تابع 1
تقول الحقيقة التوراتية :
" أن يعقوب عندما كبر أراد أبواه تزويجه وقد أوصاه اسحق ورفقة أمه بأن
يتزوج من بنات لابان خاله، وأن لا يتزوج من بنات الكنعانيين بل أن يذهب
إلى عشيرته وعشيرة أبيه وأمه .
وتروي التوراة ذلك بالقول : (فخرج يعقوب من بئر سبع وذهب إلى حاران ) من
هنا يبدو أن طرحنا كان منطقيا من جهة أن حران المذكورة ليست إلا منطقة
قريبة من فلسطين وليست تلك المنطقة الواقعة كما تصفها الخريطة الملحقة
بالعهد القديم في شمال شرق سوريا .
ولنتابع الرواية (وصادف يعقوب مكانا وبات هناك لان الشمس كانت قد غابت ،
وأخذ حجر من حجارة المكان ووضعه تحت رأسه فاضطجع في ذاك المكان ، ورأى
حلما وإذا سلم منصوبة على الأرض ورأسها يمس السماء ،وهو ذا ملائكة الله
صاعدة ونازلة عليها ، وهو ذا الرب واقف عليها فقال أنا الرب اله إبراهيم
أبيك واله اسحق ، الأرض التي أنت مضطجع عليها أعطيها لك ولنسلك ، ويكون
نسلك كتراب الأرض وتمتد غربا وشرقا وشمالا وجنوبا ، ويتبارك فيك وفي نسلك
جميع قبائل الأرض ، وهاأنا معك وأحفظك حيثما تذهب وأردك إلى هذه الأرض ،
لأني لا أتركك حتى افعل ما كلمتك به .فاستيقظ يعقوب من نومه وقال حقا أن
الرب في هذا المكان وأنا أعلم ، وخاف وقال ما أرهب هذا المكان ، ما هذا
إلا بيت الله وهذا باب السماء وبكر يعقوب في الصباح وأخذ الحجر الذي وضعه
تحت رأسه وأقامه عمودا وصب زيتا على رأسه ودعا اسم المكان بيت آيل ولكن
اسم المدينة أولا كان لوز "
ويضيف العهد القديم : " ثم رفع يعقوب رجليه وذهب إلى ارض بني المشرق "
والسؤال هنا من هم هؤلاء المدعوين بني المشرق ؟؟؟
يقول آراميا في إحدى تنبؤاته :
" عن قيدار وعن ممالك حاصور التي ضربها نبو خذا نصر ملك بابل ، هكذا قال
الرب قوموا إلى قيدار أخربوا بني المشرق ، يأخذون خيامهم وغنمهم ويأخذون
لأنفسهم شققهم وكل آنيتهم وجمالهم وينادون إليهم الخوف من كل جانب " .
(آراميا 49 : 28 -39)
وفي سفر حزقيال نعرف الشعب الذي ينتمي إليه بني قيدار . يقول حزقيال في
وصفه لصور (27: 21 ) :
" العرب وكل رؤساء قيدار، هم تجار يدك بالخرفان والكباش والاعتدة ، في
هذا كانوا تجارك "
ويقول اشعياء في الإصحاح الحادي والعشرون :
" وحي من بلاد العرب في الوعر تبيتين يا قوافل الدادانيين هاتوا ماء
لملاقاة العطشان يا سكان تيماء وافوا الهارب بخبره فإنهم من أمام السيوف
قد هربوا من أمام السيف المسلول ومن أمام القوس المشدودة ومن أمام شدة
الحرب فانه هكذا قال لي السيد في سنة كسنة الأجير يفنى كل مجد قيدار
وبقية قصي أبطال بني قيدار تقل لان الرب اله إسرائيل قد تكلم "
يقول فيليب حتي في كتابه " تاريخ العرب " :
" إن كلمة المشرق وبنو المشرق في الترجمة العربية للتوراة يقابلها شرق
وشرقيين في لغة الضاد وهما ترمزان بالأخص إلى الأرض الواقعة إلى شرق
فلسطين والى بدوها وبشكل عام إلى بلاد العرب والعرب ، واليوم إذا سمعت
بدويا يقول انه مشرق فهمت منه انه ضارب في البادية مهما كان اتجاهه فيها
وكان أيوب الذي يعد سفره من بدائع الحكمة أعظم بني المشرق جميعا (أيوب
1:3) وبنو المشرق لم يفقهم حكمة إلا سليمان (ملوك الأول 4:30).
وفي عودة إلى التكوين ومتابعة لرحلة يعقوب عليه السلام إلى الأرض التي
تسكنها عشيرة أبيه وموطن أجداده نقرأ :
" ثم رفع يعقوب رجليه وذهب إلى ارض بني المشرق ،ونظر وإذا في الحقل بئر
وهناك ثلاثة قطعان غنم رابضة عندها . لأنهم كانوا من تلك البئر يسقون
القطعان والحجر على فم البئر ويسقون الغنم ،ثم يردون الحجر على فم البئر
إلى مكانه ، فقال يعقوب يا أخوتي من أين انتم ، فقالوا من حاران ،فقال
لهم هل تعرفون لابان ابن ناحور فقالوا نعرفه ، فقال لهم هل له سلامة
فقالوا له سلامة وهو ذا راحيل ابنته آتية مع الغنم " .
من هنا يصبح واضحاً أن حران هي إحدى مناطق شمال الجزيرة العربية وليست
تلك المنطقة التي حاول كتبة بعض الإصحاحات في العهد القديم إيهامنا بها
وهي المنطقة الواقعة كما أسلفنا في جنوب شرق تركيا الحالية .
أما بني المشرق فتسميهم التوراة بني قيدار وإذا كان الأنباط هم الثموديين
وان بني قيدار هم الأنباط كما يرى معظم المؤرخين فإن هؤلاء ينتمون إلى
قبائل ثمود الثانية حيث أن قبائل ثمود الأولى قد أبيدت ولم يبقى منها غير
النبي صالح وبعض من أهله وأتباعه وقد استوطن هؤلاء منطقة الحجر و وادي
القرى ومدائن صالحة ومعظم أراضي جنوب فلسطين بما في ذلك الرملة في وسط
فلسطين حيث قبره المقدس وإذا كان إبراهيم عربي ثمودي فيجب أن يذكر النبي
صالح كواحد من أجداده وهو ما نجده في الجد السادس لإبراهيم بحسب سفر
التكوين ( 11: 13-14-15) فهو شالح " وعاش شالح بعدما ولد عابر أربع مائة
وثلاث سنين و ولد له بنين وبنات " وشالح هي صالح كما أن اشمعيل هي اسمعيل
وكما هي شموئيل هي صموئيل فإعادة الكلمة إلى مصدرها تعطينا صالح أي
النبي صالح صاحب الناقة الشهير أخي ثمود الوارد ذكره في القرآن .
وبذلك يكون إبراهيم و أبنائه وأحفاده من اسماعيليين واسحاقيين وأحفادهم
من ايدوميين وإسرائيليين ونبطيين وقيداريين وأيتوريين ومديانيين .. ..
الخ ممن ورد ذكرهم في القرآن من أبناء وأحفاد إبراهيم هم جميعاً ثموديين
عرب ولذلك يجب أن تكون لغتهم هي العربية الفصحى لغة القرآن فهل هي كذلك
؟؟ .
لغة قبيلة إبراهيم
ومن اجل أن تكتمل الحكاية فإنه لابد من تأكيد آخر وهو أهم من الأول وبدونه
لا يصبح هذا الاكتشاف على درجة كبيرة من الأهمية وهذا المهم الآخر هو اللغة
التي تحدثت بها قبيلة إبراهيم إذ بعد أن تبين معنا ومن خلال ما سقناه من
براهين أن إبراهيم ينتمي إلى قبائل الصحراء العربية الثمودية أصبح من
المؤكد أن لغته كانت العربية أيضاً ومن المفروض أن تكون لغة التوراة
الموسوية ( توراة النبي موسى الحقيقية ) كانت العربية ، كذلك أي بمعنى
أدق أن اللغة التي كان يتكلمها بنو إسرائيل قبل دخول كنعان واستيطانهم
فيها كانت لغة مختلفة عن ما سمي بالعبرية لأن العبرية وبحسب ما جاء في
التوراة ليست إلا شفة كنعان أي اللغة الكنعانية وهي العربية الجنوبية لغة
حمير وقد تعلمها قوم موسى عندما اختلطوا بسكانها وعاشوا بين ظهرانيهم
وإذا كان البعض يدعي أن التوراة كتبت بالمصرية الفرعونية الهيرغلوفية
فليس لدى كل من قالوا بذلك أي دليل أو برهان لأنه وحتى الآن لم يثبت بعد
في أي من المصرين جرت أحداث التوراة في مصر وادي النيل أم في مصر
المعينية التي كانت تقع في جنوب فلسطين و شبه جزيرة سيناء و شمال جزيرة
العرب ، وكونه من المفروض أن يكون لدى بني إسرائيل لغة أصلية (أي اللغة
الأم ) كانوا يتكلمون بها قبل دخول مصر وقبل دخول كنعان فالمفروض أن يكون
هناك ما يشير إليها بين طيات العهد القديم أو ما يقودنا إليها ولو من
الإشارات الواردة فيها أو من المقارنة مع أم اللغات السامية ( العربية )
و ما يشير إلى مثل هذه اللغة وجدناه وهذا البرهان موجود في العهد القديم
ذاته وليس في كتاب آخر .
والوصول إلى هذه الحقيقة لم يكن صعبا فكون بني إسرائيل عرب يعني أن
لغتهم كانت العربية مثلما نقول أن الشمس تشرق من الشرق وتغرب في الغرب .
يقول الرسول الكريم محمد بن عبد الله e في كتاب الحديث ( بني إسرائيل
أبناء عمومتي) والملاحظ انه لم يقل اليهود لأن أولئك ليسوا أمة بل مجموعات
عقائدية ، والخلط الحاصل الآن جاء مع الصهيونية و انطلى على العرب
والعالم وهو أن بني إسرائيل هم اليهود واليهود هم بني إسرائيل وقد
استخدمت هذه الفبركة تبريرا لاستعمار الأرض المقدسة ( فلسطين ) من قبل
مجموعات متعصبة عقائديا غايتها الأساسية تحقيق خرافات وأساطير دينية ليس
إلا .
وعليه وان ثبت أن بني إسرائيل كانوا عربا فإن العرب هم شعب الله المختار،
حيث أن كتبة التوراة قد جعلوا بني إسرائيل هم الشعب الذي أختاره الله وجعل
منه الأنبياء والرسل فإن هذا الشعب هو العرب عرقاً ولغة وديناً . واللغة
العربية عندما نتحدث عنها لا بد لنا هنا من التمييز بينها وبين ما هو
شائع لدى البعض خصوصا من غير أهل الاختصاص وهو أن العربية هي اللغة
الفصحى لغة القرآن وهذا الخطأ شائع وعلى نطاق واسع ولكن الحقيقة هي أن
الفصحى ليست سوى لهجة واحدة من اللهجات التي تشملها العباءة العربية وقد
ميزت وأخذت هذه الشهرة بفضل القرآن الكريم وكون النبي محمد e كان
يتكلمها كونها لهجة قبيلته قريش ، وقد ميزها العرب في الوصف عندما
أطلقوا عليها تسمية الفصحى وبذلك ميزوا بينها وبين اللهجات العربية
الأخرى وهي ما يسمى بلغات القبائل العربية الأخرى وضمت جميعها تحت مسمى
اللغة العامية وهي مجموعة من اللغات ( اللهجات ) التي مازالت تتحدث بها
قبائل العرب وشعوبهم من المغرب العربي وحتى العراق والجزيرة العربية
وتختلف في نطقها وفي الكثير من مفرداتها من مكان إلى أخر وحتى في داخل
البلد الواحد .
و يشير فيليب حتي في كتابه " تاريخ العرب " أن :
" عرب الشمال في الغالب من البدو يعيشون في بيوت من الشعر في نجد
والحجاز أما عرب الجنوب فأكثرهم من الحضر يقطنون اليمن وحضرموت وما
جاورهما من السواحل . ولغة الشمال هي لغة القرآن أي اللغة العربية
المعروفة ( الفصحى ) ، أما أهل الجنوب فلقد كانت لهم لغة سامية قديمة –
لغة سبأ وحمير – وهي تمت إلى اللغة الحبشية بصلة وكذلك تمت بصلة أيضا
إلى اللغة الأكادية .
يرى أمين البرت الريحاني في كتابه ( لغات عربية ) :
" أن العرب القدماء اصطلحوا على تسمية اللهجات المختلفة بينهم بلغات
منسوبة وغير منسوبة . أما المنسوبة فإلى قبائلهم ومدارسهم اللغوية .
وربما يعود السبب في هذا الاصطلاح إلى أن القبائل العربية قبل الإسلام وبعده
، وحتى ظهور مدرستي البصرة والكوفة اللغويتين ، لم تكن لتفصل فصلا واضحا
صريحا بين عبارتي لغة ولهجة ، كما نفصل بينهما اليوم . فكان من السهل أن
تحل كلمة لغة مكان كلمة لهجة دون إي إحراج أو إشكال في الموضوع . وأضيف
إلى هذا السبب سببا سيكولوجيا نفسيا أرى أنه لعب دورا هاما في اعتماد
هذا المصطلح بسهولة تامة ، ذلك أن عرب الجاهلية ، وعرب صدر الإسلام والأعصر
الأموية والعباسية ، لم تكن لغتهم العربية ، بمختلف لهجاتها ، مهددة
بالتقاعس والانهيار والتلاشي أمام انتشار اللهجات واعتمادها كتابة و أدبا
وجعلها طرفا للنزاع مع اللغة الفصحى كما هي الحال اليوم . فلم يكن ثمة
خوف أو تردد أو إحراج في تسمية اللهجة لغة إذ لم يكن الصراع قائما بين
لغة فصحى ولهجة عامية بمفهومنا المعاصر ، بل كان الصراع على مدى الفصاحة
بالذات وصواب المناحي اللغوية والنحوية المعتمدة . هذا بعد الإسلام وفي
زمن البصريين والكوفيين أما في الجاهلية فلم تكن اللغة لتشكل موضوع نزاع
فكري أو جدلي بالرغم من اللهجات أو اللغات الكثيرة المتشعبة بتشعب
القبائل والجغرافية العربية في شبه الجزيرة وبلاد اليمن آنذاك .
ويضيف أمين ألبرت الريحاني إلى ذلك قوله : " يمكن تتبع الخريطة اللغوية
، من الجاهلية المبكرة حتى العصور العباسية المتأخرة ، عبر المراحل
التالية :
أولاً : اللغات الجنوبية الحميرية المنقرضة . وهذه اللغات ظهرت في اليمن ،
وتأثرت بلغات أعجمية : كالحبشية والفارسية وغيرها ، إلى حد أثر في شكل
الحروف العربية في بعض الأحيان ، عدا عن الألفاظ والعبارات الغريبة
المتعددة وقد تلاشت هذه اللغة بتلاشي القبائل العدنانية القحطانية التي
اعتمدتها ، ولم يبق من أثرها اليوم سوى بعض النقوش التي تشير إلى عدد من
ميزاتها وخصائصها .
ثانيا : اللغات الشمالية ، وهي لغات بني غسان المتأثرة أيضا بلغات
أعجمية وعلى رأسها لغة الروم والسريانية والآرامية وغيرها . غير أن هذا
التأثر لم يكن ليفعل فعله في جوهر اللغات العربية الشمالية . فقد حافظت
هذه على أصالتها واستمرت بالتالي تعيش وتتطور وتعم بلاد العرب قاطبة قبل
الإسلام وبعده .
ثالثا : لغة القرآن ، لغة قريش قبيلة الرسول محمد ، وهي واحدة من اللغات
الشمالية . ويقال إنها كانت اللغة الأدبية في الجاهلية . فجاء الكتاب
المنزل ليضفي عليها هالة قدسية ويكرسها لغة للمسلمين وبالتالي للعرب ،
لذا عمت لغة القرآن بين شتى القبائل العربية . فبعد أن أصبحت اللغة
الدينية المقدسة ، تدرجت في دورها الحضاري إلى أن أصبحت اللغة القومية
للعرب في شبه الجزيرة العربية وفي بلاد الفتوحات . وكان مركز انطلاق هذه
اللغة مكة والمدينة أو منطقة الحجاز بشكل عام.
رابعا : لغة البصرة والكوفة التي هي لغة القرآن تتمنطق بمنطق النحو
والقواعد اللغوية . وتنشأ مدرستان نحويتان متضاربتان : مدرسة أهل البصرة
وفيها العلماء المحافظون المتزمتون المجمدون القواعد اللغوية في قوقعة
التفسير والتأويل والتعليل ، المتأثرة بالنزعة الفقهية الدينية في
الحديث . فكانت اللغة على أيديهم تنحت تمثالا من رخام لا مجال فيه لأي
تعديل أو تبديل إلا بعد الوقوع بالتشويه واللغط اللغوي . ومدرسة أهل
الكوفة التي كانت أكثر انفتاحا على التراث اللغوي إلى درجة قبول كل ما
ورد عند السلف من بينات وشواهد مهما كان أصلها . فكانت اللغة عند هؤلاء
كالبئر التي لا قاع لها ومهما رميت فيها من حجارة فهي تبقى متسعة للمزيد
."
ويعدد ألبرت الريحاني لغات العرب فيجدها أربعة وعشرين لغة من بينها لغة
قريش تختلف في كثير فيما بينها ابتداء من النطق وانتهاء بالمفردات ويورد
مجموعة من الأمثلة للتدليل على الاختلاف بين هذه اللهجات – اللغات العربية
فيما بينها :
ففي لغة هذيل تقلب الألف المقصورة ياء وتدغمها في ياء المتكلم وتفتح ياء
المتكلم فتقول عصي وتنفرد لغة هذيل في اعتبارها ( متى ) حرف جر تجربه ما
يتبعه فتقول مثلا متى لجج خضر… . وفي ( حتى ) يبدل حرف الحاء عينا فتقول
عتى ويذكر ابن عقيل أنه إذا جاء جمع المؤنث على خلاف القاعدة كما جاءت في
الألفية عد ذلك نادرا أو ضرورة أو لغة . وجاء بمثل على ذلك قول هذيل في
جوزة جوزات ، بفتح الفاء والعين ، والمشهور في لسان العرب تسكين العين
إذا كانت غير صحيحة . أما في باب الموصول فيقال للمذكر العاقل في الرفع
( الذين ) ، وبعض العرب ( الذون ) في الرفع و هذه هي لغة هذيل .
وكثيرا ما يبدل حرف الياء بحرف الواو في لغة هذيل فتقول مثلا في رجل
اسيان ، رجل أسوان ، من الأسى ، أي الحزين و أتوان من قولهم أتوته أتوة
بمعنى أتيته أتية . ولم تنفرد هذيل بتبديل الحروف فقط بل بتبديل الحركات
أيضا . فهي تكسر حرف المضارعة مثلا ليعلم أن ثاني الفعل الماضي مكسور ،
كما ذهب إليه سيبويه في هذا النحو وقال هي لغة هذيل في هذا الضرب من
النحو. "
وباعتقادنا أن لغة قريش ربما كانت تستبدل الحاء هاء في السابق ونقصد في
السابق زمن الجد الأعلى إسماعيل وأمه هاجر إذ أن ما تبين معنا هو أن لغة
إبراهيم وإسماعيل والأسباط الإثنا عشر ولغة داود وسليمان كانت اللغة
العربية الفصحى لغة القرآن وهذا الدليل يقطع الشك باليقين في عروبة
قبيلة بني إسرائيل .
هذا من ناحية من ناحية أخرى يقول د. " كمال الصليبي " في كتابه " حروب
داود " ويؤيده في ذلك " ايمانويل فلايكوفسكي " في كتابه " عصور في
فوضى " " أنه :
" عندما بدأت عملية أحياء اللغة العبرية لتكون لغة محكية من جديد ،
بحافز من الحركة الصهيونية التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر في
أوروبا ، تم أحياء هذه اللغة بناء على التصويت المسوري للغة التوراة .
فجاءت العبرية الحديثة اصطناعا على اصطناع . أضف إلى ذلك أن اليهود
الأوروبيين الذين أو جدوا العبرية الحديثة لم تكن لديهم قدرة على لفظ
ثلاثة من الأحرف الأساسية في اللغات السامية – وهي الحاء والعين والقاف –
فجعلوا العين في كلامهم همزة ، والحاء خاء ، والقاف كاف . وكان المسورون
من قبلهم ، قد أخذوا عن لفظ الآرامية – أو عن لهجة منها – قلب الباء إلى
فاء ( الحرف V ) والكاف إلى خاء ، إذا جاء أي من هذين الحرفين مسبوقا
بصوت . والناطقون بالألمانية بين اليهود – وهم الذين لهم اليد الطولى في
خلق العبرية الحديثة كانوا يقلبون الواو العبرية في لفظهم إلى فاء ( وهو
اللفظ الألماني للحرف W الموازي للواو السامية ) وهكذا أختلط الأمر أيضاً ،
في نطق العبرية الحديثة ، بين الكاف المسبوقة بالصوت والحاء ، وبين
الباء المسبوقة بالصوت والواو . ونتيجة لذلك جاءت العبرية الحديثة لغة
عجيبة ، تكاد أن لا تمت بصلة في نطقها إلى أصلها السامي العريق.
والواقع هو أن معرفة اللغة العبرية الحديثة لا تساعد على فهم لغة
التوراة . بل كثيرا ما تضيف لبسا على لبس في فهم العبرية التوراتية .
خاصة أن العبرية الحديثة قد استحدثت معاني جديدة لألفاظ مأخوذة من
التوراة لم تكن لها هذه المعاني في الأصل . ومن ناحية أخرى ، فإن معرفة
اللغة العربية هي أفضل مدخل لكشف الغامض من لغة التوراة ، وهي من اللغات
السامية الشقيقة للعربية .
وهناك أمر لا بد من الإشارة إليه بالنسبة إلى اللغة العبرية ، وهو أن ما
جاء عنها مختصرا في هذه المقدمة هو من المسلمات بين أهل الاختصاص . إذ
كلهم يعرف تمام المعرفة أن اللغة العبرية زالت من الوجود زوالا تاما ،
كلغة محكية ، بدءا من القرن الثالث قبل الميلاد إن لم يكن قبل ذلك .
والجميع يعرف أن التصويت المسوري للعبرية التوراتية تصويت مصطنع ، وأن
ما من أحد يعرف كيف كانت تنطق هذه اللغة في الأصل . ولا شك عندي أن النطق
الأصلي للعبرية كان أقرب بكثير من نطق العربية منه إلى نطق العبرية
الحديثة . وكون هذه العبرية الحديثة اصطناعا على اصطناع هو أمر معروف
لدى الخاصة ولدى الكثيرين من العامة . وجل ما في الأمر أن هناك غض نظر
مقصودا حول هذه الحقائق ، بل تزويرا لها حتى في الكتابات العلمية
الحديثة . ومن هذا التزوير ما يبلغ أحيانا حد الوقاحة . فمن هذه
القواميس العبرية التوراتية ، مثلا ، ما يستشهد بالعبرية الحديثة في
تحديده لمعنى بعض الكلمات . وفي مثل هذا الاستشهاد ما يضفي على العبرية
الحديثة شرعية تاريخية لا تستحقها بأي شكل من الأشكال . وواضعو هذه
القواميس يعرفون تمام المعرفة . وهم على ذلك يفعلون ما يفعلون بقصد
التظليل .
هذا فيما يخص العبرية الحديثة وعدم مصداقيتها كلغة تاريخية تمت بصلة إلى
اللغة الأم العبرية القديمة أما لغة توراة -عزرا التي كتبت فيها التوراة
الحالية العهد القديم فهي أيضا لم تكن اللغة الأصلية للتوراة حيث أن
اللغة العبرية كانت تسمى كما ورد في ارميا شفة كنعان أي اللغة الكنعانية
وهو ما يؤكده أيمانويل فلايكوفسكي عندما يتحدث عن لغة أوغاريت الكنعانية
فهو يقول صراحة هذه اللغة هي ما يعرف اليوم باللغة العبرية . أما لغة
توراة عزرا فكانت اللغة الآرامية وهي اللغة التي كانت مستخدمة في الكتابة
في ذاك الزمان .
وقد جاء في بحث ( تاريخ الأدب السرياني من نشأته إلى الفتح الإسلامي ):
" تقسم اللهجات الآرامية إلى شرقية وغربية ، أما الشعبة الشرقية فتضم
لهجة أهل الرها الآرامية ، وكان موطنها ما بين النهرين وسميت بعد ظهور
المسيحية بالسريانية.
ولهجة آرامية يهودية بابلية هي ( لهجة التلمود البابلي ) وكان موطنها
شمالي العراق ولهجة الصابئين الآرامية وهي اللهجة ( المندائية ) وموطنها
جنوبي العراق ويسمى أصحابها ( المندائيين ) الصابئة وهم من القبائل
الآرامية التي كانت تسكن منطقة الأردن ثم هاجرت منها إلى العراق .
إن عدم وجود الأصوات الحلقية في المندائية والخلط المستمر بين السين
والصاد و الزاي وبين الكاف والقاف توازي إلى حد ما ما هو موجود في اللغة
البابلية ، ولكن حقيقة كون الهاء وحدها جعلت لتؤدي وظيفتي الهاء والحاء
الساميتين ، يشير إلى أن اللسان كان في وقت ما غريبا على القوم الذين
تحدثوا به ، أو أن فيه قدر معتبرا من العناصر الآرية أو غير السامية " .
العرب شعب الله المختار
أولا- مصدر أسم إبراهيم :
يخبرنا سفر التكوين انه وبعد مدة من وصول إبرام إلى كنعان " ظهر الرب
لإبرام وقال له أنا الله القدير سر أمامي وكن كاملا .فأجعل عهدي بيني وبينك
وأكثرك كثيرا جدا ، فسقط ابرام على وجهه ، وتكلم قائلا : أما أنا فهو ذ ا
عهدي معك ، وتكون أباً لجمهور من الأمم فلا يدعى أسمك بعد اليوم ابرام بل
يكون أسمك إبراهيم لأني أجعلك أباً لجمهور من الأمم ".
من هنا بدأت الحكاية مع لغة التوراة فقد طرحت على نفسي سؤالا وهو لماذا
غير الله اسم ابرام إلى إبراهيم ؟؟ هل ذلك مرتبط بحدث معين ؟ وإذا كان
كذلك فما هو معنى الاسمين ؟ هل للاسم الثاني قداسة أكثر من الأول ؟ وعلى كل
الأحوال رحت اقلب قواميس اللغة العربية بحثا عن ضالتي المنشودة فلم أجد
جواب ولجئت إلى بعض علماء اللغات القديمة ولكن لا جواب ! وراحت الأسئلة
وعلامات التعجب ترمي بثقلها على ذاكرتي وفي يوم ما وأنا في جامع مدينة
موسكو وقف إلى جانبي في الصلاة رجل إيراني وقرأ الفاتحة وعندما نطق
البسملة نطقها هكذا : " بسم الله رهمان رهيم " وهذه الكلمة الأخيرة أي "
رهيم " هي التي شدتني فصار عقلي يقول لعقلي كما قال ارخميدس وجدتها
وجدتها .. ونحن نجزم أن كتبة التوراة كانوا من الآريين – الحوريين أي
ينتمون إلى نفس العرق الذي ينتمي له الإيرانيين وهو ما فصلناه في الفصل
المسمى إبراهيم الآري وكذلك ما ذكرناه أعلاه حول لغة التلمود البابلية
والتي تحول الحاء هاءً وهو ما حدث عند الترجمة إلى اللغات الأخرى فكل
اللغات الأجنبية لا توجد بها حاء إلا اللغات السامية وخصوصا العربية . عدت
إلى منزلي وأمسكت بورقة وقلم وقمت بتقطيع أسم إبراهيم إلى جزأين فنتج
معي ( أب _رهيم ) أي ( أب _رحيم ) بمعنى ( أباً رحيما ) .ومعناه الأب
الرحيم كلمة أب بمعنى والد ورحيم من الرحمة .
و جزئت أسم ابرام كما فعلت بإبراهيم فخرج معي ( أب - رام ) وقد اعتقدت
في البداية أن الاسم يعني أبا رامي أب رام ولكن في الحقيقة فإن اسم
إبراهيم قبل ذلك لم يكن أب – رام بل إبرهم وسورة البقرة في معظمها ومنها
الآية 132 في القرآن الكريم تذكر ذلك و أب – رهم تعني أبا المطر الناعم
فالرهم هو المطر الخفيف بالعربية . وأسم أب – رام تعني أبا الإله الهندو –
آري " رام " ورام بالعبرية الحديثة كما هو في اللغة الحورية تعني العلي
أو العالي أو الأعلى ومنه أتت تسمية طبقة الكهنة الهندية البراهمن أي
البراهمة أو البرامن أي الأب رامن .
مبررات تغيير الاسم
من الواضح من خلال نصوص التوراة أن لتغيير أسم إبراهيم ما يبرره فما هو
هذا المبرر ؟؟
لقد أراد الله عز وجل تدمير المدينتين الفاسقتين سدوم و عمورة فأرسل ملاكين
للقيام بذلك ودار بين الله تعالى و إبراهيم الحوار التالي :
" وقال الرب : أن صراخ سدوم وعمورة قد كثر وخطيتهم قد عظمت جدا انزل
وارى هل فعلوا بالتمام حسب صراخها الآتي ألي وإلا فأعلم .
" فتقدم إبراهيم وقال : أتهلك البار مع الأثيم ، عسى أن يكون خمسون بارا
في المدينة ، أتهلك المكان ولا تصفح عنه من أجل خمسون باراً الذين فيه ،
حاشا لك أن تفعل مثل هذا الأمر أن تميت البار مع الأثيم فيكون البار
كالأثيم ، حاشا لك ، آديان كل الأرض لا يصنع عدلا .
فقال : الرب أن وجدت في سدوم خمسين بارا في المدينة فأني سأصفح عن
المكان كله من أجلهم.
فقال : إبراهيم أني شرعت اكلم المولى وأنا تراب ورماد ، ربما نقص
الخمسون بارا خمسة أتهلك كل المدينة من اجل الخمسة ،
فقال : لا أهلك أن وجدت هناك خمس وأربعون ، فعاد يكلمه أيضا
وقال : عسى أن يكون هناك أربعون ، فقال لا افعل من أجل الأربعين .
فقال : لا يسخط المولى فأتكلم ، عسى أن يوجد هناك ثلاثون ،فقال لا افعل أن
وجدت هناك ثلاثون ، فقال أني شرعت اكلم المولى عسى أن يوجد هناك عشرون ،
فقال : لا اهلك من أجل العشرين ، فقال لا يسخط المولى فأتكلم هذه المرة
فقط ، عسى أن يوجد هناك عشرة .
فقال : لا أهلك من أجل العشرة ، وذهب الرب عندما فرغ من الكلام مع إبراهيم
ورجع إبراهيم إلى مكانه " .
لقد كان ابرام يجادل الله في رحمته وعدله وقد وصل في توسل الرحمة لأهل سدوم
وعمورة أنه كان سيغضب الله ، ولكنه تعالى الذي يعرف مكنون قلب إبراهيم
وحلمه إلى تلك الدرجة التي سمح فيها لإبراهيم خليله وحبيبه أن يجادله في
أمر كان قد قدر .
وللعلم لم يكن في المدينتين إلا ثلاثة مؤمنين هم لوط النبي وأبنتاه فقط .
ومن هنا فأن ، تغيير الاسم كان له علاقة بالحدث ألا وهو الرحمة التي أبداها
أبرهم حيث كان يطلب الصفح كرجل يطلب من ملك الصفح على أبناءه فلذلك سماه
تعالى أب - رحيم.
يتبع






رد مع اقتباس


المفضلات