الرد على شبهة: "هل كان النبي ﷺ سبّاباً ولعّاناً؟"

الرد على شبهة: "هل كان النبي ﷺ سبّاباً ولعّاناً؟"

 

قاعدة ذهبية قبل البدء

كل شبهة مبنية على اقتطاع نصّ من سياقه هي تدليس، لا نقد علمي. والردّ العلمي الصحيح يسير على ثلاثة مستويات متتالية:

1.     ردّ النصّ بالنصّ الكامل — ماذا قال الحديث فعلاً؟

2.     ردّ التأويل بالتأويل العلمي — ماذا قال العلماء؟

3.     ردّ المنهج بتطبيقه على مصادر المُشَكِّك ذاته — وهو الأقوى.

وسنسير على هذه المستويات الثلاثة بالتفصيل.

 

أولاً: النصّ الكامل الذي اقتطعه المُشَكِّك

الحديث كاملاً كما رواه الإمام مسلم:

"دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلَانِ فَكَلَّمَاهُ بِشَيْءٍ لَا أَدْرِي مَا هُوَ، فَأَغْضَبَاهُ، فَلَعَنَهُمَا وَسَبَّهُمَا، فَلَمَّا خَرَجَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَصَابَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا مَا أَصَابَهُ هَذَانِ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكِ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: لَعَنْتَهُمَا وَسَبَبْتَهُمَا. قَالَ: أَوَمَا عَلِمْتِ مَا شَارَطْتُ عَلَيْهِ رَبِّي؟ قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّ الْمُسْلِمِينَ لَعَنْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ، فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا."

📚 المصدر: صحيح مسلم، كتاب البرّ والصلة، باب من لعنه النبيُّ ﷺ أو سبّه أو دعا عليه وليس هو أهلاً لذلك، حديث رقم 2600

لاحظ ثلاثة أشياء في النصّ الكامل أغفلها المُشَكِّك عمداً أو جهلاً:

  • فأغضباه → هناك سبب محدّد لما فعله.
  • لا أدري ما هو → عائشة رضي الله عنها لم تعلم السبب، فلم تحكم عليهما بالخير!
  • اللهم إنما أنا بشر → النبي يُعلن بشريّته في نفس الحديث.

 

ثانياً: المستوى الأول من الردّ — ماذا كان سبب الغضب؟

الدليل الفيصل: "لا ينتقم لنفسه"

روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رضي الله عنها:

"مَا خُيِّرَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَأْثَمْ، فَإِذَا كَانَ الْإِثْمُ كَانَ أَبْعَدَهُمَا مِنْهُ، وَاللَّهِ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ، حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ."

📚 المصدر: صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب إقامة الحدود والانتقام لحرمات الله، حديث رقم 6786 | وأخرجه مسلم حديث رقم 2327.

وفي رواية أخرى عن عائشة رضي الله عنها:

"مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُنْتَصِرًا مِنْ مَظْلِمَةٍ ظُلِمَهَا قَطُّ، مَا لَمْ تُنْتَهَكْ مَحَارِمُ اللَّهِ، فَإِذَا انْتُهِكَ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ شَيْءٌ كَانَ أَشَدَّهُمْ فِي ذَلِكَ غَضَبًا."

📚 المصدر: أبو نعيم في حلية الأولياء 8/132، وقال: ثابت صحيح من حديث الزهري. وأخرجه الترمذي في الشمائل المحمدية 332، والبخاري بمعناه 6853

✅ الاستنتاج:

هذان الحديثان من رواية عائشة رضي الله عنها نفسها يثبتان أن النبي ﷺ لم يكن يغضب لنفسه أبداً، فغضبه لا يكون إلا لانتهاك حرمة من حرمات الله. فما حدث مع الرجلين لم يكن إطلاقاً بسبب شخصي، بل لأنهما ارتكبا أمراً يمسّ حرمة دينية — وعائشة رضي الله عنها نفسها لم تعلم ما قالاه.

 

ثالثاً: المستوى الثاني — ما معنى "السبّ" الذي وصفته عائشة رضي الله عنها؟

الفارق الجوهري الذي أسقطه المُشَكِّك:

السبّ في اللغة العربية نوعان:

  • سبّ فاحش بذيء: كلام قبيح خارج عن الحدّ.
  • زجر مهذّب بأوصاف حقيقية: كالقول "تعست، بئس ما فعلت، فسقت."

والنبي ﷺ لم يكن سبّاباً بالمعنى الأول بدليل صريح:

"لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاحِشًا، وَلَا لَعَّانًا، وَلَا سَبَّابًا، كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْمَعْتَبَةِ: مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ."

📚 المصدر: صحيح البخاري، كتاب الأدب، حديث رقم 6046

"لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا."

📚 المصدر: صحيح البخاري، حديث رقم 3559 — وأخرجه مسلم 2321، والترمذي 1975.

البرهان الأذكى: ما الذي تعتبره عائشة رضي الله عنها "سبّاً"؟

روى البخاري ومسلم حادثة الإفك، وفيها:

"خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي وَمَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ، فَعَثَرَتْ فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ. فَقُلْتُ لَهَا: أَيْ أُمِّ، تَسُبِّينَ ابْنَكِ؟"

📚 المصدر: صحيح مسلم 2770، وسنن الترمذي 3180 — وأخرجه البخاري 2661.

"فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ. فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ! أَتَسُبِّينَ رَجُلاً شَهِدَ بَدْرًا؟!"

📚 المصدر: صحيح البخاري 2661

✅ الاستنتاج:

عائشة رضي الله عنها رضي الله عنها تُسمّي قول "تعس فلان" سبّاً! إذن حين قالت إن النبي سبّ الرجلين، فمعنى ذلك أنه قال لهما كلمات من قبيل: "تعستُما، بئس ما فعلتما، أسأتُما" — وهذا زجر مشروع ليس فيه فحش.

ويؤكّد ذلك ما رواه البخاري في نفس الباب عن عائشة رضي الله عنها:

"إنَّ رَجُلاً اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ، وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ. فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ."

📚 المصدر: صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب لم يكن النبي فاحشاً ولا متفحشاً، حديث رقم 5685

→ أي أن النبي قال وصفاً حقيقياً في غيابه، ثم عامله باللطف في حضوره. فهذا هو "السبّ" الذي يرد في الأحاديث: وصف الحال، لا إطلاق الألفاظ القبيحة.

 

رابعاً: المستوى الثالث — ماذا يعني أن يُسمّى اللعن "سبّاً"؟

حديث "سبّ الواصلة" شاهد آخر:

"فَسَبَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ: الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ."

📚 المصدر: صحيح البخاري، كتاب اللباس، حديث رقم 5935 — رواية أسماء بنت أبي بكر

وفي رواية أخرى لنفس الحادثة بلفظ:

"لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ."

📚 المصدر: صحيح البخاري 5947، وصحيح مسلم 2124

هذا يثبت بجلاء أن الصحابة كانوا يُسمّون اللعن الموجَّه لفعل مذموم "سبّاً" — وهو ليس سبّاً شخصياً بذيئاً، بل هو إخبار بالحكم الشرعي على الفعل.

 

خامساً: ردّ شبهة "الاشتراط على الله = ألوهية النبي"

هذه أخطر نقطة وأكثرها إضلالاً:

أولاً — اللغة تردّ هذا الادعاء:

كلمة "اشترطت" في العربية لا تعني التحكّم والسيادة. الصحابة أنفسهم كانوا يقولون "أشترط على الله" بمعنى أدعوه وأتوجّه إليه. قال النبي ﷺ عن من يشترط في العبادة شروطاً:

"مَن اشْتَرَطَ شَرْطاً لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ."
📚 صحيح البخاري، حديث قصة بريرة

بل "الاشتراط على الله" هو صيغة دعاء وتضرّع مألوفة، كما في حديث صلاة الضحى: "اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله..."

ثانياً — النصّ ذاته يهدم الشبهة:

في الحديث نفسه الذي يستشهد به المُشَكِّك قال النبي ﷺ:

"اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ"

هل يقول إله: "إنما أنا بشر"؟! الإله لا يُقرّ ببشريّته. هذه الكلمة وحدها تنسف الشبهة من أساسها.

وأمره الله تعالى بهذا الإقرار صراحةً في القرآن:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾   الكهف: 110

ثالثاً — المعنى الصحيح:

قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم (2/325):

"هذه الأحاديث مُبيِّنةٌ ما كان عليه النبيُّ ﷺ من الشفقة على أمّته والاعتناء بمصالحهم والاحتياط لهم. وأنه إنما يكون دعاؤه عليه رحمةً وكفارةً إذا لم يكن أهلاً للدعاء عليه."

📚 المصدر: شرح النووي على صحيح مسلم، كتاب البرّ والصلة — إسلام ويب

أي المعنى الحقيقي: "ربّي، أنا بشر وقد تبدر منّي كلمة في غير محلّها، فلا تجعلها عقوبةً على مسلم لا يستحقّها، بل اجعلها له رحمةً" — وهذا قمّة الشفقة والتواضع، لا ادّعاء الألوهية!

 

سادساً: ردّ الإسلام العام على السبّ واللعن

قبل أن ننتقل إلى المرآة المعكوسة، نؤكّد أن الإسلام حرّم السبّ واللعن كقاعدة عامة:

"لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ."
📚 صحيح مسلم 2598

"سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ."
📚 صحيح البخاري 48، وصحيح مسلم 64

"إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ."
📚 صحيح البخاري 5706

وحين طُلب من النبي ﷺ الدعاء على المشركين قال:

"إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً."
📚 صحيح مسلم 2599

 

سابعاً: المرآة المعكوسة — يسوع في الإنجيل

الضربة القاضية: نطبّق منهج المُشَكِّك على كتابه

إذا كان منهجه: "كل كلمة صدرت من نبيٍّ تجاه أحد فهي دليل على أنه سبّاب" — فليطبّق هذا المنهج على يسوع في كتابه المقدس!

📌 يسوع يصف الأمم بالكلاب — بلا ذنب من المرأة:

"فأجاب وقال: لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلَابِ."

📚 المصدر: إنجيل متى 15: 26

⚠️ الفارق الجوهري مع حديث النبي: النبي ﷺ زجر رجلين انتهكا حرمة شرعية. أما يسوع فوصف المرأة الكنعانية بالكلب وهي لم ترتكب ذنباً — بل جاءت تستغيث على ابنتها المريضة! هذا بالضبط ما يذمّه المُشَكِّك في النبي.

📌 يسوع يصف الفريسيين بأبشع الأوصاف:

"يَا أَيُّهَا الْحَيَّاتُ أَوْلَادَ الْأَفَاعِي، كَيْفَ تَهْرُبُونَ مِنْ دَيْنُونَةِ جَهَنَّمَ؟"

📚 المصدر: إنجيل متى 23: 33

📌 يسوع يُكفّر تلاميذه الذين اختارهم بنفسه:

"فأجاب يسوع: أَيُّهَا الْجِيلُ الْكَافِرُ الْفَاسِدُ، حَتَّامَ أَبْقَى مَعَكُمْ؟ وَإِلَامَ أَحْتَمِلُكُمْ؟"

📚 المصدر: إنجيل متى 17: 17

📌 يسوع يصف الأمم بالكلاب والخنازير:

"لَا تُعْطُوا الْقُدُسَ لِلْكِلَابِ، وَلَا تَطْرَحُوا دُرَرَكُمْ قُدَّامَ الْخَنَازِيرِ."

📚 المصدر: إنجيل متى 7: 6

 

📌 يسوع يُسمّي تلميذه بطرس "شيطاناً":

"فَالْتَفَتَ وَقَالَ لِبُطْرُسَ: اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ."

📚 المصدر: إنجيل متى 16: 23

📌 يسوع يشتم تلاميذه بـ"غبيّان":

"فَقَالَ لَهُمَا: أَيُّهَا الْغَبِيَّانِ وَالْبَطِيئَا الْقُلُوبِ فِي الْإِيمَانِ."

📚 المصدر: إنجيل لوقا 24: 25

📌 يسوع يلعن شجرة تين بريئة خارج موسم الإثمار:

"فَقَالَ لَهَا: لَا يَكُنْ مِنْكِ ثَمَرٌ بَعْدُ إِلَى الْأَبَدِ. فَيَبِسَتِ التِّينَةُ فِي الْحَالِ."

📚 المصدر: إنجيل متى 21: 19 — وتقول رواية مرقس 11: 13 صراحةً: "لأنه لم يكن وقت التين!" — أي عاقبها على أمر ليس في موسمها.

 

ختاما:

الحقيقة الأولى: البنية الداخلية للحديث تردّ الشبهة

الحديث نفسه يقول: "فأغضباه" — أي كان لما حدث سبب محدّد. والنبي ﷺ لا يغضب إلا لله. أما عائشة رضي الله عنها فلم تعلم ما قالاه، فكيف حكمت عليهما بالخير؟

الحقيقة الثانية: معنى "السبّ" في لغة عائشة رضي الله عنها

عائشة رضي الله عنها تُسمّي "تعسَ فلان" سبّاً، فـ"سبّ" النبي للرجلين لم يكن إلا زجراً مشروعاً بكلمات كـ"تعستُما، بئس ما صنعتُما" — لا فحشاً ولا بذاءً.

الحقيقة الثالثة: النبي ﷺ تضرّع لله لحماية أمّته

الاشتراط الذي ادّعى المُشَكِّك أنه تحكّم في الله هو في حقيقته دعاء وتضرّع — والنبي قال فيه: "اللهم إنما أنا بشر." هذا تواضع وشفقة، لا ادّعاء ألوهية.

الحقيقة الرابعة: المنهج يهدم المُشَكِّك ذاته

إذا كان كل زجر = سبّ مذموم، فيسوع الذي وصف المرأة الكنعانية بالكلب وهي بريئة، ووصف تلاميذه بالغبيّان والكفّار والشيطان، ولعن شجرة بريئة — أحقّ بهذا الوصف.

وعليه : الشبهة بُنيت على اقتطاع نصف جملة وبناء برج من التأويلات الباطلة. والعلم يقتضي قراءة النصّ كاملاً، وفهمه في سياقه، والرجوع إلى العلماء — وقد فعلنا ذلك كلّه. والنتيجة: النبي ﷺ كان رحمةً للعالمين، وشفقته على أمّته ظهرت حتى في لحظاته البشرية.

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ 

التوبة: 128

 

الكلمات المفتاحية
النبي ﷺ سباب لعان شبهة

الموجودون بالموقع

505 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

الإحصائيات

  • عدد الزيارات 6190897