هل احتاج الله -حشاه عز في علاه - أن يتجسد ويموت لكي يغفر؟
يقولون إن المسيح تجسّد لأن الإنسان أخطأ، وإن الخطيئة ضد الله غير المحدود تحتاج إلى كفارة غير محدودة، لذلك صار الله إنسانًا ومات على الصليب ليدفع ثمن خطايا البشر. هذا الكلام قد يبدو مؤثرًا من الناحية العاطفية، لكنه عند الفحص الهادئ يثير أسئلة خطيرة لا يمكن تجاوزها بالشعارات اللاهوتية.
السؤال الأول والبسيط: أين قال المسيح عليه السلام بلسانه: أنا الله تجسدت لأموت عن خطاياكم؟ أين قال: اعبدوني؟ أين قال: لا يستطيع الله أن يغفر لكم إلا إذا صُلبت وسُفك دمي؟ هذه العبارات ليست من كلام المسيح الصريح، وإنما هي تفسيرات لاهوتية جاءت بعده، ثم صارت تُقرأ في النصوص قراءةً مسبقة.
المسيح نفسه في إنجيل يوحنا 17: 3 يقول مخاطبًا الله: "وهذه هي الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته." النص واضح جدًا. الإله الحقيقي وحده هو الله، ويسوع هو المرسَل من الله. فهل المرسَل هو نفس المرسِل؟ وهل النبي الذي أرسله الله يكون هو الله نفسه؟ ولو كان المسيح هو الله، فلماذا يفرّق بين نفسه وبين الإله الحقيقي وحده؟
وفي مرقس 12: 29، حين سُئل المسيح عن أعظم الوصايا، لم يقل: آمنوا بالثالوث، ولا قال: آمنوا أنني الله المتجسد، بل قال: "اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد." هذه هي عقيدة الأنبياء: إله واحد، لا ثلاثة في واحد، ولا إله يموت، ولا رب يُصلب.
المشكلة الكبرى في عقيدة الفداء تظهر عندما نسأل: من الذي مات على الصليب؟ إن قالوا: مات الله، فهذا مستحيل؛ لأن الله لا يموت. وكتابهم نفسه يقول في تيموثاوس الأولى 6: 16 إن الله "وحده له عدم الموت"، ويقول في حبقوق 1: 12: "يا رب إلهي قدوسي، لا تموت." فكيف يكون الإله الذي لا يموت قد مات؟
وإن قالوا: الذي مات هو الناسوت، أما اللاهوت فلم يمت، فقد أسقطوا حجتهم بأيديهم؛ لأنهم يقولون إن الخطيئة غير محدودة وتحتاج إلى فدية غير محدودة، ثم يعترفون أن الذي مات هو الجسد الإنساني لا اللاهوت. فإذا كان اللاهوت لم يمت، فليس الذي مات إلهًا غير محدود. وإذا كان الذي مات هو الإنسان فقط، فقد رجعنا إلى فدية بشرية محدودة. وهنا لا تنفع الألفاظ المعقدة مثل "طبيعتين" و"أقنوم" و"اتحاد"، لأن السؤال باقٍ: هل مات الله أم لم يمت؟
ثم تأتي مشكلة العدل. يقولون إن الله عادل، ولذلك لا بد أن يعاقب الخطيئة، لكنه بدل أن يعاقب المذنبين عاقب المسيح البريء. لكن هل هذا عدل؟ لو أن قاضيًا جاءه قاتل، ثم وقف رجل بريء وقال: عاقبني بدل القاتل، فحكم القاضي على البريء وأطلق المجرم، هل نصف هذا القاضي بأنه عادل؟ لا، بل نصف حكمه بأنه ظلم. رضا البريء لا يحوّل الظلم إلى عدل، ولا يجعل معاقبة غير المذنب أمرًا مستقيمًا.
والعجيب أن الكتاب المقدس نفسه يقرر هذا الأصل بوضوح. في حزقيال 18: 20: "النفس التي تخطئ هي تموت. الابن لا يحمل من إثم الأب، والأب لا يحمل من إثم الابن." وفي التثنية 24: 16: "كل إنسان بخطيته يُقتل."
إذن القاعدة أن المذنب هو الذي يتحمل ذنبه، لا أن يُعاقَب بريء بدلًا منه. فكيف تتحول العقيدة المركزية في المسيحية إلى نقيض هذا المبدأ؟
أما القول إن الله لا يغفر إلا بسفك دم، فهو أيضًا لا يصمد أمام نصوص الكتاب المقدس نفسه. في حزقيال 18: 21-22 يقول النص إن الشرير إذا رجع عن خطاياه وحفظ الحق والعدل فإنه يحيا ولا يموت، وكل معاصيه لا تُذكر عليه. أين الدم هنا؟ لا يوجد دم. الموجود توبة ورجوع وإصلاح.
وفي إشعياء 55: 7: "ليترك الشرير طريقه، ورجل الإثم أفكاره، وليتب إلى الرب فيرحمه، وإلى إلهنا لأنه يكثر الغفران." النص لا يقول: ليؤمن بدم الإله المتجسد. بل يقول: يترك الشر، يرجع إلى الله، فيرحمه الله. هذه هي رسالة الأنبياء البسيطة: التوبة سبب المغفرة.
وفي مزمور 51: 16-17 يقول داود عليه السلام: "لأنك لا تُسر بذبيحة وإلا فكنت أقدمها. بمحرقة لا ترضى. ذبائح الله هي روح منكسرة. القلب المنكسر والمنسحق يا الله لا تحتقره." هذا نص صريح يهدم فكرة أن الله لا يرضى إلا بالدم. داود يتكلم عن القلب التائب المنكسر، لا عن إله يموت، ولا عن صليب، ولا عن كفارة دموية أزلية.
وقصة أهل نينوى ضربة قاضية لفكرة ضرورة الدم. كانوا خطاة، فأرسل الله إليهم يونان عليه السلام، فلما تابوا وتركوا طريقهم الرديئة قبل الله توبتهم. في يونان 3: 10: "فلما رأى الله أعمالهم أنهم رجعوا عن طريقهم الرديئة... فلم يصنعه." أين الذبيحة؟ أين الدم؟ أين الصليب؟ لا شيء من ذلك. تابوا، فغفر الله لهم. فكيف يقال بعد ذلك إن الغفران مستحيل بلا سفك دم؟
أما الاستدلال بقصة قايين وهابيل، وأن الله قبل ذبيحة هابيل لأنها دم ورفض تقدمة قايين لأنها ثمار، فهو تحميل للنص ما لا يقول. النص في تكوين 4 لا يقول إن المشكلة أن قربان قايين لم يكن دمًا، بل يقول الله لقايين: "إن أحسنت أفلا رفع؟ وإن لم تحسن فعند الباب خطية رابضة." المشكلة في قايين كانت في حاله وعمله وقلبه، لا في مجرد نوع القربان. الله قال له: إن أحسنت. فالقضية إحسان وتقوى وطاعة، لا فلسفة دم.
وكذلك الاستدلال بأقمصة الجلد التي ألبسها الله لآدم وحواء. النص يقول إن الله صنع لهما أقمصة من جلد، لكنه لا يقول إن هذه ذبيحة كفارية، ولا يقول إن دمًا سُفك ليغفر لهما، ولا يقول إن هذا رمز للمسيح. هذه قراءة أُدخلت على النص من الخارج. أما القرآن فيعرض الأمر بوضوح ونقاء: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ}. آدم أخطأ، ثم تاب، فتاب الله عليه. لا صلب، لا دم، لا إله يموت.
وقصة إبراهيم والذبيح ليست دليلًا على موت الإله ولا على الفداء المسيحي. القصة اختبار لطاعة إبراهيم عليه السلام وتسليمه لأمر الله. هل كان ابن إبراهيم مذنبًا حتى يموت عنه الكبش؟ لا. هل كان الكبش يحمل خطايا العالم؟ لا. هل قال النص إن دم الكبش يغفر ذنوب البشر؟ لا. إذن تحويل القصة إلى عقيدة صلب وفداء هو قفز بعيد عن معنى النص.
أما تشبيه ذبائح العهد القديم ببطاقة ائتمان لها رصيد مستقبلي في دم المسيح، فهو تشبيه خطابي جميل، لكنه ليس دليلًا. أين قال موسى عليه السلام هذا؟ أين قال إبراهيم عليه السلام هذا؟ أين قال داود عليه السلام هذا؟ أين قال المسيح عليه السلام نفسه إن كل الذبائح السابقة كانت بطاقة ائتمان على دمه؟ هذه فكرة لاهوتية لاحقة، وليست تصريحًا نبويًا واضحًا.
ثم إن سفر العبرانيين نفسه يقول: "لا يمكن أن دم ثيران وتيوس يرفع خطايا." فإذا كان دم الثيران والتيوس لا يرفع الخطايا، فكيف غفر الله لمن قبل المسيح؟ كيف غفر لداود؟ كيف قبل توبة أهل نينوى؟ كيف دعا الأنبياء الناس إلى التوبة إن كانت التوبة لا تكفي؟ الجواب واضح: الله يغفر بالتوبة والرحمة، لا لأنه عاجز حتى يُسفك دم.
ويستدلون بقول يوحنا المعمدان: "هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم." حتى لو قبلنا النص، فهو ليس قول المسيح: أنا الله. وليس قول المسيح: اعبدوني. وليس قول المسيح: تجسدت لأموت. ثم إن العبارة تفتح سؤالًا حرجًا: إذا كان المسيح رفع خطية العالم، فهل خَلُص العالم كله؟ إن قالوا نعم، سقطت عقيدة الدينونة والعقاب. وإن قالوا لا، بل لا بد من الإيمان، فمعنى ذلك أن خطية العالم لم تُرفع فعلًا، وإنما صار الأمر مشروطًا.
والأوضح من ذلك أن المسيح نفسه كان يعبد الله ويدعوه. في يوحنا 20: 17 قال: "إني أصعد إلى أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم." قال: إلهي. ومن كان له إله، فليس هو الإله الأعلى. وفي متى 26: 39 قال: "ولكن ليس كما أريد أنا، بل كما تريد أنت." هنا إرادة تخضع لإرادة، وداعٍ يناجي ربّه. فهل الله يقول لله: ليست إرادتي بل إرادتك؟ وهل الله يصلي لله؟ وهل الله له إله؟
الحقيقة أن عقيدة الفداء تجعل الله محتاجًا إلى ما لا يليق به. تجعله لا يغفر إلا إذا عاقب، ثم تجعله يعاقب بريئًا بدل المذنب. وتقول إن الله لا يموت، ثم تقول إن الله مات. وتقول إن المسيح إله، ثم نجد المسيح يصلي ويدعو ويقول: إلهي وإلهكم. وتقول إن لا مغفرة بلا دم، ثم نجد في نصوص الأنبياء مغفرة بالتوبة بلا دم.
أما الإسلام فيعيد الأمر إلى صفائه الأول: الله واحد لا يتجسد، حي لا يموت، عادل لا يعاقب بريئًا بذنب مذنب، رحيم يغفر لمن تاب، غني لا يحتاج إلى دم ولا صليب. قال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}.
هذه هي عقيدة الأنبياء: رب واحد، توبة صادقة، مغفرة واسعة، وعدل كامل. لا إله يموت، ولا ابن يُقتل ليرضى الأب، ولا خطيئة يرثها طفل لم يفعلها، ولا بريء يحمل ذنب مجرم. قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}.
الإله الحق لا يحتاج أن يموت ليغفر، ولا يحتاج إلى دم ليرحم، ولا يظلم بريئًا لينقذ مذنبًا. إنه يغفر لأنه الغفور، ويرحم لأنه الرحيم، ويحكم لأنه العدل.
English
Français
Deutsch
Español
Dutch
Türkçe
Русский
Italiano
עִברִי