تفسير الطبري - سورة المجادلة - الآية 3

وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ۚ ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) (المجادلة)

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ لِنِسَائِهِمْ : أَنْتُنَّ عَلَيْنَا كَظُهُورِ أُمَّهَاتنَا .

وَقَوْله : { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا } اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي مَعْنَى الْعُود لِمَا قَالَ الْمَظَاهِر , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ الرُّجُوع فِي تَحْرِيم مَا حَرَّمَ عَلَى نَفْسه مِنْ زَوْجَته الَّتِي كَانَتْ لَهُ حَلَالًا قَبْل تَظَاهُره , فَيُحِلّهَا بَعْد تَحْرِيمه إِيَّاهَا عَلَى نَفْسه بِعَزْمِهِ عَلَى غِشْيَانهَا وَوَطْئِهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 26123 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا } قَالَ : يُرِيد أَنْ يَغْشَى بَعْد قَوْله . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . * - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا } قَالَ : حَرَّمَهَا , ثُمَّ يُرِيد أَنْ يَعُود لَهَا فَيَطَأهَا . وَقَالَ آخَرُونَ نَحْو هَذَا الْقَوْل , إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا : إِمْسَاكه إِيَّاهَا بَعْد تَظْهِيره مِنْهَا , وَتَرْكه فِرَاقهَا عَوْد مِنْهُ لِمَا قَالَ , عَزَمَ عَلَى الْوَطْء أَوْ لَمْ يَعْزِم . وَكَانَ أَبُو الْعَالِيَة يَقُول : مَعْنَى قَوْله : { لِمَا قَالُوا } : فِيمَا قَالُوا . 26124 - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنِي عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا دَاوُد , قَالَ : سَمِعْت أَبَا الْعَالِيَة يَقُول فِي قَوْله : { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا } : أَيْ يَرْجِع فِيهِ . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي مَعْنَى ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى : فَتَحْرِير رَقَبَة مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا , فَمَنْ لَمْ يَجِد فَصِيَام , فَإِطْعَام سِتِّينَ مِسْكِينًا , ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا إِنَّا لَا نَفْعَلهُ فَيَفْعَلُونَهُ هَذَا الظِّهَار يَقُول : هِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي , وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْكَلَام , فَإِذَا أَعْتَقَ رَقَبَة أَوْ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا عَادَ لِمَا قَدْ قَالَ : هُوَ عَلَيَّ حَرَام يَفْعَلهُ . وَكَأَنَّ قَائِل هَذَا الْقَوْل كَانَ يَرَى أَنَّ هَذَا مِنْ الْمُقَدَّم الَّذِي مَعْنَاهُ التَّأْخِير . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا } يَصْلُح فِيهَا فِي الْعَرَبِيَّة : ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَى مَا قَالُوا , وَفِيمَا قَالُوا , يُرِيدُونَ النِّكَاح , يُرِيد : يَرْجِعُونَ عَمَّا قَالُوا , وَفِي نَقْضِ مَا قَالُوا , قَالَ : وَيَجُوز فِي الْعَرَبِيَّة أَنْ تَقُول : إِنْ عَادَ لِمَا فَعَلَ , تُرِيد إِنْ فَعَلَ مَرَّة أُخْرَى , وَيَجُوز إِنْ عَادَ لِمَا فَعَلَ : إِنْ نَقَضَ مَا فَعَلَ , وَهُوَ كَمَا تَقُول : حَلَفَ أَنْ يَضْرِبك , فَيَكُون مَعْنَاهُ : حَلَفَ لَا يَضْرِبك , وَحَلَفَ لَيَضْرِبَنَّكَ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَال : مَعْنَى اللَّام فِي قَوْله { لِمَا قَالُوا } بِمَعْنَى إِلَى أَوْ فِي , لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : ثُمَّ يَعُودُونَ لِنَقْضِ مَا قَالُوا مِنْ التَّحْرِيم فَيُحَلِّلُونَهُ . وَإِنْ قِيلَ مَعْنَاهُ : ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَى تَحْلِيل مَا حَرَّمُوا , أَوْ فِي تَحْلِيل مَا حَرَّمُوا فَصَوَاب , لِأَنَّ كُلّ ذَلِكَ عَوْد لَهُ , فَتَأْوِيل الْكَلَام : ثُمَّ يَعُودُونَ لِتَحْلِيلِ مَا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسهمْ مِمَّا أَحَلَّهُ اللَّه لَهُمْ .


وَقَوْله : { فَتَحْرِير رَقَبَة مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا } يَقُول : فَعَلَيْهِ تَحْرِير رَقَبَة , يَعْنِي عِتْق رَقَبَة عَبْد أَوْ أَمَة , مِنْ قَبْل أَنْ يَمَاسّ الرَّجُل الْمُظَاهِر اِمْرَأَته الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا أَوْ تَمَاسّه . وَاخْتُلِفَ فِي الْمَعْنَى بِالْمَسِيسِ فِي هَذَا الْمَوْضِع نَظِير اِخْتِلَافهمْ فِي قَوْله : { وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْل أَنْ تَمَسُّوهُنَّ } 2 237 وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ هُنَالِكَ . وَسَنَذْكُرُ بَعْض مَا لَمْ نَذْكُرهُ هُنَالِكَ : 26125 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا } فَهُوَ الرَّجُل يَقُول لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ; فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ , فَلَيْسَ يَحِلّ لَهُ أَنْ يَقْرَبهَا بِنِكَاحٍ وَلَا غَيْره حَتَّى يُكَفِّر عَنْ يَمِينه بِعِتْقِ رَقَبَة { فَمَنْ لَمْ يَجِد فَصِيَام شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا } وَالْمَسّ : النِّكَاح { فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَام سِتِّينَ مِسْكِينًا } وَإِنْ هُوَ قَالَ لَهَا : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إِنْ فَعَلْت كَذَا وَكَذَا , فَلَيْسَ يَقَع فِي ذَلِكَ ظِهَار حَتَّى يَحْنَث , فَإِنْ حَنِثَ فَلَا يَقْرَبهَا حَتَّى يُكَفِّر , وَلَا يَقَع فِي الظِّهَار طَلَاق . 26126 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا اِبْن أَبِي عَدِيّ , قَالَ : ثَنَا أَشْعَث , عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَغْشَى الْمُظَاهِر دُون الْفَرْج . 26127 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثَنَا زَيْد , قَالَ : قَالَ سُفْيَان : إِنَّمَا الْمُظَاهَرَة عَنْ الْجِمَاع ; وَلَمْ يَرَ بَأْسًا أَنْ يَقْضِي حَاجَته دُون الْفَرْج أَوْ فَوْق الْفَرْج , أَوْ حَيْثُ يَشَاء , أَوْ يُبَاشِر . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِذَلِكَ كُلّ مَعَانِي الْمَسِيس , وَقَالُوا : الْآيَة عَلَى الْعُمُوم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 26128 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا وُهَيْب , عَنْ يُونُس , قَالَ : بَلَغَنِي عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ كَرِهَ لِلْمُظَاهِرِ الْمَسِيس .

وَقَوْله : { ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَوْجَبَ رَبّكُمْ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ عِظَة لَكُمْ تَتَّعِظُونَ بِهِ , فَتَنْتَهُونَ عَنْ الظِّهَار وَقَوْل الزُّور .

يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاَللَّه بِأَعْمَالِكُمْ الَّتِي تَعْمَلُونَهَا أَيّهَا النَّاس ذُو خِبْرَة لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْهَا , وَهُوَ مُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا , فَانْتَهُوا عَنْ قَوْل الْمُنْكَر وَالزُّور .

تاريخ الحفظ: 19/5/2026 11:34:56
المصدر: /t-58-3-3.html