الحمد الله رب العالمين وبعد ..
عندما وصل النص القرآني إلى الغرب اشتغلوا بدراسته والقوا شبههم حول أسلوب القرآن الكريم منتصرين لعقائدهم ومذاهبهم، وقصدت إن اذكر في بحثي شبهتان من شبه المستشرقين حول أسلوب القرآن ( المكي والمدني ) .
إن الغاية من تقسيم القرآن إلى أسلوبين عند المستشرقين والمبشرين إثبات أن هذا القرآن كان خاضعا للبيئات المختلفة فهو في مكة كان ذا أسلوب شعري يتفق مع لغة القوم وثقافتهم العربية المحدودة ، ولكنه في البيئة المدنية كان متأثرا بأهل الكتاب الذين كانوا هناك من اليهود والذين كان لهم من الثقافة ما لم يكن لهؤلاء ، وعلى هذا فالقرآن كان يخضع لأمزجة مختلفة ، وثقافات متغايرة ، فليس نسقا واحدا ، فآياته في مكة قصيرة ذات أسلوب وإيحاء قوي ، ولكنها في المدينة كانت طويلة ذات أسلوب معقد وهذه من جمل أكاذيبهم التي لا تقوم على دليل.

(الشبه الاولى ) فالسور الأولى تتصف آياتها بالقصر وبقوتها الشعرية وبتعبيرها الحيوي ، بختلاف السور الأخيرة فجاءت آياتها طويلة ،مفصلة ومعقدة نثرية في مظهرها ولغتها[1].
وأن أسلوب السور المكية يؤدي إلى تقطيع الفكرة ، و السور المدنية بأنها تتناول مواضيع مختلفة عن باقي السور ، وكان القرآن يعطي للقارىء انطباعا بأنه مجرد إنشاء بطريقة عشوائية ، ويستدلون بختم الآيات بآيات مثل و( إن الله عليم )و( وإن الله خبير) و (إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ) إنه تاتي لا علاقة لها مع ما قبلها وإنها وضعت فقط لتتميم السجع والقافية[2] .

(الرد عليها )
التفرقة بين الأسلوب المكي والمدني أمر كانت له أبعاده ومقدماته ونتائجه ، وهي قضية طالما تعرض لها رجال التبشيروالاستشراق على السواء ورددها تلامذتهم كثيرا .
إن القرآن المكي جاء ليعالج موضوع العقيدة بشكل رئيسي ، وما يتصل بها من أخلاق فاضلة لذا سخر لذلك كل شيء حتى القصص القرآني ،أما القرآن المدني فكان تركيزه على إيجاد نظام شامل لكل متطلبات الحياة ،واختلاف الموضوع قد ينتج عنه تنوع في الأسلوب من حيثية معينة ولكنه يحافظ على الجودة وحسن الصياغة فطبيعة الموضوع نفسه تقتضي شيئا من التغيرفي العرض والأسلوب فيهما يمتاز بجودة النظم ، وروعة الأسلوب ، وعلو الشأن وبديع الصنع ،ومايخص أسلوب السور المكية يؤدي إلى تقطيع الفكرة ، و السور المدنية بأنها تتناول مواضيع مختلفة ..إن القرآن الكريم نزل في أمة كانت بضاعتها المفضلة الكلام حتى أقامت له أسواقا أدبية يتبارى فيها الأدباء والخطباء والشعراء .
وكفار العرب كان للقران على نفوسهم تأثير وهيمنة وسلطان ،ولما خشوا من تأثيره عليهم وهم يرونه يسلب اللبيب قلبه ، ويأخذعليه مجامع نفسه وعقله قال بعضهم لبعض لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون .
والله در الأستاذ محمد دراز إذ يقول واصفا هذا الأمر (أما ما يبدو أنه فوق طاقة البشر حقا في الأسلوب القرآني ، فهو أنه لايخضع للقوانين النفسية التي بمقتضاها نرى العقل والعاطفة لا يعملان إلا بالتبادل وبنسب عكسية ، بحيث يؤدي ظهور إحدى القوتين إلى اختفاء الأخرى ففي القرآن لا نرى إلا تعاونا دائما في جميع الموضوعات التي يتناولها بين هاتين النزعتين المتنافرتين وبالإضافة إلى الموسيقى الخالدة التي تعلو الأسلوب المتنوع نرى أن الكلمات ذاتها بمعناها المجازي سواء أكانت وصفا أو استدلالا تسعى بقوة وتجمع في نفس الوقت بين التعليم والإقناع والتأثير ، وتمنح القلب والعقل نصيبه المنشود ،وعلاوة على ذلك فإن هذا الكلام الرباني وهو يؤثر على هذا النحو ، في قوانا المختلفة ، يحتفظ دائما في أي موضع بهيبةمدهشة وبجلالة قوية لا تتأرجح ولا تضطرب.[3]

(الشبة الثالثه )زعمهم أن أسلوب المكي تأثر بالأوساط التي نزل فيها من حيث التأدب في اللفظ وعدمه ، فالمكي تجد فيه الألفاظ النابية أماالمدني فتجد فيه رفعة إيحاءاً منهم بالتأثر بالأدب اليهودي في المدينة على حد زعمهم [4]، وصفهم أيضا أن أسلوب القرآن(دراماتيكي ) ووصفوا القسم المكي بالهروب من المناقشة وبالخلو من المنطق والبراهين والهدوء والإقناع[5] .

( الرد ) هذه الأوصاف بالألفاظ القرآن الكريم عارية عن الصحة اولآ من حيث تأثره بالأوساط أما إن قصدوا بها الوعد والوعيدوالتقريع والتهديد للكفار في بعض الآيات ، أو صفحا وعفوا في غيرها فهذا النوع من الآيات لا يسمى سبابا ولا شتما بل هولون من ألوان الأسلوب العربي ،والقرآن الكريم نزل بلغة العرب وعلى أساليبهم وأفانين الكلام عندهم .

وهذا النوع من الأسلوب ليس في السور المكية فقط على حد زعمهم بل هو موجود كذلك في السور المدنية قال تعالى في سورةالبقرة ﴿إِنَّ الَّذينَ يَكتُمونَ ما أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ وَيَشتَرونَ بِهِ ثَمَنًا قَليلًا أُولئِكَ ما يَأكُلونَ في بُطونِهِم إِلَّا النّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَومَ القِيامَةِ وَلا يُزَكّيهِم وَلَهُم عَذابٌ أَليمٌ﴾ [6].
أما الأسلوب الرفيع البعيد عن البذاءة على حد تعبيرهم ويقصدون به العفو والصفح وأنه غير موجود في السور المكية فهي مجرد دعوى وآيات العفو والصفح كما هي في السور المدنية فهي في السور المكية ومثال ذلك ما جاء في سورة الأعراف ﴿خُذِ العَفوَ وَأمُر بِالعُرفِ وَأَعرِض عَنِ الجاهِلينَ﴾ [7] وقوله ﴿وَلا تَستَوِي الحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادفَع بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ فَإِذَا الَّذي بَينَكَ وَبَينَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَميمٌ﴾ [8].
فمن هنا يظهر أن مسلك القرآن الكريم في كل هذه الألوان من الأساليب من وعد ووعيد، وترغيب وترهيب ، وعفو وصفح وتهديد، راجع لمقتضى المقام وهذا هو الأسلوب الحكيم

وهناك أمر لابد من التنبيه عليه وهو أن نزول القرآن بمثل هذا النوع من الأسلوب كان من باب المشاكلة لأقوال المشاركين المعاندين مثال ذلك : نزول سورة المسد كان سبب نزولها أن رسول الله -صل الله عليه وسلم صعد ذات يوم على الصفا فنادییا صباحاه فاجتمعت إليه قريش قال : أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوني . قالوا : بلى قال :فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ،فقال أبو لهب : تبا لك ألهذا جمعتنا ؟ فأنزل الله سبحانه وتعالى ﴿تَبَّت يَدا أَبي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [9].
كما أن من الأسباب الداعية للإكثار من هذا الأسلوب في السور المكية كان بسبب موقف القرشيين من الأوثان والموروثات القديمة وهو التمسك بها والحرص عليها وترك الحق من أجلها فجاءت الآيات المكية قصيرة مؤثرة ،لاذعة لمشاعرهم ، هازة لوجدانهم ، ليستفيقوا من سباتهم ، وتشعر أحاسيسهم فيزول التبلد عنها من أجل كل هذه الأمورمجتمعة وغيرها كان هذا التنوع في الأسلوب ،و لا تأثراً بأسلوب الأدب اليهودي كما يزعمون ، لأن اليهودية أعجز من أن تأتي بمثل هذا الأسلوب القرآني البديع الرفيع .
ووصفهم بأسلوب القرآن دراماتيكي أي أن القرآن الكريم يعرض وجهة نظر الخصوم واعتراضاتهم ، ثم يرد عليهم بحجج قوية مناوئة لهم وهذا بحد ذاته يناقض الرأي الثاني الذي وصف القرآن المكي بأنه يتسم بالهروب من الخصوم وعدم إقامةالحجج عليهم، وهذا الأمر ينقضه أي مسلم يقرأ القرآن ويتمعن فيه ، فالقرآن الكريم كان يعرض لقضايا معينة يريد تثبيتهاكالتوحيد ،والرساله ، واليوم الآخر وبعض الهدايات والأخلاق الفاضلة ، وقد سخر لهذه القضايا عدة أساليب منها أسلوب القصة أو المحاورة ، أو التقرير ، أو التقريع ، أو الترغيب ، أو الترهيب ، وقد عرضها مع الأدلة التي تثبتها وتؤكدها وكانت هذه الأدلة منتزعة إما من النفس ، أو الكون ، أو المشاهدات ، أو غير ذلك قال تعالى : ﴿وَفِي الأَرضِ آياتٌ لِلموقِنينَ*وَفي أَنفُسِكُم أَفَلا تُبصِرونَ﴾ [10]

والقرآن المدني والمكي على حد سواء يعرض أدلته بهدوء وإقناع بالغين وما دامت التهمة موجهة للقرآن المكي من قبل المستشرقين فسأعرض آيات من السور المكية فيها الحجة على ما يزعمون
فهذه سورة النمل مكية عرضت لموقف المشركين من اليوم الآخر وتقيم الأدلة بأسلوب هادىء مقنع على ضرورة الإيمان بالله والانقياد لهذا الإله العظيم . قال تعالى : ﴿إِنَّ الَّذينَ لا يُؤمِنونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُم أَعمالَهُم فَهُم يَعمَهونَ﴾ [11]وضرب لهم مثلا في موقفهم من القرآن بموقف قوم موسى من الحق ﴿فَلَمّا جاءَتهُم آياتُنا مُبصِرَةً قالوا هذا سِحرٌ مُبينٌ * ﴿وَجَحَدوا بِها وَاستَيقَنَتها أَنفُسُهُم ظُلمًا وَعُلُوًّا فَانظُر كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُفسِدينَ﴾ [12]
ومن أجل إقناعهم بخطأ موقفهم من القرآن والإيمان أنزل لهم هذه الآيات : ﴿قُلِ الحَمدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذينَ اصطَفى آللَّهُ خَيرٌ أَمّا يُشرِكونَ * أَمَّن خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنبَتنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهجَةٍ ما كانَ لَكُم أَن تُنبِتوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَل هُم قَومٌ يَعدِلونَ * أَمَّن جَعَلَ الأَرضَ قَرارًا وَجَعَلَ خِلالَها أَنهارًا وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَينَ البَحرَينِ حاجِزًا أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَل أَكثَرُهُم لا يَعلَمونَ﴾ [13]
في هذا بلاغ وبه الحجة الكافية على هؤلاء المستشرقين المزيفين للحق الحائدين عنه والله غالب على أمره

منقول بتصريف من كتاب : أراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره .






[1] قضايا قرآنيه في الموسوعه البرطانيه ص ٤٢.
[2] نفسه ص ٧٤ .
[3] المدخل لدرآسة القرآن الكريم ص ٢٣٤ .
[4] الأستشراق والخلفيه الفكريه / د محمد زقزوق ص ٩٤ ، وقضايا القران ص ٧٤ ، ٧٨ .
[5] المدخل لدراسة القران الكريم ص ٢١٤
[6] البقرة: ١٧٤
[7] الأعراف: ١٩٩
[8] فصلت: ٣٤
[9] المسد: ١
[10] الذاريات ٢١،٢٢.
[11] النمل :٤.
[12] النمل :١٤.
[13] النمل :٥٩،٦٠،٦١.