إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

جرة ذهب

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • جرة ذهب

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم صلِ على سيدنا محمد
    عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله
    صلى الله عليه وسلم قال :
    (اشترى رجل من رجل عقاراً له ،
    فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره
    جرّة فيها ذهب ، فقال له الذي اشترى العقار :
    خذ ذهبك مني ؛ إنما اشتريت منك الأرض
    ولم أبتع منك الذهب ، وقال الذي له الأرض :
    إنما بعتك الأرض وما فيها ، فتحاكما إلى رجل ،
    فقال الذي تحاكما إليه : ألكما ولد ؟ ، قال أحدهما :
    لي غلام ، وقال الآخر :لي جارية ، قال :
    "أنكحوا الغلام الجارية ، وأنفقوا على أنفسهما منه ، وتصدقا ".
    متفق عليه .
    معاني المفردات
    أبتع منك الذهب :أي :أشتري منك الذهب
    ألكما ولد :أي :ألكل منكما ولد
    عقاراً له :العقار هو المنزل والضيعة
    تفاصيل القصّة
    يصطرع الناس فتات الدنيا ، وتنشب بينهم الخلافات ،
    ثم ينتهي الأمر إلى الازدحام عند أبواب المحاكم ،
    والوقوف أمام القضاء ، ليُدلي كلٌ بحجّته ، ويقدّم أدلّته ،
    مدّعياً أنه صاحب الحق ، وأن خصمه يريد سلبه ونهبه ،
    وأخذ ما ليس له .
    مشهدٌ مألوف وموقف معتاد يتكرّر يوميّاً في دنيا الناس ،
    لكنّ العجب كلّ العجب أن ينشأ الخلاف ويحتدم
    النقاش بين رجلين ، حتى تتعالى أصواتهما ،
    ويترافعا عند القاضي ، ليقول كلّ واحد منهما :
    "إن خصمي هو صاحب الحقّ ،
    وإنه يريد أن يعطيني ما ليس لي ".
    فحقّ للعقل حينها أن تعصف به الحيرة وتأخذه الدهشة .
    وليس الحديث عن ذلك من نسج الخيال أو إلهام الفكر ،
    ولكنّه أنموذجٌ فريد وبارقة نجمٍ في سماء الحضارات
    السابقة ، لرجال تسوّروا العزّ وتبوّؤوا المجد ،
    حينما صاغهم الدين وربّاهم الأنبياء ، فطهرت
    سرائرهم ، واستقامت ظواهرهم .
    وكانت البداية حينما أراد رجلٌ أن يبيع عقاراً له ،
    فبحث عن مشترٍ له ، حتى أبدى أحدهم إعجابه
    بالعقار واستعداده لنقد الثمن ، فتمّ البيع وعُقدت الصفقة .
    وانتقل المشتري إلى عقاره الجديد فرحاً به ،
    فجعل يهيّئه ويعدّه للسكنى ، وبينما كان يقوم
    بالحفر في أحد نواحي داره إذا بفأسه تصطدم بجرّة ،
    ولمّا أخرجها وجدها مملوءةً ذهباً ، تثقل اليد عن حملها ،
    إنها جرّة تُؤذن بوداع حياة الفقر ، وتكفل لصاحبها
    أن يكون في مصافّ الأغنياء ، ليهنأ بالعيش الرغيد ،
    والنعمة الواسعة ، والرفاهية المطلقة .
    لكنّ نوازع الأمانة ومعاني الورع كانت أعظم في نفسه ،
    فلم يلتفت إلى بريق الذهب ولمعانه ، بل كان شغله
    الشاغل أن يُرجع المال لصاحبه ، وهكذا انطلق من
    لحظته ليدفع له الجرّة قائلا :
    (خذ ذهبك مني ؛ إنما اشتريت منك الأرض
    ولم أبتع منك الذهب!) .
    وإذا كانت أمانة هذا الرّجل وقناعته مثار إعجاب
    ومحطّ استحسان ، فإن العجب يتعاظم من موقف
    صاحبه الذي أعاد له المال قائلاً :
    (إنما بعتك الأرض وما فيها ) .
    وقام الرجلان يتدافعان الجرّة ، كلٌّ يدّعي أن صاحبه
    أحقّ بها ، وبعد نقاشٍ دام طويلاً اتفقا على أن
    يُحكّما بينهما رجلاً ، فوقفا بين يديه ،وعرض الأوّل
    وجهة نظره ، وعرض الثاني رأيه وقوله .
    نظر الحَكَم إليهما مُعجباً بسموّ أخلاقهما وعظيم نبلهما ،
    ورأى أن هذه النماذج الفريدة جديرةٌ بأن يلتئم شملها
    تحت مظلّة واحدة ، تربط بينها أواصر النسب
    ووشائج المصاهرة ، وقد وجد بغيته حينما علم
    أن للأوّل غلاماً وللثاني جارية لم يتزوّجا بعد ،
    فأصدر حكمه :
    (أنكحوا الغلام الجارية ، وأنفقوا على أنفسهما منه ، وتصدّقا ) .
    وقفات مع القصّة:
    تبقى القصة بكل أبعادها وأحداثها ، وألفاظها
    ومدلولاتها تشكّل سِفْراً مفتوحاً لكل قاريء ليأخذ
    منها الدروس ويستلهم منها العبر .
    وأوّل ما يلفت النظر ويشدّ الانتباه ، خلق القناعة
    الذي ظهر في الأوّل ، ومعاني العفّة والتنزّه
    التي بدت عند الثاني ، ثم الحكم الذي يظهر فيه
    حسن الفهم وسداد الرأي عند الثالث ،
    حتى يحار المرء :أيّهم أفضل من الآخر .
    كما يظهر في القصّة ما تعود به القناعة على
    صاحبها من الخير والبركة ، فهي كنزٌ لا يفنى ،
    وذخيرةٌ لا تنضب ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
    (ليس الغنى عن كثرة العَرَض أي :
    متاع الدنيا ولكن الغنى غنى النفس )رواه البخاري ،
    ويقول أيضاً :
    (وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس )رواه الترمذي .
    وفي ألفاظ القصّة دعوة ضمنيّةٌ للناس إلى أداء
    الأمانات وإرجاع الودائع ، وهي قضيّة تناولها
    القرآن وأكّد على أهمّيتها في قول الحقّ سبحانه :
    {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها }
    (النساء :58) .
    وآخر ما نختم به دلالة القصّة على إمكانيّة الاحتكام
    إلى من كان ذا حظّ من العلم والعقل ، ما يعينه
    على تحقيق العدل وإصابة الحقّ.
    *اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.
    *اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت،
    وشر ما لم أعمل.‏
    *فمن عفا و أصلح فأجره على الله.
    *ما كان الرفق في شئ إلا زانه
    ولا كان العنف في شئ إلا شانه .
    *من خير المواهب العقل، ومن شر المصائب الجهل.
يعمل...
X