رد شبهة: مَجِّ النبيِّ للماءِ والتبركِ به

رد شبهة: مَجِّ النبيِّ للماءِ والتبركِ به

رد شبهة: مَجِّ النبيِّ للماءِ والتبركِ به

يعتمد المنتقد في هذه الشبهة إلى التقاط واقعة تاريخية بعينها، ثم يجردها من سياقها اللغوي والتشريعي، ويُلبسها ألفاظاً سوقية من قاموسه الخاص، ليدفع القارئ نحو الاستقذار النفسي قبل أن يمنحه فرصة التفكير العاقل.

فقتطع  حديث البخاري  دعا النبيُّ ﷺ بقدحٍ فيه ماءٌ، فغسل يديه ووجهه فيه، ومَجَّ فيه، ثم قال لهما: اشربا منه.. ، حيث يخرج علينا صاحب الشبهة متسائلاً: "أين النظافة في شرب ماء غسل فيه قدميه وتضمض به؟ وهل صارت فضلاته مقدسة؟".

وللرد سنضع هذه الشبهة على طاولة التشريح العلمي، ونمررها عبر ثلاث محطات حاسمةالضبط الإسلامي للنص، ثم المنظار البيولوجي الحديث، وصولاً إلى مرآة الكتاب المقدس، لنرى في النهاية مَن الذي يقف حقاً في قفص الاتهام.

الحقيقة الإسلامية للأحاديث التي استقى منها الشبهة

قبل أن نناقش "أخلاقية النص"، يجب أولاً أن نتحقق من "أمانة النقل".
لو عدنا للحديث الأصلي في صحيح البخاري (رقم 188)، سنجد النص يقرأ هكذا فغَسَلَ يَدَيه ووجهَه فيه، ومَجَّ فيه.

هنا نضع المنتقد أمام أول كذبة بيضاء (بل سوداء) ارتكبها في منشوره؛ فأين كلمة "قدميه" في الحديث؟
لماذا يضطر كاتب الشبهة إلى تزوير النص النبوي، وإقحام غسل "القدمين" من بنات أفكاره؟ الإجابة واضحة؛ لأن غسل (الوجه واليدين) في قدح ماء هو فعل طاهر يمارسه الناس يومياً، ولا يثير العاصفة النفسية التي يرجوها، فاضطر لتفخيم المشهد بـ "القدمين" ليستدرّ تقزز القارئ! عندما يبدأ الناقد حوارَه بالتزوير، فاعلم أن حجته العلمية قد ولدت ميتة.

ثانياً: يصور المعترض المشهد وكأن النبي ﷺ يطوف في الأسواق بقدح ماء ويقول للناس: (اشربوا من ماء المج!). والحقيقة التاريخية في الحديث أن الصحابيين الجليلين (أبا موسى الأشعري وبلالاً) هما من طلبا البركة النبوية، فاستجاب لهما النبي ﷺ في جلسة خاصة، ومَجّ في الماء، وقال اشربا منه وأفرغا على وجوهكما

 فهو تلبية لطلبِ محبّين، وليس "قانوناً تشريعياً عاماً ألزم به البشرية".

أما لغوياً، فكلمة مَجَّ  في لغة العرب لا تعني "بصق النخامة" كما يروّج العقل المتخيل للخصوم، بل تعني (أخذ الماء في الفم وإدارته ثم إخراجه)، وهو ما نسميه بلغة اليوم: المضمضة.

الطب الحديث يفضح "الجهل البيولوجي"

يقع المنتقد في سقطة علمية مضحكة عندما يصنّف "الريق البشري" ضمن (الفضلات)، ويضعه في سلة واحدة مع البول والغائط!

في علم الفيزيولوجيا الطبية (Physiology)، الفضلات هي نواتج هدم وسموم يطردها الجسم للخارج لأن بقاءها يقتله، أما اللعاب فهو علمياً إفراز غدّي حيوي - Secretory Fluid، يتكون بنسبة 99.5% من الماء الفائق النقاء، وتضم النصف بالمائة المتبقية صيدلية حيوية مدهشة:

التوثيق العلمي للتركيب الكيميائي للعاب من الدورية المحكّم

Critical Reviews in Oral Biology:
"Saliva is composed of 99.5% water and 0.5% electrolytes, mucus, glycoproteins, enzymes, and antibacterial compounds"

الترجمة: اللعاب يتكون من 99.5% ماء، و0.5% إلكتروليتات، ومخاط، وبروتينات سكرية، وإنزيمات، ومركبات مضادة للبكتيريا.

 رابط المرجع المباشر

 https://doi.org/10.1177/10454411010120020301

 

·      أبرز عناصرها:

1.     إنزيم اللِيسُوزِيم (Lysozyme): وهو مضاد حيوّي طبيعي يفرزه الإنسان، وظيفته البيولوجية تدمير جدران الخلايا البكتيرية في التجويف الفمي. (أي أن الريق مادة معقمة ذاتياً وليست مستنقعاً للجراثيم).

النص العلمي من المرجع الطبي:

Journal of Oral Pathology & Medicine:
"Lysozyme hydrolyzes the peptidoglycan layer of bacterial cell walls... leading to bacterial cell lysis and death.

"
الترجمة: يقوم إنزيم الليسوزيم بتحليل طبقة الببتيدوغليكان في جدران الخلايا البكتيرية... مما يؤدي إلى تحلل الخلية البكتيرية وموتها.


رابط المرجع المباشر

 https://doi.org/10.1111/j.1600-0714.1998.tb01931.x

2.     بروتينات الهيستاتين (Histatins): أثبتت الأبحاث الطبية الحديثة أنها المسؤول الأول عن تسريع التئام الجروح؛ وهو التفسير العلمي لكون جروح الفم تلتئم أسرع بخمس مرات من جروح الجلد خارجي، ولذلك تلعق الثدييات جروحها بالفطرة.

 

النص العلمي من الدورية الأمريكية المحكمة The FASEB Journal - جامعة أمستردام:


"Histatins are the major wound-closure stimulating factors in human saliva... explaining why oral wounds heal significantly faster than cutaneous wounds."

الترجمة: الهيستاتينات هي العوامل الرئيسية المحفزة لإغلاق الجروح في اللعاب البشري... وهو ما يفسر سبب التئام جروح الفم أسرع بكثير من جروح الجلد الخارجي.

رابط المرجع المباشر

 https://doi.org/10.1096/fj.08-112003

 

3.     مادة الأوبْيُورْفِين (Opiorphin): اكتشفها معهد "باستير" الفرنسي عام 2006 داخل اللعاب البشري، وثبت أنها مادة مُسكّنة للألم تتفوق على مخدّر "المورفين" بست مرات!

وثيقة الاكتشاف الرسمية من دورية الأكاديمية الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة PNAS - معهد باستير:


"Human Opiorphin exhibits potent analgesic effect in behavioral models of pain... being as effective as morphine at a dose six times lower"
.

الترجمة: يُظهر الأوبيورفين البشري تأثيراً مسكناً قوياً للألم... حيث يكون فعّالاً بنفس قدر المورفين ولكن بجرعة أقل بست مرات أي أقوى بست مرات.

رابط المرجع المباشر:

 https://doi.org/10.1073/pnas.0605865103

 

إن العلم في القرن الواحد والعشرين يقول لك إن (الريق مادة حيوية شافية والمعقّمة)، والمُعترض بعقلية القرون الوسطى يسميه "قاذورات"!

من كِتَابِكَ أُدِينُكَ أَيُّهَا الْعَبْدُ

إن المعيار الحقيقي لصدق المُنتقد ليس في الهجوم على الآخرين، بل في الصمود أمام نفس الميزان إذا وُضع كتابُه المقدس عليه. وبما أن خصومنا قد ارتضوا "الاشمئزاز النفسي" حكماً ومعياراً للأديان، فدعنا نفتح كتابهم المقدس، ونطالع الصفحات:

أولاً: هل الريق مادة مقززة؟ انظر ماذا فعل يسوع في العهد الجديد:

  • إنجيل يوحنا  9 : 6 : "تَفِلَ عَلَى الأَرْضِ، وَصَنَعَ مِنَ التُّفْلِ طِينًا، وَطَلَى بِالطِّينِ عَيْنَيِ الأَعْمَى". بصق على التراب، وعجن الطين ببريقه، ووضعه داخل عين رجل!.
  • إنجيل مرقس  7 : 33 : "وَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِي أُذْنَيْهِ، وَتَفِلَ وَلَمَسَ لِسَانَهُ". يبصق على إصبعه، ويضعه مباشرة على لسان المريض.
  • إنجيل مرقس  8 : 23 : "فَأَخَذَ بِيَدِ الأَعْمَى... وَتَفِلَ فِي عَيْنَيْهِ".

هنا نضع صاحب الشبهة في زاوية منطقية حادة لا مخرج منها:
إذا كان نبي الإسلام قد تمضمض في قدح ماء فاعتبرتَ ذلك "قرفاً وقلة نظافة"، فماذا تسمى وضع البصاق مباشرة على عدسة العين وعلى اللسان؟!
أمامك خياران لا ثالث لهما: إما أن تعترف بأن (الريق طاهر وفيه بركة شفائية)، وبذلك تسقط شبهتك ضد الإسلام وتتحول إلى هباء.. وإما أن تصرّ على أنه مادة مقززة ونجسَة، وبذلك تكون قد اتهمت يسوع بممارسة دجل طبي مقزز ينقل التلوث للمرضى!

الطامة التشريعية الكبرى في العهد القديم:

لو ذهبنا إلى شريعة الناموس في سفر اللاويين  الإصحاح 15 : العدد 8 ، سنجد الرب يشرّع لليهود الآتي:

"وَإِذَا بَصَقَ ذُو السَّيْلِ عَلَى طَاهِرٍ، يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ".

الكتاب المقدس يقرر رسمياً: الريق مادة نجسَة تُنجس البشر وتستوجب غسل الملابس والاستحمام!
الآن اسأل قسيسك: عندما تفل يسوع في عين الأعمى وعلى لسان الأبكم، هل خالف شريعة اللاويين التي جاء ليتممها ونقل الدنس التعبّدي للمرضى؟ أم أن الريق طاهر فتكون شريعة اللاويين باطلة؟

أما عن "الفضلات الحقيقية"، فإليك الوصفة الإلهية في كتابك:

افتح معي سفر حزقيال (الإصحاح 4، الأعداد 12-15)، واقرأ ماذا يأمر الرب نبيه حزقيال:

وتأكل كعكاً من الشعير، على الخُرْءِ الذي يخرج من الإنسان تخبزه أمام عيونهم.. وقال الرب: هكذا يأكل بنو إسرائيل خبزهم النجس.

فلما صرخ النبي باكياً ومستنجداً آهِ يا سيد الرب، ها نفسي لم تتنجس؟

 هل تتخيل كيف خفف الرب عنه الدنس في العدد 15؟ قال له:

"انظر.. قد جعلت لك خِثْيَ البقر بدل خُرْءِ الإنسان، فتصنع خبزك عليه"!

الرب في الكتاب المقدس يأمر النبي بطهي طعامه على فضلات الإنسان، ولما استعطفه استبدلها له بـ (روث البقر)! ثم يخرج علينا تلامذة هذا الكتاب ليحدثونا عن النظافة ومكارم الأخلاق في الإسلام!

أخيرا:

المسلمون حين شربوا فضل وضوء النبي ﷺ، وحين تبركوا بريقه، لم يفعلوا ذلك "عبادةً للمادة"، ولا عشقاً للقاذورات كما يُهيّئ للنفوس المريضة، بل فعلوه توقيراً لجسدٍ اصطفاه الخالق ليكون مهبطاً لكلامه، وإيماناً بأن الله الذي جعل في الصبار المُرّ شفاءً، قادرٌ أن يجعل في ريق نبيه دواءً وبركة.

لقد أراد المنتقد أن يرمي شجرة الإسلام بحجر، فارتد الحجرُ ليهشّم زجاج بيته المقدس.

نسأل الله تعالى، أن يزيل الغشاوة عن عيونكم.

 

الموجودون بالموقع

1933 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

الإحصائيات

  • عدد الزيارات 6012340