فتوهم نفسك لذلك الخوف والفزع والرعب والغربة والتحير إذا تبرأ منك الولد والوالد والأخ والصاحب والعشائر ، وفررت أنت منهم أجمعين ، فكيف خذلتهم وخذلوك ، ولولا عظم هول ذلك اليوم ما كان من الكرم والحفاظ أن تفرَّ من أمك وأبيك وصاحبتك وبنيك وأخيك ، ولكن عظم الخطر ، واشتد الهول فلا تلام على فرارك منهم ، ولا يلامون ، ولم تخصهم بالفرار دون الأقرباء لبغضك إياهم ، وكيف تبغضهم أو يبغضونك ، وكيف خصصتهم بالفرار منهم ، أتبغضهم وإنهم لهم الذين كانوا في الدنيا مؤانسيك وقرة عينك وراحة قلبك ، ولكن خشيتَ أن يكون لأحد عندك منهم تَبِعةٌ فيتعلق بك حتى يخاصمك عند ربك عزَّ وجلَّ ، ثم لعله أن يحكم له عليك فيأخذ منك ما ترجو أن تنجو به من حسناتك فيفرقك منها فتصير بذلك إلى النار .
فبينما أنت في ذلك إذا ارتفعت عنق من النار فنطقت بلسان فصيح بمن وُكِّلتْ بأخذهم من الخلائق بغير حساب ، ثم أقبل ذلك العنق فيلتقطهم لقط الطير الحب ، ثم انطوت عليهم فألقتهم في النار فابتلعتهم ، ثم خنست بهم في جهنم فيُفعل ذلك بهم ، ثم ينادي مناد : سيعلم أهل الجمع مَنْ أولى بالكرم ، ليقم الحمَّادون لله على كل حال ، فيقومون فيسرحون إلى الجنة ، ثم يفعل ذلك بأهل قيام الليل ، ثم بمن لم يشغله تجارة الدنيا ولا بيعها عن ذكر مولاه حتى إذا دخلت هذه الفرق من أهل الجنة والنار ، تطايرت الكتب في الأيمان والشمائل ونصبت الموازين .
فتوهم الميزان بعظمه منصوباً ، وتوهم الكتب المتطايرة وقلبك واجف متوقِّع أين يقع كتابك في يمينك أو في شمالك .
15- عن الحسن أن رسول اللهكان رأسه في حجر عائشة فنعس ، فتذكرتْ الآخرة فبكت ، فسالت دموعها على خدِّ النبي
فاستيقظ بدموعها ، فرفع رأسه فقال : " ما يبكيك يا عائشة ؟ فقالت : يا رسول الله تذكرتُ الآخرة ، هل تذكرون أهليكم يوم القيامة ؟ قال : " والذي نفسي بيده في ثلاث مواطن فإن أحداً لا يذكر إلا نفسه : إذا وضعت الموازين ووزنت الأعمال حتى ينظر ابن آدم أيخف ميزانه أم يثقل ، وعند الصحف حتى ينظر أبيمينه يأخذ أم بشماله ، وعند الصراط " .
16*- وعن أنس بن مالك قال : ( يؤتى بابن آدم يوم القيامة حتى يوقف بين كفَّتي الميزان ويوكَّل به مَلكٌ ، فإن ثقل ميزانه نادى الملك بصوته يُسمع الخلائق : سعد فلان ابن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً ، وإن خفَّ ميزانه نادى الملك بصوته يُسمع الخلائق : شقى فلان ابن فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبداً ) .
فبينا أنت واقف مع الخلائق إذ نظرت إلى الملك وقد أُمِرَ أن يحضر بالزبانية ، فأقبلوا بأيديهم مقامع من حديد ، عليهم ثياب من نار ، فلما رأيتَهم فهبتَهم طار قلبك فزعاً ورعباً ، فبينا أنت كذلك إذ نودي باسمك فنوديت على رؤوس الخلائق الأولين والآخرين : أين فلان ابن فلان ؟ هلمَّ إل ى العرض على الله عزَّ وجلَّ ، وقد وُكِّلَ الملائكة بأخذك حتى يقرِّبوك إلى ربك ، فلم يمنعها اشتباه الأسماء باسمك أن تعرفك لما ترى بك أنك المراد بالدعاء المطلوب ـ . قال : حدثنا طلحة بن عمرو قال : قال لي عطاء بن أبي رباح : ( يا طلحة ، ما أكثر الأسماء على اسمك ، وما أكثر الأسماء على اسمي ، فإذا كان يوم القيامة قيل : يا فلان ، فقام الذي يُعنى لا يقوم غيره لما لزم قلبك من العلم ) ـ فوثبتَ على قدميك ، ترتعد فرائصك وتضطرب جوارحك ، متغيراً لونك فزعاً مرعوباً مرتكضاً قلبك في صدرك بالخفقان ، فلمَّا عاينتك الملائكة الموكَّلون بأخذك قد حلَّ بك الاضطراب بالارتعاد والمخافة علمت أنك أنت المراد من العباد ، فأهوت إليك بأيديها فقبضت عليك بعنفها ثم جذبتك إلى ربك عز وجل كما تجذب الدواب المنقادة ، تتخطى بك الصفوف محثوثاً إلى العرض على الله عزَّ وجلَّ والوقوف بين يديه ، وقد رفع الخلائق إليك أبصارهم وأنت مجذوب إلى ربك عزَّ وجلَّ فيما بينهم .
فتوهم حين وقفت بالاضطراب والارتعاد يرعد قلبك ، وتوهم مباشرة أيديهم على عضديك ، وغلظ أكفِّهم حين أخذوك ، فتوهم نفسك محثوثة في أيديهم ، وتوهم تخطيك الصفوف ، طائراً فؤادك مختلعاً قلبك ، فتوهم نفسك في أيديهم كذلك حتى انتهوا بك إلى عرش الرحمن ، فقذفوا بك من أيديهم ، وناداك الله عزَّ وجلَّ بعظيم كلامه : ادن مني يا ابن آدم فغيَّبك في نوره ، فوقفت بين يدي رب عظيم جليل كبير كريم بقلب خافق محزون ، وجل مرعوب ، وطرف خائف ، خاشع ذليل ، ولون متغير ، وجوارح مرتعدة مضطربة ، كالحمل الصغير حين تلده أمه ، ترتعد بيدك صحيفة محبَّرة لا تغادر بليَّة كسبتَها ولا مخبأة أسررتها ، فقرأت ما فيها بلسان كليل وحجة داحضة وقلب منكسر ، فكم لك من حض وخجل وجبن من المولى الذي لم يزل إليك محسناً ، وعليك ساتراً فبأي لسان تجيبه حين يسألك عن قبيح فعلك وعظيم جرمك ، وبأي قدم تقف غداً بين يديه ، وبأي نظر تنظر إليه ، وبأي قلب تحتمل كلامه العظيم الجليل ومساءلته وتوبيخه ؟






كان رأسه في حجر عائشة فنعس ، فتذكرتْ الآخرة فبكت ، فسالت دموعها على خدِّ النبي 
رد مع اقتباس


المفضلات