عذراً فهذا الكلام ما هو إلا تأكيد لأمرين
1) أن القرآن من عند الله وهو حق كما أن الوحي حق
2) صدق وأمانة الرسولوخوفه من النسيان أو السهو وصدق بلاغ الرسالة .
{يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك}
(المائدة67)
وهكذا كان يجتهد في حفظ البلاغ من الوحي بالتكرار
![]()
{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون "9"}
(سورة الحجر)
الله عز وجل تعهد بحفظ القرآن ؛ لأن البشر جربوا في حفظ مناهج السماء، ولم يكونوا أمناء عليها، فغيروا في التوراة وفي الإنجيل وفي الكتب المقدسة، إما بأن يكتموا بعض ما أنزل الله، وإما أن ينسوا بعضه، والذي ذكروه لم يتركوه على حاله بل حرفوه. وإن قبل منهم هذا كله فلا يقبل منهم أن يفتروا على الله فيؤلفون من عندهم، ويقولون:
{هو من عند الله وما هو من عند الله .. "78"}
(سورة آل عمران)
ذلك لأن الحفظ للمنهج كان موكولاً للبشر تكليفاً، والتكليف عرضة لأن يطاع، ولأن يعصى
![]()
{إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله .. "44"}
(سورة المائدة)
أي: طلب منهم أن يحفظوها بهذا الأمر التكليفي، فعصوه نسياناً، وكتماناً، وتحريفاً، وزيادة؛ لذلك تولى الحق ـ تبارك وتعالى ـ حفظ القرآن؛ لأنه الكتاب الخاتم الذي لا استدراك عليه، وضمن سبحانه للقرآن ألا يحرف بأبي وجه من أوجه التحريف.
فاطمئنوا إلى أن القرآن كتاب الله الذي بين أيديكم هو كلام الله الذي جاء من علمه تعالى في اللوح المحفوظ الذي قال عنه:
![]()
{في كتاب مكنونٍ "78" لا يمسه إلا المطهرون "79"}
(سورة الواقعة)
ثم نزل به الروح الأمين، وهو مؤتمن عليه لم يتصرف فيه، ثم نزل على قلب سيد المرسلين الذي قال الله عنه:
![]()
{ولو تقول علينا بعض الأقاويل "44" لأخذنا منه باليمين "45"}
(سورة الحاقة)
إذن: حفظ القرآن علماً في اللوح المحفوظ، وحفظ في أمانة من نزل به من السماء، وحفظ في من استقبله وهو النبي صلى الله عليه وسلم، فلا حجة لنا بعد أن جمع الحق ـ سبحانه وتعالى ـ للقرآن كل ألوان الحفظ. لذلك كان ولابد حين ينزل الله القرآن على رسوله أن يقول له:
{فتعالى الله الملك الحق .. "114"}
(سورة طه)
فليست هناك حقيقة بعد هذا أبداً، وليس هناك شيء ثابت ثبوت الحق سبحانه وتعالى . ثم يقول تعالى:
{ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه .. "114"}
(سورة طه)
وهذه مقدمات ليطمئن رسول الله على حفظ القرآن؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي ، فيحاول إعادته كلمة كلمة. فإذا قال الوحي مثلاً:
{قل أوحى إلي .. "1"}
(سورة الجن)
فيأخذ الرسول في تكرارها في سره ويرددها خلف جبريل عليه السلام مخافة أن ينساها لشدة حرصه على القرآن. فنهاه الله عن هذه العجلة:
{ولا تعجل بالقرآن .. "114"}
(سورة طه)
أي: لا تتعجل، ولا تنشغل بالتكرار والترديد، فسوف يأتيك نضجها حين تكتمل، فلا تخش أن يفوتك شيء منه طالما أنني تكفلت بحفظه؛ لذلك يقول له في موضع آخر:
{سنقرئك فلا تنسى "6"}
(سورة الأعلى)
فاطمئن ولا تقلق على هذه المسألة ؛ لأن شغلك بحفظ كلمة قد يفوت عليك أخرى. والعجلة أن تخرج الحدث قبل نضجه، كأن تقطف الثمرة قبل نضجها وقبل أوانها، وعند الأكل تفاجأ بأنها لم تستو بعد، أو تتعجل قطفها وهي صغيرة لا تكفي شخصاً واحداً، ولو تركتها لأوانها لكانت كافية لعدة أشخاص.
والقرآن كلام في مستوى عالٍ من البلاغة، وليس كلاماً مألوفاً له يسهل عليه حفظه؛ لذلك كان حريصاً على الحفظ والتثبيت. وفي آية أخرى يوضح الحق سبحانه هذه المسألة:
{لا تحرك به لسانك لتعجل به "16" إن علينا جمعه وقرآنه "17" فإذا قرأناه فاتبع قرآنه "18"}
(سورة القيامة)
أي: لما تكتمل الآيات فلك أن تقرأها كما تحب.
وهذه الظاهرة من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، نبي ينزل عليه عدة أرباع من القرآن، أو السورة كاملة، ثم حين يسري عنه الوحي يعيدها كما أنزلت عليه، ولك أن تأتي بأكثر الناس قدرة على الحفظ، واقرأ عليه لمدة عشر دقائق مثلاً من أي كتاب أو أي كلام، ثم اطلب منه إعادة ما سمع فلن يستطيع.
<أما النبي صلى الله عليه وسلم فكان يأمر الكتبة بكتابة القرآن، ثم يمليه عليهم كما سمعه، لا يغير منه حرفاً واحداً، بل ويملي الآيات في موضعها من السور المختلفة فيقول: "ضعوا هذه في سورة كذا، وهذه في سورة كذا" >
ولو أن السورة نزلت كاملة مرة واحدة لكان الأمر إلى حد ما سهلاً، إنما تنزل الآيات متفرقة، فإذا ما قرأ صلى الله عليه وسلم في الصلاة مثلاً قرأ بسورة واحدة نزلت آياتها متفرقة، هذه نزلت اليوم، وهذه نزلت بالأمس، وهكذا ومع ذلك يقرؤها مرتبة آية آية.
وقوله تعالى بعدها:
{ثم إن علينا بيانه "19"}
(سورة القيامة)
وخاطب النبي في آية أخرى:
{وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم .. "44"}
(سورة النحل)
فالبيان من الله تعالى والتبيين من النبي صلى الله عليه وسلم. ومعنى:
{من قبل أن يقضى إليك وحيه .. "114"}
(سورة طه)
أي: انتظر حتى يسري عنك، لكن كيف يعرف الرسول ذلك؟ كيف يعرف أن الحالة التي تعتريه عند نزول الوحي قد زالت؟ والصحابة يصفون حال النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول الوحي عليه فيقولون: كنا نسمع حول رأسه كغطيط النحل، وكان جبينه يتفصد عرقاً، ويبلغ منه الجهد مبلغاً، وإن نزل الوحي وهو على دابة كانت تنخ برسول الله؛ لأن الله تعالى قال:
{إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً "5"}
(سورة المزمل)
إذن: هناك آيات مادية تعرض لرسول الله عند نزول الوحي؛ لأن الوحي من ملك له طبيعته التكوينية التي تختلف وطبيعة النبي البشرية، فلكي يتم اللقاء بينهما مباشرة لابد أن يحدث بينهما نوع من التقارب في الطبيعة، فإما أن يتحول الملك من صورته الملائكية إلى صورة بشرية، أو ينتقل رسول الله من حالته البشرية إلى حالة ملائكية ارتقائية حتى يتلقى عن الملك.
لذلك، كانت تحدث لرسول الله تغييرات كيماوية في طبيعته، هذه التغييرات هي التي تجعله يتصبب عرقاً حتى يقول: "زملوني زملوني" أو "دثروني دثروني" لما حدث في تكوينه من تفاعل.
فكان الوحي شاقاً على رسول الله خاصة في أوله ، فأراد الحق ـ سبحانه ـ أن يخفف عن رسوله هذه المشقة ، وأن يريحه فترة من نزول الوحي ليريحه من ناحية وليشوقه للوحي من ناحية أخرى، فقال تعالى:
![]()
{ألم نشرح لك صدرك "1" ووضعنا عنك وزرك "2" الذي انقض ظهرك "3"}
(سورة الشرح)
والوزر هو الحمل الثقيل الذي كان يحمله رسول الله في نزول الوحي عليه.
فلما فتر الوحي عن رسول الله شمت به الأعداء، وقالوا: إن رب محمد قد قلاه. سبحان الله، أفي الجفوة تذكرون أن لمحمد رباً؟ ألستم القائلين له" كذاب وساحر؟ والآن أصبح له رب لأنه قلاه؟
وما فهم الكفار أن فتور الوحي لحكمة عالية، أرادها رب محمد، هي أن يرتاح نفسياً من مشقة هذه التغييرات الكيماوية في تكوينه، وأن تتجدد طاقته، ويزداد شوقه للقاء جبريل من جديد، والشوق إلى الشيء يهون الصعاب في سبيله. كما يسير المحب إلى حبيبه، لا تمنعه مشاق الطريق.
فرد الله على الكفار:
![]()
{والضحى "1" والليل إذا سجى "2" ما ودعك ربك وما قلى "3" وللآخرة خير لك من الأولى "4" ولسوف يعطيك ربك فترضى "5"}
(سورة الضحى)
فنفى عن رسوله ما قاله الكفار، ثم عدل عبارتهم: إن رب محمد قد قلاه فقال:
{ما ودعك ربك وما قلى "3"}
(سورة الضحى)
هكذا بكاف الخطاب؛ لأن التوديع قد يكون للحبيب. أما في قوله:
{وما قلى "3"}
(سورة الضحى)
فلم يأت هنا بكاف الخطاب حتى مع النفي ، فلم يقل (وما قلاك)؛ لأن النفي مع ضمير المخاطب يشعر بإمكانية حدوث الكره لرسول الله.
كما لو قلت: أنا لم أر شيخ الأزهر يشرب الخمر، أمدحت شيخ الأزهر بهذا القول أم ذممته؟ الحقيقة أنك ذممته؛ لأنك جعلته مظنة أن يحدث منه ذلك.
فهذا التعبير القرآني يعطي لرسول الله منزلته العالية ومكانته عند ربه عز وجل.
لكن، ما الحكمة في أن الحق ـ تبارك وتعالى ـ أقسم في هذه المسألة بالضحى وبالليل إذا سجى؟ وما صلتهما بموضوع غياب الوحي عن رسول الله؟
الله عز وجل يريد بقوله:
{والضحى "1" والليل إذا سجى "2"}
(سورة الضحى)
أن يرد هؤلاء إلى ظاهرة كونية مشاهدة ومعترف بها عند الجميع، وهي أن الله خلق النهار وجعله محلاً للحركة والنشاط والسعي، وخلق الليل وجعله محلاً للراحة والسكون، فيرتاح الإنسان في الليل ليعاود نشاطه في الصباح من جديد.
وهكذا أمر الوحي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أجهده الوحي احتاج إلى وقت يرتاح فيه، لا لتنتهي المسألة بلا عودة، بل ليجدد نشاط النبي، ويشوقه للوحي من جديد؛ لذلك بشره بقوله:
{وللآخرة خير لك من الأولى "4"}
(سورة الضحى)
أي: انتظر يا محمد، فسوف يأتيك خير كثير. فالحق سبحانه يرجعهم إلى ظواهر الكون، وإلى الطبيعة التي يعيشون عليها،فأنتم ترتاحون من عناء النهار بسكون الليل، فلماذا تنكرون على محمد أن يرتاح من عناء الوحي ومشقته؟وهل راحتكم في سكون الليل تعني دوام الليل وعدم عودة النهار؟
وقوله تعالى:
{وقل رب زدني علماً "114"}
(سورة طه)
هذا توجيه للنبي صلى الله عليه وسلم للاستزادة من العلم، فمادمت أنت يا رب الحافظ فزدني منه، ذلك لأن رسول الله سيحتاج إلى علم تقوم عليه حركة الحياة من لدنه إلى أن تقوم الساعة، علم يشمل الأزمنة والأمكنة، فلابد له أن يعد الإعداد اللازم لهذه المهمة.
.
والله أعلم
الشيخ / محمد متولي الشعراوي.
.






وخوفه من النسيان أو السهو وصدق بلاغ الرسالة .
رد مع اقتباس


المفضلات