وقد جاء في الآثار المشهورة عن ابن عباس وغيره، أن ودًّا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا، كانوا رجالا صالحين، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم أنصابا، وسموها بأسمائهم ففعلوا ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت من دون الله عز وجل.
أي لما ذهب العلم وقل العلماء المتبصرون جاء الشيطان إلى الناس فقال لهم: إن هذه الأصنام إنما صورت لأنها كانت تنفع وكانت تدعى ويستغاث بها، ويستسقى بها، فوقع الشرك في الناس بسبب ذلك.
وبهذا يعلم أن نوحا عليه الصلاة والسلام أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، بعد وقوع الشرك فيها، كما جاء في الصحيحين وغيرهما (من أن أهل الموقف يوم القيامة يقولون يا نوح أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض فاشفع لنا إلى ربك) الحديث.
أما آدم فقد ثبتت نبوته قبل ذلك عليه الصلاة والسلام بدلائل أخرى. وجاء في حديث أبي ذر عن أبي حاتم بن حبان وغيره أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرسل وعن الأنبياء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفا والرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر) وفي رواية أبي أمامة ثلاثمائة وخمسة عشر ولكنهما حديثان ضعيفان عند أهل العلم، ولهما شواهد ولكنها ضعيفة أيضا، كما ذكرنا آنفا، وفي بعضها أنه قال عليه الصلاة والسلام ألف نبي فأكثر وفي بعضها (أن الأنبياء ثلاثة آلاف) وجميع الأحاديث في هذا الباب ضعيفة، بل عد ابن الجوزي حديث أبي ذر من الموضوعات، والمقصود أنه ليس في عدد الأنبياء والرسل خبر يعتمد عليه، فلا يعلم عددهم إلا الله سبحانه وتعالى، لكنهم جم غفير، قص الله علينا أخبار بعضهم ولم يقص علينا أخبار البعض الآخر، لحكمته البالغة جل وعلا، والفائدة العظمى أن نعرف أنهم جميعهم دعوا إلى توحيد الله، والإخلاص له سبحانه وتعالى، وأنهم دعوا أممهم إلى ذلك، فمنهم من قبل هذه الدعوة، ومنهم من ردها، ومنهم من لم يتبعه إلا القليل ومنهم من لم يجبه أحد بالكلية كما أخبر بذلك نبينا محمد عليه الصلاة والسلام.
ونبينا وهو خاتمهم وأفضلهم عليه الصلاة والسلام قد علم ما جرى له مع قومه من الخصومة والنزاع في مكة المكرمة، وقد أوذي كثيرا هو وأصحابه حتى أجمعوا على قتله، فأنجاه الله من بين أظهرهم، وفي المدينة جرى ما جرى من الغزوات والجهاد العظيم حتى نصره الله وأيده عليهم عليه الصلاة والسلام، وبذلك يتضح للجميع أن دعوة الرسل جميعهم، هي دعوة إلى توحيد الله والإخلاص له، وأن الأنبياء جميعا، والمرسلين كلهم دعوا إلى توحيد الله والإخلاص له، والإيمان بأسمائه وصفاته وأفعاله، وأنه سبحانه واحد في ربوبيته، واحد في أسمائه وصفاته، واحد في استحقاقه العبادة دون كل ما سواه جل وعلا، فلا يستحقها غيره لا نبي ولا ملك ولا صالح ولا غيرهم من المخلوقات، فالعبادة حق الله جل وعلا، ولها خلق الخلق سبحانه وتعالى، وبها أرسل الرسل كما قال سبحانه وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} فلعبادة الله وتوحيده خلقت الخليقة، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، كما قال تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ} وقال سبحانه: {هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}.
وقد أبان الله سبحانه في كتابه العزيز من آياته ومخلوقاته ما يدل على قدرته العظيمة، وألوهيته وربوبيته، وأنه المستحق للعبادة سبحانه وتعالى. ومن تدبر كتاب الله ومخلوقاته وجد من الآيات المتلوة والحسية والأخبار المنقولة، ما يدل على أنه سبحانه المستحق للعبادة جل وعلا، وأن الرسل كلهم بلغوا ذلك ودعوا إليه، وأن الشرك الذي وقع في قوم نوح لم يزل في الناس إلى يومنا هذا، فلم يزل في الناس من يعبد الأصنام والأوثان، ويغلو في الصالحين والأنبياء، يعبدهم مع الله، كما هو معلوم عند كل من نظر في أخبار العالم من عهد نوح إلى يومنا هذا.
وبما ذكرنا من كتاب الله عز وجل، ومن كلام رسوله محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ومن واقع العالم يتضح أن التوحيد أقسام وقد عرف ذلك أهل العلم بالاستقراء لكتاب الله، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.
فهو أقسام ثلاثة: توحيد الربوبية، وهو الإيمان بأن الله عز وجل واحد في أفعاله، وخلقه وتدبيره لعباده، وأنه المتصرف في عباده كما شاء سبحانه وتعالى، بعلمه وقدرته جل وعلا.
والثاني: توحيد الأسماء والصفات، وأنه سبحانه وتعالى موصوف بالأسماء الحسنى والصفات العلى، وأنه كامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله جل وعلا، وأنه لا شبيه له ولا نظير له، ولا ند له عز وجل.

الثالث: توحيد العبادة وأنه يستحق سبحانه وتعالى أن يعبد وحده لا شريك له، دون ما سواه جل وعلا. وإن شئت قلت توحيد الله سبحانه وتعالى: هو الإيمان بأنه رب الجميع وخالق الجميع، ورازق الجميع، وأنه لا شريك له في جميع أفعاله سبحانه وتعالى، لا شريك له في خلقه ورزقه للعباد، لا شريك له في تدبير الأمور، وهو المالك لكل شيء جل وعلا، كما قال سبحانه وتعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فهو المالك لكل شيء، والمتصرف في كل شيء جل وعلا، له الأمر كله، وله الخلق كله، كما قال تعالى: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} وهو الموصوف بصفات الكمال، والمسمى بالأسماء الحسنى، فلا شبيه له من خلقه في شيء، بل هو الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو المستحق أن يعبد ويخص بالعبادة من الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والصلاة والصوم والذبح والنذر وغير ذلك.
هذا كله داخل في مسمى التوحيد، توحيد الله سبحانه وتعالى توحيد الأنبياء والمرسلين. وهو التوحيد الذي جاء به خاتمهم وسيدهم وإمامهم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام.
ويمكن أن نأتي بعبارة أخرى فنقول: توحيد الله الذي جاءت به الرسل جميعهم ينقسم إلى قسمين - توحيد في المعرفة والإثبات: فمعناه الإيمان بأسماء الله وصفاته وذاته جل وعلا، وخلقه للعباد ورزقه لهم، وتدبيره لشئونهم سبحانه وتعالى. هذا هو التوحيد في المعرفة والإثبات: أن تؤمن وتصدق بأن الله سبحانه واحد في ربوبيته، واحد في أسمائه وصفاته وتدبيره لعباده، وهو الخالق لهم والرازق لهم والموصوف بصفات الكمال المنزه عن النقص والعيب لا شريك له في ذلك، ولا شبيه له، ولا ند له جل وعلا.

والقسم الثاني توحيد القصد والطلب: وهو إفراد الله سبحانه في قصدك وطلبك وصلاتك وصومك، وسائر عباداتك، لا تقصد بها إلا وجهه جل وعلا، وهكذا صدقاتك، وسائر أعمالك التي تتقرب بها، لا تقصد بها إلا وجهه جل وعلا، فلا تدعو إلا إياه، ولا تنذر إلا له، ولا تتقرب بأنواع القربات إلا له سبحانه، ولا تطلب شفاء المرضى والنصر على الأعداء إلا منه عز وجل، توحده في كل ذلك.
فهذه أنواع التوحيد لك أن تعبر عنها بنوعين، ولك أن تعبر عنها بثلاثة أنواع، ولك أن تعبر عنها بنوع واحد كما تقدم فيما ذكرنا آنفا. ولا مشاحة في الاصطلاح والتعبير، وإنما المقصود أن نعرف ما هو التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب، ووقعت فيه الخصومة بين الرسل وأممهم، وهو توحيد العبادة.
أما كونه سبحانه رب الجميع وخالق الخلق ورازقهم، وأنه كامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وأنه لا شبيه له، ولا ند له، ولا مثيل له، فهذا لم يقع فيه الخلاف بين الرسل والأمم، بل جميع المشركين من قريش وغيرهم مقرون به، وما وقع من إنكار فرعون وادعائه الربوبية فمكابرة، يعلم في نفسه أنه مبطل، كما قال له موسى: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ} وقال سبحانه فيه وفي أمثاله: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} وقال تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} وهكذا ما ادعته الثانوية من إلهية النور والظلمة، فمكابرة أيضا، وهم مع ذلك لم يقولوا أنهما متساويان، فليس في العالم من يقول إن هناك إلهين متساويين في التصرف والتدبير، وأما إنكار الملاحدة لرب العالمين كليا، وإنكارهم للآخرة، فليس هذا بمستغرب من أعداء الله، لفساد عقولهم بسبب استيلاء الشياطين عليهم حتى اجتالتهم عن فطرة الله التي فطر عليها الناس، وهؤلاء الملاحدة، وإن أنكروا بألسنتهم فقلوبهم تقر بذلك، كما أقر بذلك الجمادات، وكل شيء كما قال سبحانه وتعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} وقال جل وعلا: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} الآية.
والمقصود أن من أنكر رب العالمين من الكفرة المجرمين، فهو في الحقيقة مكابر لفطرته وعقله، فإن الفطرة والعقل يشهدان بوجود رب متصرف في الكون، مدبر للعباد، لا شبيه له، ولا شريك له، ولا ند له، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، ولهذا قلنا إن المشركين قد أقروا بتوحيد الربوبية، والأسماء والصفات ولم ينكروا ذلك، لأنهم يعلمون أن الله جل وعلا خالق العباد ورازقهم، ومدبر أمورهم، منزل المطر المحيي المميت، الرزاق للعباد وغير ذلك كما تقدم بيانه. فالواجب عليك يا عبد الله إذا عرفت ما تقدم أن تبذل وسعك في بيان هذا الأصل الأصيل، ونشره بين الناس، وإيضاحه للخلق، حتى يعلمه من جهله، وحتى يعبد الله وحده من أشرك به وخالف أمره، وحتى تكون بذلك قد اتبعت الرسل وسرت على منهاجهم في الدعوة إلى الله أداء للأمانة التي حملتها.
فيكون لك مثل أجور من هداه الله على يديك إلى يوم القيامة، كما قال الله جل وعلا: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} وقال سبحانه: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} وقال جل وعلا: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) رواه مسلم في صحيحه. وقال لعلي رضي الله عنه لما بعثه إلى خيبر: (فوالله لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم) متفق على صحته.
هذا وأسأل الله عز وجل أن يوفقنا جميعا للفقه في دينه والاستقامة على ما يرضيه، وأن يعيذنا جميعا من أسباب غضبه، ومن مضلات الفتن، كما أسأله سبحانه أن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يصلح أحوال المسلمين ويولي عليهم خيارهم إنه سبحانه وتعالى جواد كريم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.