والمقصود أن الرسل عليهم الصلاة والسلام بينوا الحق وأوضحوه وبينوا أسماء الرب وصفاته الدالة على قدرته العظيمة واستحقاقه العبادة وأنه الخالق المالك الرازق المحيي المميت المدبر لكل شيء جل وعلا، وبينوا أيضا علو الله وفوقيته على خلقه.
ولهذا قال فرعون لوزيره هامان {ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى }، أخبره أن الله فوق السماء جل وعلا. ولهذا أراد هذا الجبار أن يتطاول بهذا الكلام القبيح الساقط الذي لا قيمة له.
ومن هذا ما ذكره الله جل وعلا عن عيسى عليه الصلاة والسلام والحواريين في سورة المائدة حيث قال سبحانه: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} ففي هذا بيان شيء من قدرة الله جل وعلا، وأنه سبحانه القادر على كل شيء، وأنه سبحانه في العلو، لأن الإنزال يكون من الأعلى إلى الأسفل، فإنزال المائدة وطلب إنزالها، كل ذلك دليل على أن القوم قد عرفوا أن ربهم في العلو، فهم أعرف بالله وأعلم به من الجهمية وأضرابهم ممن أنكر العلو. فالحواريون طلبوا ذلك وعيسى بين لهم ذلك والله بيّن ذلك أيضا، ولهذا قال: {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} فدل ذلك على أن ربنا جل وعلا يطلب من أعلى، وأنه في العلو سبحانه وتعالى فوق السموات وفوق جميع الخلائق وفوق العرش، قد استوى عليه استواء يليق بجلاله وعظمته، لا يشابه خلقه في شيء من صفاته جل وعلا.
وقد دل على هذا المعنى آيات كثيرات مصرحة بعلو الله سبحانه وتعالى على خلقه، ومن ذلك آيات الاستواء السبع المعروفة التي فيها قوله سبحانه في سورة الأعراف: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}، وفي هذه الآية يبين علوه، وأنه الخلاق الرزاق، وأنه صاحب الخلق والأمر سبحانه وتعالى، وأنه الذي يغشي الليل النهار، وأنه خالق الشمس والقمر، وخالق النجوم، ليعلم العباد عظيم شأنه، وكمال قدرته وكمال علمه سبحانه، وأنه العالي فوق جميع خلقه، المستحق لأن يعبد سبحانه وتعالى.
ومن هذا الباب قول الله عز وجل: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}[44]، فانظر كيف بين هذه الصفات العظيمة لله عز وجل الداعية إلى عبادته وحده، دون كل ما سواه، وأنه علام الغيوب وأنه العزيز الحكيم، وأنه الرقيب على عباده، والشهيد عليهم، وأنه يعلم ما في نفس نبيه عيسى، وعيسى لا يعلم ما في نفسه سبحانه وتعالى.
وفي هذا أيضا دلالة على إثبات الصفات، وأن الأنبياء جاءوا بإثبات أسماء الله وصفاته على الوجه اللائق به سبحانه وتعالى، وأنه جل وعلا يوصف بأن له نفسا تليق به عز وجل لا تشابه نفوس المخلوقين، كما أنه سبحانه له وجه وله يد وله قدم وله أصابع لا تشابه صفات المخلوقين، جاء بعض هذا في الكتاب العزيز، وجاء في السنة المطهرة ذكر الوجه واليد والقدم والأصابع كل ذلك دليل على أنه سبحانه موصوف بصفات الكمال، وأنه لا يلزم من ذلك مشابهته للخلق، ولهذا قال عز وجل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} سبحانه وتعالى. فنفى عن نفسه المماثلة ثم أثبت لنفسه السمع والبصر، فدل ذلك على أن صفاته وأسماءه لا شبيه له فيها، ولا مثيل له فيها. بل هو جل وعلا الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو المستحق لأن يعبد ويعظم جل وعلا.
أما المخلوقون فصفاتهم ضعيفة وناقصة، أما هو جل وعلا فهو الكامل في كل شيء، فعلمه كامل وصفاته كاملة كلها ولا شك أن صفات المخلوقين لا تماثل صفاته أبدا بوجه من الوجوه ولهذا قال سبحانه: {فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}، وقال عز وجل: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} وقال سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
فأهل السنة والجماعة يثبتون ما ورد في كتاب الله وما صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أسماء الله وصفاته على الوجه اللائق به جل وعلا، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ولا زيادة ولا نقصان، بل يثبتونها كما جاءت ويمرونها كما جاءت مع الإيمان بأنها حق، وأنها ثابتة لله سبحانه على الوجه اللائق به سبحانه وتعالى، لا يشابه فيه خلقه، كما قال عز وجل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}. وهذه المسائل من مسائل التوحيد، وهي من أهم المسائل، والله سبحانه وتعالى بين في كتابه العزيز أسماءه وصفاته، وكرر ذلك في مواضع كثيرة حتى يعرف الله سبحانه وتعالى بعظيم أسمائه، وعظيم صفاته وعظيم أفعاله جل وعلا، فأفعاله كلها جميلة وأسماؤه كلها حسنى، وصفاته كلها عُلى، وبذلك يعلم العباد ربهم وخالقهم فيعبدونه على بصيرة وينيبون إليه على علم، وأنه يسمع دعاءهم، ويجيب مضطرهم، وأنه على كل شيء قدير سبحانه وتعالى.
ومن هذا ما ذكره الله جل وعلا عن قوم موسى من بني إسرائيل لما عبدوا العجل أوضح لهم سبحانه فساد أمرهم، وبطلان ما فعلوه، فقال جل وعلا: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ}، فبين لنا أن الإله المستحق للعبادة يجب أن يكون متكلما، وأن يكون سميعا بصيرا، وأن يكون يهدي السبيل، وأن يكون بين القدرة على كل شيء، والعلم لكل شيء، أما عجل جماد يعبد من دون الله، فهذا من فساد العقول: عجل لا يجيب الداعي، ولا يبين كلاما، ولا يرد جوابا ولا ينفع ولا يضر، فكيف يعبد من دون الله.
وفي الآية الأخيرة يقول جل وعلا: {أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا} أي أنه لا يرجع لهم قولا، ومعنى يرجع يرد فإن رجعك الله: ردك الله، يعني أن هذا العجل لا يرد قولا لمن كلمه وخاطبه، ولا يملك ضرا ولا نفعا، فكيف تصرف له العبادة لو كانت العقول سليمة، وهذا المعنى في كتاب الله كثير جدا، يبين الله سبحانه وتعالى لعباده أنه المستحق للعبادة لكماله وقدرته العظيمة، وأنه المالك لكل شيء والقادر على كل شيء، الذي يسمع دعاء الداعين، ويقدر على قضاء حاجتهم ويجيب مضطرهم، ويملك الضر والنفع، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، سبحانه وتعالى.
وقد بعث الله نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم وهو سيد الخلق، وأفضلهم وإمام المرسلين، بعثه بما بعث به المرسلين الأولين، من توحيد الله والإخلاص له والدعوة إلى ذلك، وبيان صفاته وأسمائه وأنه المستحق لأن يعبد جل وعلا، فكانت دعوته دعوة كاملة، قال جل وعلا: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} وأنزل عليه كتابا عظيما وهو أشرف الكتب وأعظمها وأنفعها وأعمها، بين فيه أدلة التوحيد، وأنه الرب العظيم، القادر على كل شيء المالك، لكل شيء، النافع الضار، وأمر نبيه أن يبلغ الناس ذلك في آيات كثيرات، من تدبر القرآن عرفها كما قال سبحانه: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} وقال سبحانه: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحتج عليهم بما أقروا به من أفعال الرب وقدرته، وأنه يحيي ويميت، وأنه المدبر الرزاق، على ما جحدوا في توحيد العبادة وأنكروه.
والمعنى: إذا كنتم مقرين بأن هذا هو ربكم الذي يملك الضر والنفع، ويدبر الأمور ويحيي ويميت ويرزق عباده، فكيف لا تتركون الإشراك به، وتعبدونه وحده دون ما سواه جل وعلا، ومن هذا قوله سبحانه: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} والآيات بعدها.
فكل هذا تذكير من الله لعباده على يد رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بعظيم حقه وبأسمائه وصفاته، وأنه عز وجل المستحق لأن يعبد لكمال قدرته، وكمال علمه، وكمال إحسانه، وأنه النافع الضار وهو القادر على كل شيء، المتفرد في أفعاله وأسمائه وصفاته عن المشابه والنظير جل وعلا.
ولما بعث الله نبيه محمدا عليه الصلاة والسلام، بدأ دعوته بالتوحيد، كالرسل السابقين سواء، فقال لقريش: يا قوم قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. هكذا بدأهم، ما أمرهم بالصلاة أو الزكاة أولا أو ترك الخمر أو الزنا أو شبه ذلك. لا، بل بدأهم بالتوحيد لأنه الأساس، فإذا صلح الأساس جاء غيره بعد ذلك. فبدأهم بالأساس العظيم وهو توحيد الله والإخلاص له، والإيمان به وبرسله.
فأساس الملة وأساس الدين في شريعة كل رسول توحيد الله والإخلاص له، فتوحيد الله والإخلاص هو دين جميع المرسلين، وهو محل دعوتهم جميعا، وزبدة رسالتهم عليهم الصلاة والسلام كما سلف، ولما قال الرسول عليه الصلاة والسلام لقومه: (قولوا لا إله إلا الله) استنكروا ذلك، واستغربوه، لأنه خلاف ما هم عليه وآباؤهم، فقد ساروا على الشرك، وعبادة الأوثان من دهر طويل، بعدما غير عليهم دينهم عمرو بن لحي الخزاعي الذي كان رئيسا في مكة، فيقال أنه سافر إلى الشام، ووجد الناس يعبدون الأصنام هناك، فجاء إلى مكة ودعا الناس إلى عبادة الأصنام تقليدا للكفار هناك، ويقال إنه قيل له: إيت جدة، تجد فيها، أصناما معدة، فخذها ولا تهب، وادع العرب إلى عبادتها تجب.
فاستخرجها ونشرها بين العرب فعبدوها وهي: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، التي كانت معبودة في قوم نوح. فاشتهرت بين العرب، وعبدت من دون الله، بسبب عمرو بن لحي المذكور، ثم أوجدوا أصناما وأوثانا أخرى في سائر القبائل يعبدونها مع الله، يسألونها قضاء الحوائج، ويجعلونها آلهة مع الله، ويتقربون إليها بأنواع القربات كالذبح والنذر والدعوات والتمسح وغير ذلك.
ومن ذلك العزى لأهل مكة، ومناة لأهل المدينة ومن حولهم، واللات لأهل الطائف ومن حولهم، إلى غير ذلك من الأوثان والأصنام الكثيرة في العرب، فلما دعاهم هذا النبي الكريم رسولنا عليه الصلاة والسلام إلى توحيد الله وترك آلهتهم، أنكروا عليه ذلك وقالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ} وقال جل وعلا عنهم في سورة الصافات: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} فانظر يا أخي كيف غلب عليهم الجهل حتى جعلوا الدعوة إلى توحيد الله أمرا عجابا، واستكبروا عنه واستغربوه وعادوا من دعاهم إليه حتى قاتلوه، وانتهى الأمر أن أجمعوا رأيهم على قتله، فأنجاه الله من مكرهم، وهاجر من بين أظهرهم إلى المدينة عليه الصلاة والسلام، ثم حاولوا قتله أيضا يوم بدر فلم يفلحوا، وحاولوا ذلك يوم أحد بأشد مما قبل، فكفاه الله مكرهم وكيدهم، ثم حاولوا يوم الأحزاب استئصال الدعوة والقضاء على الرسول وأصحابه، فأبطل الله كيدهم وفرق شملهم، وأنجاه الله من شرهم ومكائدهم، ونصر دينه وأيد دعوته، وأعانه على جهاد أعدائه حتى أقر الله عينه قبل وفاته عليه الصلاة والسلام بانتصار دين الله وظهور الحق، وانتشار التوحيد في الأرض، والقضاء على الأوثان والأصنام، بعدما فتح الله عليه مكة في السنة الثامنة من الهجرة في رمضان، ودخل الناس بعد ذلك في دين الله أفواجا بسبب فتح الله عليه مكة، ودخول قريش في الإسلام، ثم تتابعت العرب في الدخول في دين الله وقبول ما دعا إليه عليه أفضل الصلاة والسلام، من توحيد الله والإخلاص له جل وعلا، والتمسك بشريعته سبحانه وتعالى.
والمقصود أن رسولنا ونبينا محمدا عليه الصلاة والسلام دعا إلى ما دعت إليه الرسل قبله من نوح ومن بعده، إلى توحيد الله والإخلاص له، وترك عبادة ما سواه. هذه أول دعوته، وهذه زبدتها، وهي أهم واجب وأول واجب، وأعظم واجب، وكان بنو آدم على التوحيد من عهد آدم إلى عهد نوح عليه السلام عشرة قرون، كما قال ابن عباس وجماعته، فلما اختلفوا بسبب الشرك الذي وقع في قوم نوح، بعث الله الرسل قال الله عز وجل: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} المعنى كان الناس أمة واحدة على التوحيد والإيمان، فاختلفوا بعد ذلك، كما قال في آية أخرى في سورة يونس: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا}.
فالمعنى أنهم كانوا على التوحيد والإيمان، هذا هو القول الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك بينهم بسبب دعوة الشيطان إلى عبادة ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر.
فلما وقع الشرك في قوم نوح بسبب غلوهم في الصالحين، وتزيين الشيطان لهم عبادتهم من دون الله، بعث الله إليهم نوحا عليه الصلاة والسلام، فدعاهم إلى توحيد الله والإخلاص له، وترك عبادة ما سواه جل وعلا.
فكان نوح عليه الصلاة والسلام أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض بعدما وقع الشرك فيها، أما آدم فجاءت أحاديث ضعيفة تدل على أنه نبي ورسول مكلم، لكنها لا يعتمد عليها لضعف أسانيدها، ولا شك أنه أوحي إليه بشرع وأنه على شريعة من ربه عليه الصلاة والسلام، وكانت ذريته على شريعته وعلى توحيد الله، والإخلاص له، ثم بعد ذلك بعشرة قرون أو ما شاء الله من ذلك، وقع الشرك في قوم نوح في ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، كما تقدم.