

-
سئلت في موقع التفسير واجاب الدكتور أحمد بن محمد البريدي - الأستاذ المساعد بجامعة القصيم
هذه المسألة متعلقة في أعمال العباد والتي تبحث في باب القضاء والقدر , والناس فيها طرفان ووسط :
القسم الأول : مَن يرونَ أنّ الإنسانَ مُجْبر على العمل ؛ لا يفعلُ شيئاً باختيارٍ أبداً ؛ وما فِعْلُه الاختياري إلا كَفِعْلِه الاضطراري : فمَن نزلَ مِن السطْحِ على الدَرَج درجةً درجةً هو كَمَنْ سقطَ بدونِ عِلْمه مِن أعلى السطْحِ ؛ وهذا مَذْهبُ الجبْريَّةِ مِن الجهميّة ؛ وهو مَذْهبٌ باطلٌ تردُّه الأدلّة السمعية ، والعقلية .
القسم الثاني: مَن يرونَ أنّ الإنسانَ مستقلٌّ بعمله ، وأنّ الله لا يُصرِّفُ العبدَ إطلاقاً ؛ فالعبدُ له الحريةُ الكاملة في عمله ، ولا تَعلُّقَ لمشيئة الله به ، ولا تَعلُّقَ لتقديرِ الله ، وخَلْقِه بعملِ الإنسان ، وهذا مَذْهبُ المعتزلةِ القَدَرِيّة ؛وهو مَذْهبٌ باطلٌ للأدلّة السمعية ، والعقلية.
وكِلا القِسْمَين مَع بُطْلانهما يلزم عليهِما لوازم باطِلة .
القسم الثالث : يرونَ أنّ فِعْلَ العبدِ باختياره ؛ وله تَعلُّقٌ بمشيئة الله ؛ فمتى فَعَلَ العبدُ الفِعْلَ عَلِمْنَا أنّ الله تعالى قد شاءَه ، وقدَّره ؛ وأنّه لا يمكنُ أن يقعَ في مُلْكِ الله ما لا يُريد ؛ بلْ كلّ ما وقعَ فهو مُرادٌ لله مخلوقٌ له ؛ ووجْهُ كَوْنِ فِعل العبدِ مخلوقاً لله : أنّ الإنسانَ مخلوقٌ لله ؛ وفِعْله كائن بأمرين : بعزيمةٍ صادقة ؛ وقُدْرَة ؛ والله هو الذي خَلَق العزيمةَ الصادقةَ ، والقُدْرَة ؛ فالإنسانُ بصفاتِه ، وأجزائِه ، وجميعِ ما فيه كُلّه مخلوقٌ لله .
هذا القولُ الوسَطْ هو الذي تجتمعُ فيه الأدلّة جميعاً ؛ لأنّ الذين قالوا: " إنّ الإنسانَ مُجْبر " أخذوا بدليلٍ واحد ، وأطلقوا مِن أيديهم الدليلَ الآخر ؛ والذين قالوا :" إنه مستقل " أخذوا بدليلٍ واحد ، وأطلقوا الدليلَ الثاني مِن أيديهم ؛ لكن أهل السنّة والجماعة - والحمد لله - أخذوا بأيديهم بالدليلَيْن ؛ وقالوا : الإنسانُ يَفْعَلُ باختياره ؛ ولكن تصرُّفه تحتَ مشيئةِ الله ؛ ولهذا إذا وقعَ الأمرُ بغير اختياره رُفع عنه حُكْمُه : فالنائم لا حُكم لفِعْلِه ، ولا لِقَوْلِه ؛ والمُكْرَه على الشيء لا حُكم لفِعْلِه ، ولا لِقَوْلِه ؛ بلْ أبلغُ مِن ذلك : الجاهلُ بالشيءِ لا حُكم لفِعْلِه مع أنّه قد قَصَد الفِعْلَ ؛ لكنّه لِجَهْلِه يُعفَى عنه ؛ كلّ ذلك يدلُّ على أن الله رحيمٌ بِعباده
ومَنْشأُ الضلالِ في القَدَر هو التسْوِيَةُ بينَ الإرادةِ الشرعيّة والإرادةِ الكوْنيّة كما فعَلَتْ الجبْريَّةُ والقَدَريَّةُ .
فالقَدَريَّةُ قالوا : إنّ المعاصيَ والذنوبَ ليْسَتْ محبوبةً لله ، ولا مَرْضِيَّة ؛فليْسَتْ مُقَدَّرةً ولا مَقْضِيَّة ، فهيَ خارجةٌ عنْ مَشيئَتِه وخَلْقِه .
والجبْريَّةُ قالوا : الكَوْنُ كلُّه بِقضَاءِ الله وقَدَرِه فيكونُ مَحْبوبًا مَرْضيًّا .
ومَذْهبُ أهل السنّة والجماعة هو التفْريقُ بينَ الإرادَتَيْن
قال ابن عثيمين رحمه الله عند تفسيره لقوله تعالى :{ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} (البقرة: من الآية253) :" ومِنْها - ايْ مِن فوائدها – إثْباتُ الإرادة لله لقوله تعالى :{ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} والإرادةُ التي اتَّصَفَ الله بها نوْعان : كَوْنِيَّةٌ ، وشَرْعيَّةٌ ؛ والفرْقُ بينهما مِن حيث المعنى ؛ ومِن حيث المتعلّق ؛ ومِن حيث الأثر ؛ مِن حيث المعنى : " الإرادةُ الشرعيّة " بمعنى المحبّة ؛ و " الإرادةُ الكونيّة " بمعنى المشيئة ؛ ومِن حيث المتعلّق : " الإرادةُ الكونيّة " تتعلَّق فيما يحبُّه الله، وفيما لا يحبُّه ؛ فإذا قيل : هل أرادَ الله الكُفْرَ ؟ نقول : بالإرادة الكونية : نعم ؛ وبالشرعية : لا ؛ لأن " الإرادةَ الكونيّة " تشمل ما يحبُّه الله، وما لا يحبُّه ؛ و " الإرادةُ الشرعيّة " لا تتعلق إلا فيما يحبُّه الله ؛ ومِن حيث الأثر : " الإرادةَ الكونيّة " لا بُدَّ فِيها مِن وقوعِ المُراد ؛ و" الإرادةُ الشرعيّة " قد يقعُ المُراد ، وقد لا يَقعْ ؛ فمثلاً :{وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ }(النساء: من الآية27): الإرادةُ هنا شَرْعيَّةٌ ؛ لو كانَت كَوْنيَّةً لكانَ الله يتوبُ على كلِّ الناس ؛ لكن الإرادة شَرْعيَّة : يُحِبُّ أن يتوبَ علينا بأنْ نفعلَ أسبابَ التوبةِ .
فإنْ قِيل : ما تقولونَ في إيمانِ أبي بكرٍ ؛هل هو مرادٌ بالإرادةِ الشَرْعيَّة ، أو بالإرادةِ الكَوْنيَّةِ ؟ قُلنا : مُرادٌ بالإرادَتَيْنِ كِلْتَيْهِما ؛ وما تقولونَ في إيمانِ أبي طالب ؟ قُلنا : مرادٌ شرعاً ؛ غيرُ مُرادٍ كوناً ؛ ولذلك لَمْ يَقع ؛ وما تقولونَ في فِسْقِ الفاسِق ؟
قُلنا : مُرادٌ كَوْناً لا شَرْعاً ؛ إذاً نقول : قد تجتمعُ الإرادتانِ ، كإيمان أبي بكر ؛ وقد تنتفيانِ ، مثلَ كُفْرِ المسلم ؛وقد توجدُ الإرادةُ الكونيةُ دونَ الشرعيةِ ،مثلَ كُفْرِ الكافر؛ وقد توجدُ الشرعيةُ دونَ الكونيةِ ، كَإيمانِ الكافر
التعديل الأخير تم بواسطة أبوحمزة السوداني ; 10-07-2007 الساعة 02:24 PM
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة lelyan في المنتدى شبهات حول السيرة والأحاديث والسنة
مشاركات: 11
آخر مشاركة: 27-11-2009, 02:46 PM
-
بواسطة nour_el_huda في المنتدى منتدى الشكاوى والإقتراحات
مشاركات: 5
آخر مشاركة: 27-02-2007, 10:12 PM
-
بواسطة rafate87 في المنتدى الرد على الأباطيل
مشاركات: 10
آخر مشاركة: 11-06-2006, 02:32 PM
-
بواسطة داع الى الله في المنتدى من السيرة العطرة لخير البرية صلى الله عليه وسلم
مشاركات: 1
آخر مشاركة: 06-12-2005, 01:25 AM
-
بواسطة ماس في المنتدى المنتدى الإسلامي
مشاركات: 4
آخر مشاركة: 18-09-2005, 08:08 AM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات