رد شبهة: ماتت فإضطجع معها

 ردّ جامع على الشبهة

 

اتهام فاحش في حق النبي ﷺ، يلزم أولًا التعامل مع النص بمنهج علمي: تحقيقًا، ولغةً، وسياقًا، وتاريخًا؛ لا أن نقتطع كلمة من مشهد جنازة ثم نحمّلها معنى جنسيًا من الخيال.

 أولًا: العوار المنهجي في طرح الشبهة

هذه الشبهة مبنية على سلسلة من القفزات غير العلمية:

1. تسمية الحديث صحيحًا دون نقل حكم المحدّث كاملًا.

2. إسقاط معنى جنسي على لفظ عربي عامّ هو «اضطجع».

3. تجاهل السياق كله: موت، غسل، كفن، قبر، دفن، دعاء.

4. اختراع تفاصيل لا وجود لها في الرواية، مثل أنه ﷺ أصبح عا** لمجرد خلع القميص.

5. ثم بناء حكم أخلاقي شنيع على كل ذلك.

 

فبدل أن يكون السؤال: ما معنى اللفظ في لسان العرب وفي سياقه؟، صار المنهج: كيف يمكن أن أجعل هذا اللفظ جنسيًا؟ وهذه ليست قراءة نقدية، بل إسقاط مسبق.

 

 ثانيًا: هل الحديث «صحيح» كما زُعم؟

الجواب: لا يصح أن يقال عنه ببساطة: حديث صحيح.

 

الرواية التي نقلت عن ابن عباس رضي الله عنهما أخرجها الطبراني في المعجم الأوسط، ثم قال الهيثمي في مجمع الزوائد:

 «رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سعدان بن الوليد ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات».

فهذا ليس تصحيحًا من الهيثمي؛ بل فيه راوٍ مجهول الحال عنده. وهناك طريق آخر للقصة فيه روح بن صلاح، وقد قال الهيثمي فيه: «وفيه ضعف».

 

إذن المنهج العلمي يقول:

 

 القصة لها طرق، لكن تفاصيلها وألفاظها لا تُعامل كنص صحيح قطعي لا نزاع فيه، ولا يجوز أن يُبنى على خبر غير ثابت بهذا الإطلاق اتهامٌ جنسيّ فاحش.

 

لكن حتى لو تنزلنا جدلًا وقلنا بثبوت أصل الواقعة، فالشبهة ساقطة من جهة اللغة والسياق.

 

 ثالثًا: من هي فاطمة بنت أسد؟ وما علاقتها بالنبي ﷺ؟

 

فاطمة بنت أسد رضي الله عنها هي زوجة أبي طالب عمّ النبي ﷺ، وأمّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وكانت لها مكانة خاصة جدًا عند رسول الله ﷺ؛ فقد عاش في بيت أبي طالب بعد وفاة جدّه عبد المطلب، فنشأ في كنف أبي طالب وزوجته فاطمة بنت أسد. وهي التي قامت على رعايته وخدمته صغيرًا، فكانت عنده بمنزلة الأم من حيث الكفالة والرعاية والبر.

ولهذا جاء في الرواية نفسها أن النبي ﷺ قال عنها:

 «إنها كانت من أحسن خلق الله إليّ صنيعًا بعد أبي طالب».

فالمشهد ليس مشهد رجل مع «امرأة غريبة»، بل مشهد وفاء ورحمة تجاه امرأة أحسنت إليه وربّته في بيتها، وهي زوجة عمّه وأمّ ابن عمّه علي رضي الله عنه.

ومن يفهم هذا السياق الإنساني والتاريخي لا يستطيع أن يحوّل موقف البرّ والوفاء عند وفاة من كانت بمنزلة الأم إلى اتهام جنسي مقزز.

 

 رابعًا: معنى «اضطجع» في القاموس العربي

الاحتجاج بأن «اضطجعت معها» تعني تلقائيًا ممارسة الجنس، احتجاج باطل لغويًا.

جاء في لسان العرب:

 «واضطجع: نام، وقيل: استلقى ووضع جنبه بالأرض».

أي أن المعنى الأصلي للاضطجاع هو: الاستلقاء أو النوم أو وضع الجنب على الأرض. 

ولا يحمل الفعل في ذاته معنى الجماع.

والفعل من باب الافتعال: اضطجع، وأصله اللغوي من «ضجع». وحرف الجر «مع» يفيد المصاحبة في الفعل، ولا يجعل الفعل جنسيًا بذاته.

فنقول مثلًا:

 

- اضطجع الرجل في فراشه.

- اضطجع الطفل مع أبيه.

- اضطجع المريض مع أمه.

- اضطجع فلان بجانب فلان.

 

ولا يفهم عاقل من ذلك الجماع لمجرد وجود كلمة «مع».

فالمعنى الجنسي لا يُؤخذ من كلمة «اضطجع» وحدها، بل من القرائن المصاحبة لها.

وهنا، ما هي القرائن في الرواية؟

- قبر.

- دفن.

- كفن.

- دعاء.

- تخفيف ضغطة القبر بحسب نص الرواية.

- حضور الصحابة وتجهيز جنازة.

فهل هذه قرائن علاقة جنسية، أم قرائن جنازة ووفاء ودعاء؟

بل إن العبارة في بعض ألفاظ الرواية هي:

 «واضطجعتُ في قبرها».

 

وهذا أصرح في إسقاط الافتراء؛ لأن «في قبرها» متعلق بالفعل، أي دخل القبر واضطجع فيه، لا أنه فعل شيئًا جنسيًا معها.

 

[نص معنى «اضطجع» في لسان العرب](https://www.islamweb.net/ar/library/content/122/4805/%D8%B6%D8%AC%D8%B9)

 

 خامسًا: المقارنة الحاسمة مع لفظ «نضطجع معه» في سفر التكوين

وهنا تظهر المغالطة بوضوح شديد.

في سفر التكوين 19: 31–36، في قصة ابنتي لوط، ورد:

 «هلم نسق أبانا خمرًا ونضطجع معه، فنحيي من أبينا نسلًا…» 

 ثم يقول النص: 

 «فحبلت ابنتا لوط من أبيهما».

هنا نعم، يدل «نضطجع معه» على علاقة جنسية؛ لكن لماذا؟

ليس لأن كلمة «اضطجع مع» تعني الجماع بذاتها، بل لأن النص وضع قرائن حاسمة:

- سُقي الأب خمرًا.

- دخلت عليه ابنته.

- وقع الاضطجاع معه.

- ثم حملت الابنتان منه.

 

فالحمل والسياق هما اللذان حددا المعنى الجنسي.

 

أما في خبر فاطمة بنت أسد، فلا حمل، ولا فراش، ولا خلوة، ولا نكاح، ولا وصف جسدي، ولا قرينة واحدة على الجنس؛ بل قبر ودفن ودعاء.

 

إذن من العجيب أن تقبل صاحبة الشبهة أن «الاضطجاع» في نصها لا يكون جنسيًا إلا مع قرائن، ثم تزعم أن «اضطجعت معها في قبرها» في سياق جنازة يعني الجماع تلقائيًا!

 

هذا كيل بمكيالين، بل تحريف لمعنى اللغة.

 

 سادسًا: زعم أن النبي ﷺ صار عا** عند خلع القميص

قولها إن القميص هو «الجلباب»، وإنه لم تكن توجد ملابس داخلية حديثة، ثم النتيجة أن النبي ﷺ صار عا** بالكامل: هذا خيال تاريخي لا أثر له في النص.

الرواية قالت:

 «خلع قميصه فألبسها إياه». ولم تقل: «خلع جميع ثيابه».

والقميص في لباس العرب ليس بالضرورة الثوب الوحيد الذي يلبسه الرجل؛ فقد عرفوا الإزار والرداء والكساء والبُرد ونحوها. وعدم وجود «تي شيرت» أو «كلسون» بمسميات العصر الحديث لا يعني أن من خلع قميصه صار عا**.

 

فدعوى العري الكامل ليست استدلالًا، بل تفصيل مختلق أُضيف إلى الرواية حتى يمكن صناعة تهمة جنسية منها.

 

ثم إن الروايات الأخرى في القصة تذكر أنه ﷺ ألبسها قميصه تكريمًا وتفاؤلًا بأن تلبس من ثياب الجنة، لا لأي غرض آخر.

 سابعًا: من كتابك أدينك أيها العبد الشرير

فإذا كانت صاحبة المنشور تزعم أن ورود كلمة «اضطجع معها» في سياق قبر يكفي لصناعة تهمة جنسية في حق النبي ﷺ حشاه ، فلتطبّق منهجها نفسه على النصوص التي تحتوي فعلًا على أوصاف وقصص جنسية صريحة في الكتاب المقدس.

 فضلا على قصة لوط وابنتيه: زنا المحارم في النص

الألفاظ الجسدية الصريحة في حزقيال

وفي حزقيال 23: 19–20 وردت استعارة ذات ألفاظ جنسية بالغة الصراحة:

 «وأكثرت زناها بذكرها أيام صباها التي زنت فيها بأرض مصر. وعشقت معشوقيهم الذين لحمهم كلحم الحمير ومنيهم كمني الخيل».

 

هذه نصوص يفسرها المسيحي عادة في إطار الرمز النبوي والتنديد بالخيانة والوثنية. ومن الإنصاف أن يُفهم النص في سياقه البلاغي والديني.

 

لكن السؤال هو: لماذا يُمنح هذا النص حق السياق والمجاز، بينما يُنتزع خبر جنائزي إسلامي من سياقه ليُحوّل إلى اتهام جنسي شنيع؟

 

 3) الوصف الغزلي الحسي في نشيد الأنشاد

وفي نشيد الأنشاد 7: 1–3:

 «ما أجمل رجليك بالنعلين يا بنت الكريم! دوائر فخذيك مثل الحلي… بطنك صبرة حنطة مسيجة بالسوسن. ثدياك كخشفتين توأمي ظبية».

 

وهذا نص شعري غزلي حسي واضح. فمجرد وجود أوصاف جسدية أو ألفاظ حساسة في كتاب ديني لا يبيح للخصم أن يقتطعها، ويتهم أتباع الدين بالفاحشة أو «القذارة».

 

 

 

 

أخيرا:

الشبهة قائمة على أربع دعاوى كلها باطلة:

1. الحديث ليس صحيحًا على الإطلاق كما ادُّعي؛ ففي سنده كلام وجهالة وضعف في بعض الطرق.

2. «اضطجع» في اللغة لا تعني الجماع بذاتها، وإنما تعني الاستلقاء ووضع الجنب.

3. «مع» لا تحوّل اللفظ تلقائيًا إلى علاقة جنسية؛ والسياق هو الفيصل.

4. دعوى أن النبي ﷺ صار عا** لا وجود لها في النص، وهي اختراع مبني على إسقاط لباس العصر الحديث على مجتمع عربي قديم.

 

أما فاطمة بنت أسد رضي الله عنها، فكانت زوجة عم النبي ﷺ، وأم علي رضي الله عنه، ومن النساء اللاتي أحسنّ إليه وربّينه في بيتهن، ولذلك كان موقفه منها موقف وفاء وبر ورحمة.

 

فالقراءة السليمة تقول: خبر مختلف في ثبوته، يتحدث—إن ثبت—عن تكريم امرأة بمنزلة الأم والدعاء لها في قبرها. 

أما القراءة التي تتخيل علاقة جنسية في قبر امرأة ميتة في مشهد دفن علني، فليست نقدًا علميًا ولا بحثًا لغويًا، بل إسقاطٌ قبيح لا يدل على النص، وإنما يدل على الطريقة التي اختار صاحب الشبهة أن يقرأ بها النصوص.

الموجودون بالموقع

506 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

الإحصائيات

  • عدد الزيارات 6059717