن لو أذعنوا بذلك في مرحلة الأعمال و أسندوها إلى إرادته و قدره تعالى لزمهم القول بالإيجاب و الإجبار في جانب المصنوع و هو الإنسان، و ببطلان الاختيار يبطل الثواب و العقاب، و التكليف و التشريع.

مع أنهم كان يسعهم أن يستأنسوا من غير استيحاش بكلامه تعالى حيث يقول: «و الله غالب على أمره»: يوسف - 21 و يقول: «ألا له الخلق و الأمر»: الأعراف - 54 و يقول: «لله ما في السموات و الأرض»: يونس - 55، على أنها و ما يماثلها آيات تعطي البرهان في ذلك، و قد تقدمت نبذة من هذا البحث في الكلام على قوله تعالى «إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا»: البقرة - 26.

و لنرجع إلى ما كنا فيه من الكلام في قوله تعالى: زين للناس حب الشهوات فنقول: الظاهر أن فاعل زين غيره تعالى و هو الشيطان أو النفس: أما أولا فلأن المقام مقام ذم الكفار بركونهم إلى هذه المشتهيات من المال و الأولاد و استغنائهم بتزينها لهم عن الله سبحانه، و الأليق بمثل هذه الزينة الصارفة عن الله الشاغلة عن ذكره أن لا ينسب إليه تعالى.

و أما ثانيا: فلأنه لو كان هذا هو التزيين المنسوب إليه تعالى لكان المراد به الميل الغريزي الذي للإنسان إلى هذه الأمور فكان الأنسب في التعبير أن يقال: زين للإنسان أو لبني آدم و نحوها كقوله تعالى: «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين»: التين - 5، و قوله تعالى: «و لقد كرمنا بني آدم و حملناهم في البر و البحر الآية: الأسرى - 70، و أما لفظ الناس فالأعرف منه أن يستعمل في الموارد التي فيها شيء من إلغاء الميز أو حقارة الشخص و دناءة الفكر نحو قوله: «فأبى أكثر الناس إلا كفورا»: الأسرى - 89، و قوله: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى»: الحجرات - 13 و غير ذلك.


يتبع