آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


-
5- مواقف الأطراف السياسية والاجتماعية والفكرية المصرية من المسألة القبطية:
بعد أن تجولنا تاريخياً حول هذه المسألة منذ الحملة الفرنسية علي مصر وحتي الآن نحتاج لاستعراض موقف الأطراف والقوي السياسية والاجتماعية والفكرية المصرية الآن من هذه المسألة.
أولاً: موقف الدولة والحزب الوطني الحاكم:
بالنسبة للدولة وأجهزتها في هذا الشأن فالقضية لديها ليس فيها موقف يخالف طبيعة الدولة ودورها، فالحقيقة لا يوجد هناك موقف مع أو ضد، لأن طبيعة الدولة السعي نحو الاستقرار والمحافظة علي الأمن وعدم إثارة القلاقل ،وإن كان هناك من دور سلبي أو إيجابي سيكون للأفراد كأفراد وكجزء من المجتمع، فلقد سعي الرئيس مبارك منذ مجيئه وخاصة في الفترة الأولي من حكمه إلي تهدئة الأجواء ومحاولة حل الملفات الساخنة وكان منها موضوع عزل البابا شنودة عن منصبه كبطريرك للأقباط الأرثوذكس ،وقد كان فقد صدر قرار من الرئيس مبارك بعودته ( أي عودة البابا شنودة) إلي موقعه بالرغم من صدور حكم من محكمة القضاء الإداري يؤيد عزله - سبق الإشارة إليه- ثم حينما أثير بعد ذلك ملف بناء الكنائس وترميمها وما يواجهها من صعوبات نظراً لأن الموافقة علي بناء الكنائس أو ترميمها كان من اختصاص رئيس الجمهورية ، صدر قرار من رئيس الجمهورية بتفويض المحافظين في هذه القرارات، كما صدر مؤخراً قرار بجعل يوم عيد الميلاد المجيد وهو وفق التقويم القبطي الأرثوذكسي هو يوم 7 يناير جعل هذا اليوم عيداً رسمياً للبلاد تعطل فيه جميع المصالح والمؤسسات والمدارس والجامعات كباقي الأعياد الرسمية الإسلامية والوطنية، كما تم الاستجابة من قبل رئيس الدولة لبعض الطلبات المتجاوزة للحق وللقانون رغماً عن اعتراض كثير من الأجهزة الأمنية لتجنب إثارة المشكلات مع قيادة الكنيسة التي عادت تمارس سياسة الضغط والابتزاز للدولة وأجهزتها من أجل مطالب سياسية أكثر منها مطالب متعلقة بالحقوق الدينية، كما فعلت قيادة الكنيسة الأرثوذكسية وخاصة البابا شنودة في معظم فترة الرئيس السادات مما عمق حالة الاستفزاز عند كثير من قيادات الأجهزة التنفيذية للدولة والمسئولين في مواقع كثيرة.
أما الحزب الوطني الحاكم فدوره يكاد يكون معدوماً في المسائل الهامة ويتحول إلي جهاز تابع للدولة وليس صانع لسياساتها ، وينطبق ذلك علي المسألة القبطية فمنذ تأسيس الرئيس السادات للحزب الوطني عام 1978 كان هناك من رموز المؤسسيين والقيادات الفعلية للحزب السيد/ فكري مكرم عبيد ،ومع مرور الوقت تراجع هذا الدور إلي أن اختفي ولم تعد هناك قيادات بارزة قبطية بالحزب ،وكما أشرت في الانتخابات البرلمانية الأخيرة وُجه اللوم للحزب الوطني لعدم ترشيح عدد مناسب علي مقاعد مجلس الشعب ( البرلمان) ، وإن كان مرجع الأمر كما قلت إلي غياب الحزب الوطني ككيان حقيقي فاعل في السياسة المصرية والواقع المصري وتحوله أو اعتماده التام علي الدولة وأجهزتها وهذه مشكلة أخري ليس المجال هنا للحديث عنها.
ثانياً: موقف الأقباط الأرثوذكس: سبق وقلنا أن حوالي 80% من الأقباط المسيحيين هم من طائفة الأرثوذكس وبالتالي هم أهم فصيل في الأقباط المسيحيين المصريين لكننا لا نستطيع أن نتحدث عن الأرثوذكس كشئ واحد ولكن نتحدث عنهم كمواقف متباينة من البابا وقيادة الكنيسة إلي الأقباط الوطنيين غير رجال الدين إلي عموم جمهور الأقباط إلي أقباط المهجر.
أ- البابا شنودة وقيادات الكنيسة:
لعب البابا شنودة دوراً سياسياً منذ مجيئه إلي كرسي البابوية منذ عام 1971 وسعي لاحتواء أغلبية الأقباط الأرثوذكس داخل مجتمع الكنيسة حتى نجح في ذلك إلى حد كبير، وغطي معظم احتياجات الجمهور القبطي من ناحية الأنشطة الاجتماعية والثقافية والصحية والرياضية والترفيهية... الخ داخل مجتمع الكنائس، وبالتالي عمق انعزالهم مع أسباب أخري عن المجتمع والتأثير فيه خاصة من الناحية السياسية ،وقد استمر البابا في أساليب الضغط التي يمارسها علي الدولة وأجهزتها بشكل خاص وعلي الرأي العام بشكل عام بالاعتكاف الاحتجاجي في دير وادي النطرون أو الامتناع عن تلقي التهاني بالأعياد المسيحية أو التحريض المباشر لأقباط المهجر في عهد الرئيس السادات كما أثبتته محكمة القضاء الإداري في حكمها بتأييد عزله في 12/4/1983 أو بطريق غير مباشر كما يحدث في فترة الرئيس مبارك حتى لا يقع تحت طائلة إجراءات مماثلة كالتي قام بها الرئيس السادات وأيده القضاء الإداري فيها وخاصة الشق الخاص بعزل البابا عن موقعه. وللأسف سيطر البابا شنودة تماماً علي أغلب قيادات الكنيسة واختفي تماماً أي صوت آخر يخالفه في هذا الشأن أمثال الأب متي المسكين وآخرين حاصرهم أو استبعدهم من مواقعهم، وأصبح الجميع إما يتبني أجندته التي يغلب عليها الطابع السياسي أو يدافع عنه طول الوقت مما عمق الاحتقان الطائفي ،ويظهر هذا من كتاباته في الصحف والمجلات ذات الصلة بالكنيسة و أخيراً بعض المحطات التليفزيونية المسيحية الطائفية التي تغذي الاحتقان الطائفي.
ب- موقف الأقباط العلمانيين( المدنيين):
داخل المجتمع المسيحي يطلق علي غير رجال الدين أو (الإكليروس)اسم العلمانيين أو غير رجال الكهنوت والرهبان، وكان من التاريخ الحديث لمصر هناك دائماً دور هام لهذه الطبقة من الأقباط في المشاركة في العمل العام السياسي والثقافي والفكري والاجتماعي وشاركوا أيضاً في رفض الاحتلال ومقاومته مع إخوانهم المسلمين، أيضاً منذ الحملة الفرنسية والاحتلال الإنجليزي وشاركوا في ثورة 1919 وفي قيادة حزب الوفد وفي جميع المواقع السياسية وخلال فترة ما بعد يوليو 1952 وحتى الآن، وكان هؤلاء الرموز يرفضون أي دور للكنيسة في المسائل السياسية أو المطالب السياسية وكانوا ينحازون للموقف الوطني العام بل وكثيراً منهم ينحاز للموقف القومي علي المستوي العربي، ويرفضون المطالب الطائفية التي تبنتها قلة من الأقباط في الداخل ومنظمات أقباط المهجر في الخارج وللأسف قيادات الكنيسة وعلي رأسهم البابا ، لكن مع الوقت بدأ موقف هؤلاء يضعف وخاصة في مواجهة البابا شنودة وفي عتابي مع أحدهم لعدم نقدهم المواقف الخاطئة للبابا كما انتقدنا نحن المواقف الخاطئة لقيادات إسلامية ورموز إسلامية كبيرة فيما يتعلق بالشأن القبطي فعلل عدم أخذهم هذا الموقف بخشيته بعدم الصلاة عليه عند وفاته بأوامر من البابا كما حدث مع من أعلن نقده علنياً من رموز الأقباط سواء العلمانيين منهم أو رجال الكنيسة الذين غضب عليهم( أمثال الكاتب موسى صبري والقس إبراهيم عبد السيد) فقلت له هذه مشكلتكم مع البابا وليست مشكلتنا نحن.
ج- موقف أقباط المهجر:
منذ أوائل الستينات ومع قرارات ثورة يوليو 1952 والتي أضرت بأصحاب رؤوس الأموال مسلمين ومسيحيين فقد كانت نسبة المضارين من المسيحيين أكبر من نسبة المسلمين لكونهم أكثر يساراً من المسلمين، منذ ذلك الوقت بدأت ظاهرة الهجرة إلي الخارج وخاصة الغرب( أوربا- الولايات المتحدة- كندا- استراليا) وخاصة من الأقباط المسيحيين المصريين ، وبدأت تتكون جاليات مع الوقت وبدأ يسمع عنها في أوائل السبعينات وبدأ يستعمل تعبير أقباط المهجر، وكانت الكنيسة الأرثوذكسية بقيادة البابا شنودة تَنظم بناء الكنائس لهم في أماكنهم والقيام بالرعاية الكنسية لهم في أماكنهم وبدأ توجيههم وفق أجندة البابا شنودة للضغط علي السلطة والدولة في مصر من أجل مكاسب سياسية كما سبق وأن أشرنا، وحينما تصدت له الدولة وعلي رأسها الرئيس السادات وخاصة بعد قرار عزله من موقعه تغير التكتيك الخاص بهذه المجموعات، وللعلم جزء من هؤلاء الناس حصل علي اللجوء لهذه البلاد ثم الجنسية بادعائه كذباً بالاضطهاد من أجل دينه وأراد هؤلاء التأكيد علي هذا الزعم ليبرروا للمجتمعات التي منحتهم اللجوء صدق زعمهم بالاضطهاد، فلذلك هم أكثر الأطراف إدعاءاً بغير حق بالاضطهاد وتضخيماً لأي حادث له بعد طائفي، ومنذ أوائل التسعينات بدأ انتشار منظمات وجمعيات تتحدث باسم أقباط المهجر وكثير من هذه المنظمات ذات علاقات مشبوهة بمنظمات دينية متطرفة غربية لها أجندة خفية وتستغل هذه المنظمات -أي منظمات أقباط المهجر- في تحقيق أغراض أخري لها في المنطقة، وبعض من هذه المنظمات والجهات ذات الصلة بالأجندة الصهيونية أو المسيحية الصهيونية، وبالتالي بعض من منظمات أقباط المهجر -وليس كل أقباط المهجر- يساعدون في تأجيج المسألة الطائفية في مصر ولا يساعدون علي حل حالات الاحتقان الطائفي لأن ضغوطهم بالخارج تجعل الأغلبية المسلمة وكثير من الوطنيين الأقباط يرفضون الاستجابة لأي مطلب يأتي من خلالهم، كما أن مشاعر الجمهور المسلم تُستفز حتى ضد إخوانهم المسيحيين المصريين في الداخل بسبب هذه الممارسات المشبوهة لهذه المنظمات، ولذلك تحاول كما حدث في مرات كثيرة وخاصة في مؤتمراتهم التي تعقد بالغرب سواء في أوربا أو في الولايات المتحدة الأمريكية التحريض ضد وطنهم والدعوة للتدخل الأجنبي من جديد في شئون وطنهم الأصلي مما يضر كثيراً كما قلت بمسألة التعايش السلمي بين أبناء الوطن الواحد مسلمين ومسحيين.
د- موقف جمهور الأقباط:
لا شك أن موقف جمهور الأقباط تأثر بموقف كل الأطراف سواء الأطراف المسيحية السابق الإشارة إليها أو التي سنشير إليها لاحقاً سواء من أطراف إسلامية أو علمانية أو أطراف خارجية ،فزاد حجم الاحتقان داخل الجمهور القبطي وأثارت داخله مخاوف وساهمت في عزلته داخل الكنائس بعيداً عن التأثير في المجتمع في أنشطته العامة وخاصة السياسية وبدأت تظهر بأشكال مختلفة أيضاً في ممارسات طائفية ومشاعر طائفية تشكل خطراً علي الأقباط وعلي المجتمع المصري كله.
ثالثا: موقف الكنائس القبطية الأخرى البروتستنتية والكاثوليكية:
سبق وأن قلنا أن نسبة الطوائف المسيحية الأخرى غير الأرثوذكس حوالي 20% من المسيحين المصريين أو حوالي 1% من عدد السكان الإجمالي، ونظراً لظروف كثيرة منها أن الطوائف الأخرى ظهرت مع ظهور الإرساليات الغربية في القرنين الماضيين فكان هناك اتهام ضمني أو صريح من الكنيسة الأرثوذكسية بأن هذه الطوائف وافدة وغير وطنية ، فكان رد فعل هذه الطوائف التأكيد علي وطنية كنائسهم واطلاق اسم القبطية أيضاً علي الكنائس الوطنية البروتستانية والكاثوليكية ومن كونهم أيضاً أقباطاً أو مصريين تحولوا إلي الكاثوليكية والبروتستانتية كما تحول الأقباط المسيحيين إلي الإسلام، كما كانت هذه الكنائس أكثر انفتاحاً واستنارة علي المجتمع وكافة المسلمين سواء في نشاطهم الاجتماعي أو الثقافي أو الحواري، وكانت أغلبية قيادات هذه الطوائف تميز نفسها عن الموقف الأرثوذكسي المتشدد بقيادة البابا شنودة، وإن كان في الفترة الأخيرة تأثر جزء كبير من جمهور هذه الطوائف بالمناخ غير الصحي الذي يشكو من الاحتقان الطائفي.
رابعاً: موقف القوي والحركات الإسلامية:
يتنوع أيضاً الموقف داخل الطرف المسلم بتنوع تشكيلاته بدءاً من جماعات العنف مروراً بالإخوان المسلمين ثم الأحزاب المدنية الإسلامية والمفكرين الإسلاميين المستقلين وإنتهاءاً بالجمهور المسلم العادي وسوف نتناول بإيجاز موقف كل منهم علي حدة.
أ- جماعات العنف:
كانت جماعات العنف من أهم مصادر تغذية الشعور بالطائفية وتغذية الاحتقان الطائفي سواء بأفكارها المتطرفة في التطرق إلى الأقباط المسيحيين في أدبياتها وأفكارها ومنشوراتها مما أثر سلباً علي قطاعات من المجتمع في نظرته وتعامله مع المسيحيين أو من خلال أعمالهم العدوانية ضد الأقباط واستحلال أموالها - مثل سرقة محلات الذهب المملوكة لأقباط مسيحيين لتمويل أنشطتهم- أو استحلال دمائهم وقتل عدد منهم سواء في أحداث عنف مباشر أو اعتداء علي كنائس وخاصة في الصعيد وبالقطع هذه الحوادث جاءت ضمن منظومة عنف شملت -كما ذكرنا- رموز في الدولة وأجهزة الأمن ومثقفين مسلمين ومواطنين عاديين مسلمين وكذلك الاخوة المسيحيين كما ذكرنا، وإن كانت أهم جماعة مارست العنف في الفترة الأخيرة داخل مصر وهي الجماعة الإسلامية الجهادية قد أعلنت التراجع عن العنف وأصدرت ما سمي بالمراجعات بالنسبة للأفكار المؤسسة للعنف ومنها النظرة إلى المسيحيين فتغيرت من استحلال أموالهم ودمائهم كأعداء إلى المفهوم التقليدي لأهل الذمة، وهو مفهوم تم تجاوزه من الناحية الفقهية والفكرية إلى مفهوم المواطنة القائمة علي المساواة في الحقوق والواجبات لكن هذه الجماعة لم تصل بعد إلى مفهوم المواطنة.
ب- الإخوان المسلمون:
تعتبر جماعة الإخوان المسلمين المصرية هي أقدم الجماعات الإسلامية السياسية في مصر والعالم العربي حيث تأسست عام 1928 كما ذكرنا علي يد الشيخ/ حسن البنا وقد بدأت جماعة دعوية دينية، ثم تحولت إلى الاهتمام بالسياسة بجانب الدعوة كجماعة شاملة بعد عشر سنوات منذ نشأتها أي عام 1938 وحتى الآن، ونظراً لدور الوفد التاريخي واستيعابه للمسألة الوطنية السياسية الجامعة مسلمين وأقباط بشكل مميز في تلك الفترة أي منذ عام 1919 حتى عام 1952 وكان دور الإخوان السياسي المتعلق بالانتخابات العامة البرلمانية ضعيفاً، والدليل علي ذلك ترشح الأستاذ البنا فقط مرتين للانتخابات مرة منها تراجع بعد اتفاق مع النحاس باشا زعيم الوفد ورئيس الوزراء في ذلك الوقت، والمرة الثانية فشل في الحصول علي المقعد ولذلك لم يكن موقف الإخوان السياسي من الأقباط له أهمية في ذلك الوقت، وان كانت العلاقات بالأقباط لم تكن سيئة بدليل أن الإخوان يذكرون في كتبهم وجود شخصيتان قبطيتان كانا مستشارين للجنة السياسية للإخوان ولم يكونا أعضاء بالطبع، بل والرجل الوحيد الذي سار في جنازة الشيخ البنا بعد اغتياله بواسطة البوليس السياسي أيام الملك هم مكرم باشا عبيد من زعماء الوفد المعروفين، ثم تراجع دور الإخوان السياسي بعد ذلك طوال فترة الرئيس عبد الناصر حتى فترة الرئيس السادات وبدأ الإخوان في العودة والظهور تدريجياً منذ منتصف السبعينات، ولم يكن أيضاً هناك تأثير علي عمليات الانتخابات البرلمانية أيضاً حتى انتخابات عام 1984 حيث اشترك الإخوان في قائمة حزب الوفد، ثم في قائمة التحالف الإسلامي الذي ضم حزب العمل وحزب الأحرار مع الإخوان المسلمين عام 1987، وقد كان موقف حزب العمل من الأقباط من الناحية السياسية إيجابياً، في حين أن موقف الإخوان كان ينتمي للفكر التقليدي حتى ذلك الوقت حيث النظرة إلى الأقباط كأهل ذمة، وحينما تبني المفكرون الإسلاميون المستقلون أمثال المستشار طارق البشري والدكتور سليم العوا والأستاذ فهمي هويدي فكرة المواطنة وتأصيلها من حيث الفقه والفكر الإسلامي لم تتأثر جماعة الإخوان بهذا التحول في البداية، وان كان تأثر به بعض أفراد فيها وكانت أفكار هؤلاء المفكرون المستقلون هي المغذية لفكرة إنشاء حزب الوسط الذي خرج جزء مهم من مؤسسيه من جماعة الإخوان، وإن كان في السنوات الأخيرة تبني تياراً منفتحاً داخل الإخوان ،وإن كان أقلية فكرة المواطنة بشكلها الكامل ويمثل هذا الجناح د. عبد المنعم أبو الفتوح في حين تبني الجناح الآخر مفهوم المواطنة لكن بشكل ناقص فلم يقتنع بعد بقبول فكرة تولي الولاية في المناصب الهامة والقضاء لغير المسلم ، وبالتالي لم يدعم الإخوان بشكل حقيقي وكامل أي مرشح قبطي في الانتخابات الأخيرة وإن كانوا تركوا بعض الدوائر خالية من مرشحيهم لوجود بعض رموز قبطية مرشحة في هذه الدوائر (بغير دعم مباشر انتخابي كما ذكرت).
ج- الأحزاب المدنية الإسلامية:
ويدخل تحت هذا العنوان حزب العمل ( المجمد الآن) وحزب الوسط تحت التأسيس .
حزب العمل:
فلقد كان حزب العمل قبل تجميده قد تحول علي يد المرحوم عادل حسين من الخط الاشتراكي الذي نشأ به الحزب واستمر مدة طويلة واسمه الأصلي ( حزب العمل الاشتراكي) أقول قاد عادل حسين هذا التحول من الفكر الاشتراكي إلى الخط الإسلامي، فكانت خلفيات عادل حسين الماركسية تجعله يتعامل مع ملف الأقباط بغير حساسية أكثر من أي فصيل إسلامي بدأ إسلامياً نظراً لتأثير الثقافة الإسلامية التقليدية في إعاقة قبول فكرة المواطنة بشكل كامل، لكن الحزب ظل يعاني من خلفيته الاشتراكية القديمة والنزاعات التي صاحبت هذا الموضوع وإن كان نجح جناح عادل حسين في إدخال ثلاث رموز قبطية مهمة في قيادة الحزب منهم جمال أسعد عبد الملاك عضو مجلس الشعب السابق عن أسيوط وجورج اسحق منسق حركة كفاية الآن وهاني لبيب ( باحث) ليكون هناك توازن في العلاقة مع وجود الإخوان المسلمين داخل الحزب وبقايا الجماعات الإسلامية المتشددة الأخرى وان كانت هذه التجربة لم تكتمل لوفاة المرحوم عادل حسين ودخول الحزب في صدام مع السلطة أدى إلى تجميده.
حزب الوسط:
نظراً لخلفية مجموعة مهمة من مؤسسي حزب الوسط المتعلقة بسابق وجودها في الإخوان المسلمين وتأثرهم أساساً بفكر المفكرين الإسلاميين المستقلين السابق الإشارة إليهم ومحاولة لتطوير المشروع السياسي الإسلامي لذلك كان برنامج حزب الوسط الأول والثاني والثالث تطورا هاما في الفكر السياسي الإسلامي من نواحي كثيرة منها النظرة إلى الأقباط ( غير المسلمين) والذي أسس لأول مرة كمشروع سياسي في العصر الحديث لفكرة المواطنة كأساس للدولة المدنية الحديثة من منظور إسلامي، وكذلك أسس للمواطنة في عضوية الحزب وساوي بين المصريين جميعا في الحقوق والواجبات علي هذا الأساس بل وقبل فكرة أن يكون من حق المواطن القبطي الترشح للرئاسة وتقلدها إذا فاز بأعلى الأصوات، وكذلك من حقه تولي القضاء وهو الموقف المتقدم عن كل الحركات والأحزاب الإسلامية في العالم العربي علي وجه العموم وفي مصر علي وجه الخصوص، وتلك النقطة بالذات لم تقبلها جماعة الإخوان المسلمين رسميا حتى الآن، وان كان قبلها أفراد من قياداتها مثل د. عبد المنعم أبو الفتوح.
ولأول مرة في مشروع سياسي إسلامي منذ نشأته يشارك في تأسيسه بل وتقديم مشروعه السياسي أقباط مثل د. رفيق حبيب الذي كان موجوداً في المشروع الأول والثاني وانضم للمشروع أيضاً في المرة الثالثة 7 أقباط من إجمالي 200 ( مائتي مؤسس) ليؤكد الحزب علي كونه مدنياً ذو مرجعية إسلامية والعضوية فيه علي أساس المواطنة.
بل وشارك الحزب من خلال قياداته طوال السنوات العشر الماضية وهي فترة محاولات الحصول علي الترخيص المتعثرة حتى الآن ، أقول شارك في كل نشاطات الحوارات الوطنية الداخلية بين المسلمين والمسيحيين أو علي المستوي العربي من خلال الفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي أو من خلال الحوار الدولي ، كما ساهم الحزب في كل النقاشات الوطنية لمواجهة المشاكل المتعلقة بالملف القبطي من خلال علاقاته المتميزة بكل الأطراف المعنية سواء في الطرف المسيحي أو المسلم أو العلماني أو المدني أو الجهات الرسمية أو الشعبية حرصاً علي الوطن ووحدته وحرصاً علي العدالة والمساواة بين أبناء الوطن الواحد.
د- موقف المفكرين الإسلاميين المستقلين:
يعتبر موقف المفكرين الإسلاميين المستقلين في مصر في هذا الملف بالغ الأهمية، نظرا لإسهاماتهم المؤثرة في صياغة الفكر الإسلامي الحديث، وفي تجديد هذا الفكر والفقه وخاصة في الملفات ذات البعد السياسي والاجتماعي المتعلقة بالمشروع الحضاري الإسلامي، ويأتي علي رأس هؤلاء المفكرين المستشار طارق البشري والدكتور سليم العوا والأستاذ فهمي هويدي والدكتور محمد عمارة، فلقد ساهم هؤلاء المفكرون وخاصة في حقبة الثمانينات والتسعينات وحتى الآن في صياغة ملامح المشروع الإسلامي الفكري والسياسي الحديث والذي تأثر به كما قلت وحاول أن يترجموه إلى مشروع سياسي مؤسسو حزب الوسط كما أثروا في جزء كبير من جسم الحركة الإسلامية والأهم في الجمهور المسلم العادي ، لقد أصل هؤلاء المفكرون لفكرة المواطنة في الفكر السياسي الإسلامي الحديث لأول مرة في كتب ودراسات ومقالات ومحاضرات .... الخ، كما شرحوا فكرة الولاية التي كانت مقيدة في الفقه التقليدي أنه يجب أن تكون للمسلم الذكر فقط وخاصة في ولايات الحكم والقضاء وشرحوها باجتهاد جديد جعل الولاية يمكن أن تكون للمسلم والمسيحي للرجل والمرأة لأنها تحولت إلى نصوص في الدساتير والقوانين وأصبحت جماعية.... الخ، ولقد هاجموا كل أشكال التطرف والغلو والتشدد في الطرف المسلم جماعات وأفراد وقيادات وتصدوا لكل من طرح فكراً متشدداً في ملف الأقباط والمواطنة وفي المقابل تصدوا أيضاً لتجاوزات الكنيسة والبابا شنودة وخاصة في تصرفاته التي تزيد الاحتقان الطائفي وتعمقه وتعمق عزله للأقباط وخاصة سياسياً، فكما كان هؤلاء المفكرين هم من أوائل من دعا للحوار والعمل المشترك مع أبناء الوطن الواحد الأقباط المسيحيين وكذلك أول من أنشأ الفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي ، كانوا أيضاً في مقدمة الصفوف للتصدي للتجاوز من أي طرف في هذا الملف سواء كان هذا الطرف سلطة حكومية أو جماعة إسلامية أو قيادة إسلامية أو قيادة كنسية ولذلك كان موقف هؤلاء المفكرين ودورهم بالغ الأهمية كما قلت في هذا الملف.
ه- موقف الجمهور المسلم:
تأثر موقف الجمهور المسلم العادي بكل العناصر المؤثرة السابق الإشارة إليها وغيرها كما تأثر الجمهور المسيحي فلقد تأثر الجمهور المسلم بالجماعات الإسلامية المتطرفة والمعتدلة وبالفكر الراديكالي المتشدد وبالفكر الوسطي المعتدل وبالمناخ العام الذي يغذي حالة الاحتقان الطائفي سواء من الطرف المسلم أو الطرف المسيحي وتأثر سلباً أيضاً بتصرفات قيادة الكنيسة الأرثوذكسية واستفزازاتها، كما كانت أيضاً ممارسات منظمات أقباط المهجر وأقصد بالتأثر في هذه الحالة التأثر السلبي والشعور بالاحتقان الطائفي، وهو ما يضر بملف العلاقات الإسلامية المسيحية واستقرارها، ولذلك واجب علي كل الأطراف من الدولة وأجهزتها والقوي الإسلامية والمسيحية والمفكرين والسياسيين أن يساهموا في تغيير الشعور بالاحتقان نحو الشعور بالتواصل والود والمشاركة والتعاون والذي دام طوال قرون وظهر أكثر في مواجهة الأخطار الخارجية، كما لا نستطيع أن ننسي أن هناك ثقافة شعبية تزكي النظرة الدونية للمسيحي وتقلل من شأنه وتؤثر في النظرة نحوه علي أساس المساواة في الحقوق والواجبات.
خامسا: موقف القوي السياسية الأخرى:
هناك تيارات سياسية أخري غير المنتمية للمشروع السياسي الإسلامي سواء منها أحزاب تقليدية قديمة أو أحزاب جديدة تسعي للوجود والتأثير السياسي في الواقع المصري لكن بالنسبة للأحزاب القديمة بعضها تراجع دوره علي كل صعيد ويمر بحالة ضعف وغير مؤثر في هذا الملف كما هو غير مؤثر في ملفات أخري، ولكن يبقي حزبان من الأحزاب القديمة لهم علاقة بهذا الملف أحدهما حزب يمثل اليسار وهو حزب " التجمع الوطني" اليساري الذي يسيطر عليه الآن الماركسيون ويرأسه الآن د. رفعت السعيد وهو ماركسي متشدد وله موقف متطرف من الملف الإسلامي بكل تكويناته وحاول استغلال الموقف من الأقباط للمزايدة علي السلطة وعلي القوي الإسلامية لضرب التيار الإسلامي بكل فصائله، وفقد الاتزان في موقفه في هذا الملف نظراً لكثير من المصالح الذي تربطه برموز قبطية متطرفة في الخارج والداخل.
وأما الحزب الثاني التقليدي فهو حزب الوفد الجديد والذي يعتبر امتداداً تاريخياً لحزب الوفد القديم الذي كان مثالاً للوطنية المصرية والوحدة الوطنية في مشاركة وتمثيل الأقباط في الحياة السياسية المصرية، ومنذ عودة الوفد إلي الحياة السياسية في نهاية السبعينات وأوائل الثمانينات كان هذا الملف القبطي حاضراً بقوة في وجود زعامة تاريخية هو فؤاد باشا سراج الدين وبعد وفاته تراجع الاهتمام بهذا الملف داخل الوفد كما تراجعت أدواره في ملفات كثيرة .
وأما الأحزاب الجديدة مثل الكرامة تحت التأسيس وحزب الغد فكانوا مثل حزب الوسط أكثر اتساقاً مع الوحدة الوطنية المصرية في مشاركة الأقباط بشكل قوي في هاتين التجربتين وإن كان الغد تأثر في مواجهته مع السلطة مؤخراً وتراجع هذا الدور للضغوط الحكومية التي تمارس عليه.
سادسا: موقف الأطراف الخارجية وضغوطها:
لا شك أن الأطراف الخارجية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وكثير من دول أوربا لها دور ما في الحديث عن ملف الأقباط ، وأحياناً يستغل هذا الملف في الولايات المتحدة الأمريكية من قبل جماعات يمينية متطرفة مثل الجماعات المسيحية المتصهينة في الضغط علي الكونجرس والإدارة الأمريكية للضغط علي الحكومة المصرية لتوظيف هذا الملف في تمرير ملفات أخري أغلبها مرتبط بالصراع العربي الإسرائيلي ،وفي الجانب الأوربي تتحرك بعض المنظمات بدافع معلومات مغلوطة ترد من أطراف قبطية متطرفة سواء بالمهجر أو من الداخل تصور الأوضاع علي أنها اضطهاد منظم وبالتالي تهتم بإثارة هذا الملف علي الأقل من ناحية حقوق الإنسان، وهو تناول غير دقيق كما أن هناك اشارات متعددة من كثير من المصادر لدور " إسرائيل" في توظيف هذا الملف بالتعاون مع أطراف عدة لتوظيفه لخدمة أغراضها في الصراع العربي الإسرائيلي وفي الضغط علي السلطة في مصر لنفس الأسباب.
6- تحديد طبيعة المشكلة هل هي اضطهاد أم مشكلات؟:
أعتقد من خلال السرد التاريخي السابق وتحديد مواقف كل الأطراف فالصورة تتضح علي أنه حقيقة لا يوجد أي نوع من الاضطهاد لا العرقي ولا الديني الذي نعرفه بمعني التعرض للقتل أو الإغتصاب أو المنع من العمل أو التعليم أو التوظف أو التملك أو الاستثمار.... إلخ.
أي المشكلة الموجودة ليست اضطهاداً دينياً لكنه احتقان طائفي أساسه مشاكل سياسية.
وهذه المشكلات أيضاً تتعلق ببعض المسائل أغلبها من ناحية المشاركة السياسية في المجالس التشريعية وفي بعض المواقع الوظيفية المتقدمة وإن كان هناك بعض مشكلات في بناء وترميم الكنائس تم حل الكثير منها كما أن مشكلة بعض أراضي الأوقاف المسيحية التي استولت عليها الدولة قديماً قد عادت الآن للكنيسة في حين أن الأوقاف الإسلامية مازالت تحت سيطرة الدولة، أقول أن الجانب الأهم من المشكلة هو السياسي وهو مرتبط بطبيعة النظام الحاكم بشكل عام حيث أنه نظام متسلط وليس ديموقراطي وبالتالي الموضوع يتعلق بالحل السياسي لكل الوضع في مصر وليس حلاً لكل طائفة من الطوائف.
7- الخلاصة والحلول المقترحة:
نخلص مما تقدم أن المشكلة القبطية تتلخص في بعض المطالب السياسية وهذه المطالب لها طريقان للحل إما حل طائفي أي أن كل طائفة تطالب بحقوقها هي فقط وهذا مما يمزق الأوطان، أو حل وطني يجمع فيه كل أبناء الوطن علي أجندة وطنية تحقق المساواة والمواطنة للجميع وتنتزع التغيير الديمقراطي السلمي للجميع وعندها ستحل أغلب المشاكل السياسية للمصريين جميعاً وليس فقط للأقباط، كما أن هذا المدخل الوطني سيساهم في حل باقي الأبعاد المتعلقة بالعلاقات الاجتماعية والثقافية ومحاصرة التحريض المتبادل في دور العبادة سواء من مسلمين ضد مسيحين أو العكس أي من مسيحين ضد مسلمين في مناخ من الود العميق الذي استمر قرون ونجح في مواجهة كل الأزمات بما فيها الاحتلال الأجنبي وفشلت كل محاولات الفتنة والفرقة وبالتالي سيكون التحول الديمقراطي السلمي هو المدخل الأساسي والرئيسي لحل مشاكل الاحتقان الطائفي التي أساسها سياسي بإمتياز. [/COLOR][/SIZE]
المصدر:http://www.aaedialogue.org/taaed/art...ls.aspx?id=120
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة mizo2005 في المنتدى منتدى قصص المسلمين الجدد
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 07-07-2008, 06:24 PM
-
بواسطة هشيم في المنتدى المنتدى الإسلامي
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 10-02-2008, 10:25 AM
-
بواسطة البريق في المنتدى منتدى قصص المسلمين الجدد
مشاركات: 4
آخر مشاركة: 26-11-2007, 10:29 PM
-
بواسطة المسلم الناصح في المنتدى منتدى قصص المسلمين الجدد
مشاركات: 1
آخر مشاركة: 13-09-2007, 06:27 AM
-
بواسطة متمنية الريان في المنتدى منتدى قصص المسلمين الجدد
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 04-10-2006, 10:36 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات