مبحث في أصل العرب والاستعراب والعروبة

كتب:أحمد بن محارب الظفيري

عندما نقرأ كتابات ونقوش اهل حضارات فجر التاريخ من كنعانيين وعموريين وبابليين وكلدانيين وفراعنة، نجد ان اسم »العرب« عندهم يعني »البدو« اهل الصحراء، سكان بيوت الشعر الذين تعتمد حياتهم اعتمادا كليا على الابل.

> أقدم نقش أشار الى العرب وجمالهم
من النقوش القديمة التي وصلتنا، نقش من عهد الملك الآشوري شلمنصر أو شلمناصر الثالث (حكم من 958 ق.م الى 428 ق.م) وفيه وصف لحملة هذا الملك على سوريا وتدميره لعدة دويلات اتحدت ضده، وجرت المعركة في موقع »القرقار« على نهر العاصي شمال حماة، وجاء في هذا النقش الآشوري ان من ضمن هذه الدويلات التي خسرت المعركة مشيخة عربية يحكمها شيخ عربي اسمه »جندب أو جندبو« وكسب الملك الاشوري شلمناصر الثالث في هذه المعركة عشرة آلاف جمل من الشيخ جندب العربي(1).

> الجذر الثلاثي هو أصل الكلمة في اللغة السامية والعربية
اسم الشيخ العربي المذكور في هذا النقش الاشوري، يجوز لنا قراءته بعدة صيغ نذكر منها: »جندب العربي« أو »جنداب العريبي« أو »جندوب العروبي« أو »جندبو العريبو« أو »جوندب العوربي« والسبب في تنوع الصيغ هو ان الكتابة الاشورية شأنها شأن الكتابات العربية القديمة، التي اصطلح الغربيون على تسميتها بالسامية، لا يوجد عليها حركات اعراب لذلك اختلف العلماء في نطقها، ولكن المؤكد انها تتفق مع لغتنا العربية الحالية في التراكيب والاشتقاقات، لأن لغتنا هي الوريث الشرعي لكل تلك اللغات القديمة فهي تشترك معها في الاصل الثلاثي (الجذر الثلاثي) لكل كلمة، أي ان كل كلمة سامية بعد ان تحذف منها حروف الزيادة ترجع الى اصلها الثلاثي المتكون من ثلاثة حروف.
وبما ان الاشوريين يرجعون بأصولهم القديمة الى اعراق عربية هاجرت من جزيرة العرب في حدود الالف الثالث قبل الميلاد ولغتهم من اللغات السامية فيجوز لنا ان نقرأ اسم الملك الاشوري شلمنصر بعدة صيغ مثل: »سلم نصر« أو »سالم ناصر« أو »سليم نصر« أو »شلم نصر«.
ويؤكد علماء التاريخ القديم بأدلة وشواهد لغوية ودينية وآثارية وانثرولوجية بأن اصحاب الحضارات القديمة في وادي الرافدين وبلاد الشام ووادي النيل يرجعون بأصولهم القديمة الى جزيرة العرب، فهي الموطن الاساس لاجدادهم الاوائل، فمن هذه الجزيرة انطلقت موجاتهم البشرية الى تلك البلدان المجاورة (العراق والشام ومصر)، ويرجح العلماء المتخصصون بالتاريخ والآثار والجيولوجيا ان سبب هجرتهم هو دخول دورة الجفاف والحرارة التي عمت جزيرة العرب بعد انتهاء دورة البرودة والامطار.

> العرب العاربة والمستعربة في مصادر اللغة والادب والتاريخ
»العَرَب« و»العُرْب« ومصغرهما »الْعُرَيْب«: أمة من الناس، منشؤها شبه جزيرة العرب، لسانها عربي ولغتها عربية، هذا ما تنص عليه المعاجم والقوانين، بعض الاخباريين والمؤرخين العرب قسم العرب الى: »عرب بائدة« وهم عرب بادوا وهلكوا، و»عرب عاربة« وهم القحطانيون عرب الجنوب واصولهم ترجع الى العرب البائدة، و»عرب مستعربة« وهم العرب العدنانيون من ذرية اسماعيل بن ابراهيم ـ عليهما السلام ـ وبعضهم يكتفي بـ »العاربة« و»المستعربة« وهما حديث مبحثنا هذا.
ـ »العرب العاربة« أو »العرب العرباء«: هم العرب الصرحاء الخلص في عروبتهم، وجدهم هو »يعرب بن قحطان« وهو اول من انطق الله لسانه بلغة العرب، وهو أبو اليمن كلهم، هكذا يقول الاخباريون والمؤرخون العرب في مصادرهم، وينسبون القبائل العربية القديمة مثل: »عاد« و»ثمود« و»العمالقة« و»مدين« و»حضرموت« و»طسم« و»جديس« و»جرهم الأولى« الى العرب العاربة أو العرباء (والمسمى واحد) ويشيرون الى ان اكثر هذه القبائل قد بادت واندثرت لذلك يطلقون عليها مسمى »القبائل البائدة« أو »العرب البائدة« وهم في عرفهم قبائل، بادت أو باد اكثرها، فاندرست اثارها وبقيت اخبارها المتوارثة في الذاكرة الجمعية للعرب اللاحقين يتوارثونها جيلا بعد جيل عبر متتالية الزمن والعصور والقحطانيون في العصر الجاهلي هم من بقية تلك القبائل البائدة التي انقطعت اخبارها وبقيت قصصها واساطيرها حتى عصرنا الحالي.
وما وصلنا من أشعار وحكايات وموروثات من عرب الجاهلية يؤكد انهم من ذرية تلك القبائل البائدة! وهذا يعني ان »البيادة« مسألة فيها نظر.. ولنستمع الى ابي الطيب المتنبي (قتل 453هـ/569م) وهو يصف الامير سيف الدولة بسيد العرب العرباء الصرحاء:
اذا العرب العرباء رازت نفوسها
فأنت فتاها، والمليك الحلاحل

> الرأي الأصوب: العاربة لم تبد
الذي نراه ويراه غيرنا حسبما تبين لنا من حقائق التاريخ والآثار والجيولوجيا واللغات القديمة، ان هذه القبائل العربية القديمة عاد وثمود والعمالقة ومدين وحضرموت وطسم وجديس وجرهم الاولى، التي اصطلح على تسميتها بـ »القبائل البائدة« لم تبد ولم تهلك ولم تنقرض كما هو شائع عند مؤرخي ورواة العرب القدامى، فبعدما انحسرت دورة الامطار والبرودة التي استمرت من 04 ألف ق.م الى 81 ألف ق.م وحلت محلها دورة الجفاف والحرارة التي ما زلنا نعيش في اجوائها تحولت هذه القبائل من الحضارة الى البداوة، وعاشت في جزيرتها عصورا طويلة رحالة متجولة تتبع مساقط الغيث ومنابت الكلاء، ولما مسها الحر والجفاف في حدود الالف الخامس قبل الميلاد ابتدأت هذه القبائل البدوية مغاردة جزيرة العرب بمجاميع بشرية كبيرة جدا متوجهة الى بلاد ما بين النهرين ميسوبوتاميا Mesopotamea وبلاد الشام وسواحل الخليج العربي وسواحل البحر الابيض المتوسط ووادي النيل وبقي في جزيرة العرب القليل من هذه القبائل لم تغادرها متحملة شظف العيش وحياة البداوة والترحال، وظلت محافظة على نقائها وصرامة انسابها وفصاحة لسانها.
اما القبائل العربية التي هاجرت من جزيرتها فإنها استوطنت ديارها الجديدة بعد حركة تنقل طويلة، ومع مرور الزمن وتقادم الدهور تحضرت في هذه الديار الجديدة وامتهنت الزراعة والفلاحة والصناعة والعمارة، وظهرت لنا باسماء جديدة مستوحاة من بيئتها ومعتقداتها ولغاتها الجديدة المتمازجة مع مفردات البيئة والحياة الجديدة التي تعيشها في مواطنها التي سكنتها والشيء الاهم الذي ساعد العلماء على تحديد هويتها الاصلية ومنبتها الاساس الذي جاءت منه هو بقاء الكثير من المفردات العربية التي حملتها معها من جزيرة العرب واضحة وضوح الشمس في كل لغاتها ولهجاتها على الرغم من تغير مسميات هذه القبائل الى »الكنعانيين« و»العموريين« و»الاكديين« و»البابليين« و»الاشوريين« و»الكلدانيين او الآراميين« ولا ننسى ان الكلدانيين هم قوم نبي الله ابراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ وابراهيم ترك قومه الكلدان في حدود سنة 0071 ق.م وفارق حضارتهم ورجع مع اهله ومن آمن بدعوته الحنيفية الى موطن اجداده القديم، جزيرة العرب، متبدوياً ومستعرباً من جديد، والجزيرة كما ذكرنا هي الاصل الموغل في القدم للكلدان وغيرهم من اصحاب حضارات ذلك الزمان وعاشت ذرية اسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام ـ مع عرب الجزيرة البدو اهل العَمَد والعماد وبيوت الشعر، اصحاب الإبل والخَيْل العًرَب.
وجاء في »لسان العرب« للامام اللغوي الحجّة جمال الدين أبي الفضل محمد بن مكرم ابن منظور ( 711 هـ/1131م) تحت مادة »عرب«: »وقيل ان اولاد اسماعيل نشأوا بغربة، وهي من تهامة، فنُسبُوا الى بَلدهم. وروي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، انه قال: خمسةُ أنبياء من العَرب، وهم: محمد، واسماعيل، وشُعيب، وصالح، وهود، صلوات الله عليهم. وهذا يدل على أنّ لسانَ العرب قديم وهؤلاء الأنبياء كلهم يسكنون بلادَ العَرَب، فكان شُعيْب وقومُه بأرْض مَدْيَن، وكان صالح وقومُه بأرض ثَمُودَ ينزلون بناحية الحًجْر، وكان هُودي وقومُه عادي ينزلون الأحْقافَ من رمال اليَمن، وكانوا أهل عَمدي، وكان اسماعيل بن ابراهيم والنبي المصطفى مجمد، صلى الله عليهم وسلم، من سُكان الحَرم. وكلُّ مَن سكنَ بلادَ العرب وجزيرتها، ونَطقَ بلسان أهلها، فهم عَرَبي يَمنُهم وقعَدّهم. قال الازهري: والاقربُ عندي أنهم سُمُّوا عَرَباً باسم بلدهم العربات. وقال اسحقُ بن الفرج: عَرَبةُ باحة العَرَب، وباحة دار أبي الفصاحة، اسماعيل بن ابراهيم، عليهما السلام« (2).
وحول اصل تسمية »عرب« ذكر الاستاذ سعيد عوض باوزير في كتابه »معالم تاريخ الجزيرة العربية«: كان لفظ عرب في التاريخ القديم يرادف لفظ بادية أو بدو في هذه الايام على ان العرب كانوا يسمون جزيرتهم عربة ولما تحضر بعض قبائل العرب قديما واقاموا في مدن اليمن والحجاز وحوران وغيرها لم يعد لفظ العرب محصوراً في البدو فاضطروا الى كلمات تميز بين الحالين، فاستعملو لفظ الحضر لاهل المدن والبدو لاهل البادية ولم يبق للفظ العرب من معنى للبداوة الآن الا في مثل قولهم اعرابي«(3).
وفي وقتنا الحالي نجد ان »عربة« هو اسم للوادي المسمى بـ »وادي عربة« الواقع شمال الحجاز والمنطلق من خليج العقبة على البحر الاحمر وهو بداية الاخدود الطويل المتجه شمالا ويحتوي بطنه على مسميات كثير منها الاغوار والبحر الميت ونهر الاردن وبحيرة طبرية وسهول لبنان، وعلى يمين ويسار هذا الاخدود (الوادي) تقع المرتفعات والسلاسل الجبلية.
»العَرَبُ المُسْتَعْربةُ« أو »العَرَبُ المُتَعَرًّبةُ«: وهم الاخلاء، ليسوا بخلص وليسوا بصُرَحاء وينص بعض الاخباريين العرب القدامى في رواياتهم وكتاباتهم على أن هؤلاء العرب المستعربين هم ذرية اسماعيل بن ابراهيم ـ عليهما السلام ـ ويفسرون كيفية هذا الاستعراب بقولهم: ان اسماعيل ثم ذريته من بعده نشأوا وعاشوا مع العرب العاربة العرباء (الصرحاء) فتكلموا بلسانهم وتطبعوا بطبيعتهم وتزاوجوا معهم، فأصبحوا بمرور الزمن مستعربين أو متعربين. وعندما نتصفح مصادر التاريخ والأدب والتراث العربي عموماً نجد من الاخباريين العرب القدامى من ينفي هذا الرأي ويعتبر ذرية اسماعيل من العرب الصرحاء الخلص، وبعضهم يضع موضوع استعراب العرب الاسماعيليين في دائرة الشك ويثير حوله علامات استفهام كثيرة وتأويلات مختلفة ونحن لا نلومهم لان موضوع هجرة الاعراق البشرية العربية القديمة من جزيرة العرب غير واضح لهم تمام الوضوح كما هو الحال في عصرنا الحالي حيث تمكن العلماء من قراءة الكتابات القديمة وتحليل مخلفات الاثار والرسومات القديمة ومعرفة الظواهر الجيولوجية وثبت لنا ان العرب جميعهم عاربة ومستعربة اصلهم واحد وجدهم الأول الموغل في القدم هو واحد واسمه: »يعرب بن قحطان« ومن العرب من هاجر الى البلدان المجاورة وتحضر، ومنهم من بقي في جزيرته بدوياً متنقلاً وراء الماء والكلأ بحكم بيئته الصحراوية الجافة فحافظ على أرومته العربية نقية من الهجنة.

ابراهيم الخليل من العرب المهاجرين

الاخباريون العرب في رواياتهم ومؤلفاتهم ينسبون نبي الله ابراهيم الخليل عليه السلام الى الكلدان او الاراميين، ويؤكدون على انه عاش في مدينة »اور الكلدان« الواقعة جنوب العراق، وعلى ارض هذه المدينة وما حولها، وبعد أن بلغ الاربعين من عمره، بدأ يدعو الى الديانة الحنيفية وعبادة الإله الواحد، ومنها هاجر إلى ارض كنعان (فلسطين) يرافقه اهله وبعض اقاربه المؤمنين بدينه.
والآن لنتساءل من هم الكلدان أو الاراميون؟
الكلدانيون بعض المؤرخين يعدهم فرعاً من الآراميين هم من القبائل العربية القديمة التي تبدوت (صارت بدوية) بسبب الحر والجفاف الذي ساد جزيرة العرب واستقرت بعض عشائر هذه القبيلة الكلدانية أو الكلدية على سواحل الخليج العربي في حدود سنة 1700 ق.م وتأسست لهم مملكة في منطقة الخليج وسمي الخليج باسمهم »الخليج الكلدي« وفي مراحل لاحقة ضمت مملكتهم مناطق الأهوار والأراضي الجنوبية للمواقف على ضفاف دجلة والفرات. وكان اول ملوكهم اسمه »ديلو ما ديلوم« يجوز قراءته: حيلوما حيلوم أو عيلوما عيلوم وبدأ حكمه نحو سنة 1742 ق.م. وملوك هذه الدولة الكلدانية ينسبون الى بيت ياكيني Bit Yakini لوحظ: كلمة (بيت) تعني عندهم بيت ومشيخة وأسرة وعشيرة وجاء في سفر يوب: »14 ـ 17« وهو من اسفار العهد القديم عبارة تقول: ان مرابع الكلدانيين كانت قرب مساكن السبأيين فان صدقت هذه العبارة للتوراتية، فهذا يعني بدايات ظهورهم كقبيلة بدوية متجولة، وحول هذه الهجرات المستمرة من جزيرة العرب يقول أحد الشعرا:
أين تعدو أشاطئ البحر ترجو،
أم بواديه، أم رؤسَ جباله؟
شيدتْ صَرحها عليه الليالي
واستقرّ التاريخُ في أطلاله
ربضت خلفه أسود البوادي
شاهدات عليه في اعماله
كلما جاءَها مخاضُ الليالي
عرزته بنخبة من رجاله
وحول هجرة سكان الجزيرة، جاء في كتاب »الموسوعة الجغرافية لشرقي البلاد العربية السعودية«، ما نَصُهُ: [وشبه الجزيرة كانت في العصر المطير (عصر البليوستوسين) ذات مروج وأنهار، وغطاؤها النباتي كثيف جدا، وحينما بدأ عصر الجفاف نتيجة عوامل طقسية مختلفة فكر السكان في النزوح الى شمال الجزيرة وشرقها، وهكذا بدأ عهد الهجرات التي تتالت من قلب الجزيرة على شكل موجات بشرية مختلفة](4).
وجاء في الحديث الشريف للنبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (لا تقوم الساعة حتى تعود ارض العرب مروجا وأنهارا) ذكره، الامام احمد بن حنبل في كتابه (المسند) والحاكم النيسابوري في كتابه (المستدرك على الصحيحين)، ومعنى (تعود) اي ترجع كما كانت فيما مضى مروجا وأنهارا.

»العبري« و»العبرية« صفة لابراهيم وجماعته

بعض مصادرنا التاريخية والأدبية عندما تحدث عن اصل نبي الله ابراهيم ـ عليه السلام ـ تصفه بـ »العبري« وتصف جماعته بـ »العبريين« ونفس هذا الوصف او هذا اللقب نجده يتردد في كتب اليهود واليونان والرومان والفرس فمن اين جاءت هذه الصفة؟ الجواب: هذه الصفة جاءتهم من عبورهم لنهر الاردن خلال رحلتهم الى ارض كنعان »فلسطين« اي ان تسميتهم بالعبريين او العبرانيين مشتقة من الفعل »عبر يعبر« وهذا الفعل معروف بنفس المعنى في اللغتين العربية والعبرية ففي اللغة العربية نقول: فلان عَبَرَ النهر من هذا العًبْرً الى ذلك العًبْرً، فهو »عًبْريّ: او عبرانيّ« والعًبْرُ: هو جانب النهر.
وفي زمن الفراعنة اطلق المصريون على قبائل بني اسرائيل التي دخلت مصر اسم: »العبيرو او الحبيرو« ومعناه: »البدو الرُّحل« لأن بني اسرائيل كانوا قبائل بدوية تتجول على الحافات الشرقية لوادي النيل ومسمى: »العبيرو أو الحبيرو« مازال حتى هذا اليوم يعني في اللغة العبرية القديمة والحالية يسمى: »البدو او الحزن والبكاء« وفي اللغة العربية: »العَبْرَة والعَبَرْ والعُبَيْريُّ والعابًرُ« تعني الدمع والحزن والبكاء والراحل، وفي مجتمعات قبائل جزيرة العرب، ومنها قبيلة الكاتب، اذا بكى الطفل او الفتى من اجل الحصول على ما يطلبه من اسرته، فان والده او احد افراد الاسرة ينهره قائلا له: تبكي من »العبيري« او ما فيك الا »العبيري« اي ان بكاءك حيلة ودموعك دموع التماسيح! وبعض الكتابات القديمة تجعل لتسمية »العبريين او العبرانيين« مدلولا عرقيا فتنسبهم الى جد قديم اسمه: »عابر« بن سام بن نوح، وهذا النسب العرقي ضرب من الخيال والاسطورة حيث لا وجود له على ارض الحقيقة والواقع، وتنفيه المعلومات الدينية والتاريخية القديمة والحديثة.
< اسم »ابراهيم« في معاجم اللغة

تذكر معاجم اللغة العربية ابياتا من الشعر تنسبها الى عبدالمطلب جد رسولنا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب عليه افضل الصلاة والسلام وهي:
عُذْتُ بما عاذَ به إًبْراهًمُ
مُسْتَقّْبًلَ الًقبْلةً، وهْو قائمُ
إني لك اللَّهمَّ عاني راغًمُ
وتقول المعاجم: ان اسم »ابراهيم« فيه عدة لغات »إًبْراهًمُ « بحذف الياء و»إًبْراهامُ« و»إًبْراهَمُ« وتصغيره هو »بُرَيْهًيم« و»بُريْه«.
والعجيب ان معاجمنا اللغوية غير متفقة على اصل الكلمة، فبعضها ينسب اسم ابراهيم الى »لغة عربية قديمة« ويذكر بَرْهَمَ الرجلُ: أَدام للنظر مع سكون الطًَّرْف، او فكر مليا ودقق بالامر، او رحم وعطف وتأمل بما حوله وبعضها ينسب الكلمة الى »اللغة السريانية« والسريان هم قوم من الآراميين سكنوا شمال وادي الرافدين وكونوا لهم مملكة من ممالك التاريخ القديم وفي عصرنا الحالي يوجد في شمال العراق مجموعتان عرقيتان من السكان يقال لهما: »السريان« و»الكلدان« وهم من النصارى، ويقولون: انهم من سكان العراق الاقدمين وهم من ذرية تلك الاعراق القديمة التي هاجرت من جزيرة العرب وكونت حضارات فجر التاريخ. واللغة السريانية او الكلدانية من اللغات العربية القديمة التي اصطلحوا على تسميتها باللغات السامية »السامية لفظة مجازية حديثة اطلقها العالم النمساوي شلوتزر shlotzer في عام 1781م بزعم ان الشعوب القديمة من ذرية سام بن نوح.

< جزيرة العرب ارض مباركة

وفي التنزيل العزيز يخاطب رب العزة والجلال الناس كافة من منطلق ديني اسلامي مؤكدا لهم ان ابراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا وانما حنيفا مسلما، قال عز من قائل في الاية 67 من سورة آل عمران {ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين}.
ان جزيرة العرب ارض مباركة فهي مهد الحضارة الانسانية ومستودع القيم والشيم العربية السامية، وهي موطن الديانات السماوية، وهي الارض التي شرفها الله تعالى بالاسلام الحنيف، فكانت مهبط الوحي الامين ومنطلق الرسالة الاسلامية الكريمة التي حملها ابناء هذه الارض في ضمائرهم وعقولهم، فكانوا بحق بناة حضارة ودعاة توحيد، نشروا عدل الاسلام وخيره في كل بقاع الدنيا، وبسبب معاملتهم الطيبة للبشر سارع الكثيرون الى اعتناق الاسلام العظيم دينا لهم في الحياة والممات.

الهوامش:
(1) فيليب حتي وادورد جرجي وجبرائيل جبور، تاريخ العرب بيروت، 1965م، ص66
(2) محمد بن مكرم ابن منظور، لسان العرب 1/587 مادة »عرب« دار صادر بيروت، ط3، 1994م.
(3) سعيد عوض باوزير، معالم تاريخ الجزيرة العربية، مؤسسة الصبان عدن، ط2، 1966م، ص26
(4) عبدالرحمن بن عبدالكريم العُبَيّد، الموسوعة الجغرافية لشرقي البلاد العربية السعودية، الجزء الاول، ص64

http://www.alwatan.com.kw/Default.as...8973&pageId=79