‏ الحمد لله الذي اقتضت حكمته إرسال الأنبياء مؤيَّدين بمعجزات لتكون تصديقًا لهم
فيما يبلغون من رسالاته، ‏والصلاة والسلام على سيدنا محمد صاحب المعجزات الخالدات، ‏
كرمه ربه برحلة لم يسبق لبشرٍ أن قام بها {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً
مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ
لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ**
[الإسراء: 1].
وصعد به إلى السموات العُلا إلى سدرة المنتهى {‏وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى *
عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى *
مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى**
[النجم: 13-18].

الحكمة من رحلة الإسراء والمعراج
‏أولاً:
توالت على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبيل حادثة الإسراء والمعراج
الحوادث والأزمات الكثيرة، فإلى جانب ما كان يلاقيه من عنتٍ وعذاب الكفار له
وتصديهم لدعوته وإنزال الأذى والضرر به وبمن تبعوه، فَقَد نصيرًا وظهيرًا له
هو عمه أبو طالب،
وكذلك فَقَد شريكة حياته وحامية ظهره السيدة خديجة التي كانت له السند والعون
على تحمُّل الصعاب والمشقات في سبيل تبليغ دعوته السامية، فكلاهما مات
قبيل حادثة الإسراء والمعراج؛
ولذا سمي هذا العام "عام الحزن"[1].
ومن هنا كان إنعام الله على عبده ورسوله محمد صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بهذه المعجزةالعظيمة؛ تطييبًا لخاطره وتسرية له عن أحزانه وآلامه...
ثم ليشهد فيها من عجائب المخلوقات وغرائب المشاهد.

‏ثانيًا:
ولما كان الإسراء وكذلك المعراج خرقًا لأمور طبيعيَّة ألفها الناس،
فقد كانوا يذهبون من مكة إلى الشام في شهر ويعودون في شهر، لكنه -أي:
رسول الله ذهب وعاد وعرج به إلى السموات العلا، وكل هذا وذاك في جزء...
فكان هذا شيئًا مذهلاً، أي أنه كان امتحانًا واختبارًا للناس جميعًا،
وخاصة الذين آمنوا بالرسالة الجديدة، فصدَّق أقوياء الإيمان وكذَّب ضعاف الإيمان.
وهكذا تكون صفوف المسلمين نظيفة، ويكون المسلمون الذين يُعِدُّهم الله للهجرة
أشخاصًا أتقياء أقوياء، لهم عزائم متينة وإرادة صلبة؛ لأن الهجرة تحتاج لأناس
‏تتوفر لديهم هذه الصفات.

‏ثالثًا:
لقد كان الصعود من بيت المقدس ولم يكن من مكة، ذا دلالات،
إحداها الأمر بنشر الإسلام وتوسعة إطاره؛ وذلك لأنه الدين الخاتم الشامل الجامع
الذي ارتضاه الله للناس كافة على اختلاف أجناسهم، وألوانهم، وشعوبهم، ولغاتهم.

‏رابعًا:
يعتبر فرض الصلاة بهيئتها ‏المعروفة وعددها وأوقاتها اليوميَّة المعروفة
على المسلمين في رحلة المعراج دليلاً على أن الصلاة صلة بين العبد وربه،
وهي معراجه الذي يعرج عليه إلى اللهصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بروحه،
وأنها الوقت الذي يناجي العبد فيه ربه، ويبث إليه ما يرنو إليه.
فالصلاة إذن عماد الدين؛ من تركها وأهملها فكأنه هدم دينه وأضاعه.

‏ونشير إلى أنه لا نستطيع إحصاء ما للإسراء والمعراج من حكم وفضائل،
وإنما سقنا ما أفاء الله به علينا، وعرضناه بإيجاز.

‏والإسراء والمعراج من المعجزات العظيمة التي جرت في الإسلام،

ولنا نحن المسلمين دروس وعبر
نستنبطها من تلك المعجزة العظيمة أهمها
:

الدرس الأول:
الاطلاع على قدرة الله تعالى
:
‏إن القدرة الإلهية التي خلقت هذا الكون الكبير، لن تعجز عن حمل بشر إلى عالم السماء،
وإعادته إلى الأرض، في رحلة ربانية معجزة لا يدري كيفيتها بشر؛
فالإسراء:
آية من آيات الله تعالى التي لا تُعَدُّ ولا تحصى، وهو انتقال عجيب بالقياس
إلى مألوف البشر؛ ولهذا ‏فقد أثار كفار قريش حوله جدلاً طويلاً، وتساؤلات كثيرة.
ولا يخفى على كل ذي بصيرة أن الله تعالى واضع نظام هذا الكون وقوانينه،
وأن من وضع قوانين التنفس والجاذبية والحركة والانتقال والسرعة وغير ذلك،
قادر على استبدالها بغيرها عندما يريد ذلك.

الدرس الثاني: الاطلاع على بدائع صنع الله:
‏عندما يطلع الإنسان على عظمة الله سبحانه، ويدرك بديع صنعه، وعظيم قدرته،
يثق بنفسه ودينه ويطمئن إلى أنه بإيمانه يكون قد لجأ إلى ركن وثيق لا يختار له
إلا الأصلح، ولا يريد له إلا الخير، قادر على كل شيء، ومحيط بكل الموجودات.

الدرس الثالث: الإسراء والمعراج معجزة عظيمة من معجزات النبي:
‏لقد أكرم الله نبيه محمدًا برحلة لم يسبق لبشر أن قام بها، فقد شاهد من آيات ربه
ما لا يمكن لبشر أن يراه إلا عن طريق العون الإلهي، ووصل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
إلى مستوى يسمع فيه كلام الله تعالى الأزلي الأبدي الذي لا يشبه كلام البشر،
فقد منحه الله في هذه الرحلة عطاءً روحيًّا عظيمًا؛ تثبيتًا لفؤاده، ليتمكن من إتمام
مسيرته في دعوة الناس إلى طريق الحق والهداية.

الدرس الرابع: التأييد الإلهي:
‏في صباح تلك الليلة المباركة أخبر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أم هانئ
بما حدث له في هذه الليلة، فتوجهت إليه بالرجاء أن لا ‏يحدِّث بذلك أحدًا؛
حرصًا عليه أن تناله ألسنة أهل مكة بسوء، وهي تعلم عنادهم،
وأنهم لن يتركوا فرصة للتشهير به إلا انتهزوها. ولكن رسول الله أَبَى إلا أن
يصدع بالحق؛ لأنه صاحب دعوة ومأمور بالتبليغ، وليس من طبيعة دعوة الحق
أن ترضى بالحصار أو تستكين للتعتيم عليها.

ولما أخبر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قومه بخبر الإسراء، كذَّبوه وشككوا في قوله،
وتحدوه أن يثبت صدقه إن كان صادقًا، وراحوا يسألونه:
صِفْ لنا بيت المقدس.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "دخلت فيه ليلاً وخرجت منه ليلاً".
وحينئذٍ أتاه جبريل بصورته، فجعل ينظر إليه ويخبرهم؛ فعن جابر بن عبد الله قال:
سمعت رسول الله يقول:
"لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ فِي الْحِجْرِ فَجَلاَ اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ
وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ"[2]. وهذا أبلغ في المعجزة ولا استحالة فيه،
فقد أُحضر عرش بلقيس في طرفة عين لسليمان وهو يقتضي أنه أزيل من مكانه
حتى أُحضر إليه، وما ذاك في قدرة الله بعزيز[3].

الدرس الخامس: فضل وأهمية الصلاة:
‏لقد فرضت الصلاة من بين أركان الإسلام في السماء السابعة، فأصبحت الركن الثاني
من أركان الإسلام، وفي هذا دليل على أهمية هذه الرحلة العظيمة وأهمية الصلاة،
وعظمها في الإسلام؛ ولذلك شدّد الإسلام عليها كل التشديد،
وأمر بالقيام بها في السفر والحضر، والأمن والخوف،
والصحة والمرض، وأصبحت قُرَّة عين النبي
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
؛
فعن أنس رضى الله عنه قال:
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
"... وجُعِل قُرَّة عيني في الصلاة"[4]. وكان إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة،
فعن حذيفة قال:
"كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا حزبه أمر صَلَّى"[5].

‏وكتب عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى عُمَّاله فقال:
"إن أهم أمركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيَّعها
فهو لما سواها أضيع"[6].
‏وفي هذا حض على الاهتمام بأمر الصلاة وتخصيصها
بمزية من المراعاة؛ لأنها إن قُبلت منه نُظر في سائر أعماله ونفعه ما عمل
من غير ذلك من أعمال البر،
وإن لم تُقبل لم ينفعه شيء من عمله ولم يُنظر له فيه[7].

الدرس السادس: فضل ومكانة سيدنا محمد :
‏حيث صعد به رب العزة والجلالة إلى مكان عظيم لم يبلغه أحد من البشر قبله
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
، حيث عرج به إلى السموات السبع،
وتخطاهن حتى وصل إلى سدرة المنتهى، وكلَّمه رب العزة والجلالة.

الدرس السابع: شجاعة الرسول صلى الله عليه وسلم:
‏ويتضح ذلك عندما أخبر قريشا أنه أُسري بهصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى بيت المقدس
وعاد في نفس الليلة، ولم يتأخر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يتردد مع علمه
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعناد كفار قريش، وعدم تصديقه في هذا الأمر العظيم
حيث لا يمكن تخيل أن يتمكن بشر من الذهاب إلى بيت المقدس والعودة في نفس الليلة
فيما كانوا يستغرقون في هذه الرحلة شهرين؛ شهرًا في الذهاب وشهرًا للعودة.

الدرس الثامن: عموم رسالته صلى الله عليه وسلم:
‏لقد ثبت في الروايات المتعددة أن رسول الله صلى بالأنبياء إمامًا في بيت المقدس
في ليلة الإسراء والمعراج، وفي هذا دلالات منها أن الإسلام هو كلمة الله الأخيرة
إلى خلقه، ودليل على عالمية الإسلام، وعموم رسالة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
وأنه حامل لواء الهداية للخلق جميعًا، تحمَّلها سيدنا رسول الله بأمانة وقوة،
وقام بحقها على خير وجه، ثم ورَّثها لأمته من بعده، وبذلك أصبحت
خير أمة أخرجت للناس، ومسئولة عن إقامة حُجَّة الله على خلقه جميعًا،
كما قال تعالى:
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ
وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا**
[البقرة: 143].

الدرس التاسع: الاستفادة من الخبرات السابقة:
‏ويتضح لنا ذلك من خلال استجابة سيدنا رسول الله لنبي الله موسى
بالمراجعة في أمر الصلوات
:
"... وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ
أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ. فَرَجَعْتُ".

الدرس العاشر: الإسلام دين الهداية والفطرة:
‏من أحداث تلك الليلة المباركة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد اختار إناء اللبن
وشرب منه، جاء في الحديث أن جبريل عليه السلام قال له عندما أخذ اللبن:
"هُدِيتَ الْفِطْرَةَ، أَوْ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ"[8].
قال ‏القرطبي: يحتمل أن يكون سبب تسمية اللبن فطرة؛ لأنه أول شيء
يدخل بطن المولود ويشق أمعاءه، والسر في ميل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
إليه دون غيره؛ لكونه كان مألوفًا له، ولأنه لا ينشأ عن جنسه مفسدة[9].
وفي رواية:
"هِيَ الْفِطْرَةُ الَّتِي أَنْتَ عَلَيْهَا وَأُمَّتُكَ"[10].

‏إن سلامة الفطرة هي لب الإسلام؛ لأن عقيدته وشريعته وأحكامه كلها تتناسب
مع مقتضيات الفطرة التي خلق الله الناس عليها، قبل أن تدنسها
الشهوات والأطماع والأغراض الذاتية،
وقد وصف الله هذا الدين بأنه دين الفطرة في قوله تعالى:
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ
ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ**
[الروم: 30].

الدرس الحادي عشر: تعليم سيدنا محمد بالمشاهدة والنظر:
‏وذلك ليكون درسًا عمليًّا يتعلم فيه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمشاهدة والنظر،
ولقد كفل له ربه ذلك بما أراه من آياته الكبرى، وما أطلعه عليه من مشاهدة تلك
العوالم التي لا تصل أذهاننا إلى إدراك كنهها إلا بضرب من التخيُّل،
فأنَّى لنا أن نصل إلى ذلك وقد حُبس عنا الكثير من العلم، وما أوتينا منه إلا قليلاً،
قال تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً**
[الإسراء: 85].
والله قد أعطى كل نوع من مخلوقاته علومًا تتوافق مع استعداده وفطرته،
‏ومهمته في هذا الكون.

الدرس الثاني عشر: أصل الدين واحد هو التوحيد:
‏إن أنبياء الله ورسله بعثهم الله إلى خلقه ليعرفوهم بالله، وكيف يعبدونه؛
‏ليُعلموهم أن الله وحدح هو المستحق للعبادة، قال تعالى:
{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ**
[الأنبياء: 25].
وهذا يعني أن رسالة الأنبياء واحدة، وأنهم جميعًا إخوة، وقد أكَّد رسول الله هذه الحقيقة
في مناسبات عدة، منها: قوله عن نبي الله يونس
"أخي كان نبيًّا، وأنا نبي"[11].

وعن أبي هريرة رضى الله عنه قال:
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
"أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَالأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلاَّتٍ،
أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ"[12].
والعَلات بفتح المهملة: الضرائر.
وأصله أن من تزوج امرأة ثم تزوج أخرى
كأنه عَلَّ منها.
والعلل: الشُّرب بعد الشرب.
وأ‏ولاد العلات: الإخوة من الأب[13].
أي أن شرائعهم متعددة، وأصل الدين واحد هو التوحيد.
وجاءت ليلة الإسراء والمعراج تؤكد المعنى السابق،
فوجدنا أن العبارة التي رددها الأنبياء عليهم السلام ترحيبًا بسيدنا محمد
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حين استقبلوه في السموات العُلا هي:
"مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ"[14].

‏نسأل الله أن يرزقنا حسن الاقتداء بنبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
والحمد لله رب العالمين.

***********

دروس من الاسراء والمعراج


بسم الله الرحمن الرحيم

كانت معجزة الإسراء والمعراج من أجل المعجزات وأعظم الآيات التي تفضل بها
المولى سبحانه على نبيه ومصطفاه محمد صلى الله عليه وسلم ,
ولأهميته هذه المعجزة فقد ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم في موضوعين ,
الأول :
في سورة سميت باسم هذه المعجزة وهي سورة \" الإسراء \" والتي بدأها سبحانه:
\" سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى
الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)
سورة الإسراء .
والثاني :
في سورة النجم قال تعالى:
\" وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3)
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6)
وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9)
فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11)
أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14)
عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16)
مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17)لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)
سورة النجم .

ومعجزة الإسراء والمعراج فيها مشاهد عظيمات
وآيات باهرات يتعلم منها المسلم
الدروس والعبر والتي منها :


1
- الثبات على الحق وإلتزام المبدأ :
ويتضح ذلك من المشهد الذي رآه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لماشطة ابنة فرعون ,
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ِ :
لَمَّا كَانَ اللَّيْلَةُ الَّتِى أُسْرِىَ بِى فِيهَا أَتَتْ عَلَىَّ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ
مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ فَقَالَ هَذِهِ رَائِحَةُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ وَأَوْلاَدِهَا.
قَالَ قُلْتُ وَمَا شَأْنُهَا
قَالَ بَيْنَا هِىَ تَمْشُطُ ابْنَةَ فِرْعَوْنَ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ سَقَطَتِ الْمِدْرَى مِنْ يَدَيْهَا
فَقَالَتْ بِسْمِ اللَّهِ.
فَقَالَتْ لَهَا ابْنَةُ فِرْعَوْنَ أَبِى قَالَتْ لاَ وَلَكِنْ رَبِّى وَرَبُّ أَبِيكِ اللَّهُ.
قَالَتْ أُخْبِرُهُ بِذَلِكَ قَالَتْ نَعَمْ. فَأَخْبَرَتْهُ فَدَعَاهَا
فَقَالَ يَا فُلاَنَةُ وَإِنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرِى قَالَتْ نَعَمْ رَبِّى وَرَبُّكَ اللَّهُ.
فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُلْقَى هِىَ وَأَوْلاَدُهَا فِيهَا قَالَتْ لَهُ
إِنَّ لِى إِلَيْكَ حَاجَةً. قَالَ وَمَا حَاجَتُكِ قَالَتْ أُحِبُّ أَنْ تَجْمَعَ عِظَامِى وَعِظَامَ وَلَدِى
فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَتَدْفِنَنَا. قَالَ ذَلِكَ لَكِ عَلَيْنَا مِنَ الْحَقِّ.
قَالَ فَأَمَرَ بِأَوْلاَدِهَا فَأُلْقُوا بَيْنَ يَدَيْهَا وَاحِدًا وَاحِدًا إِلَى أَنِ انْتَهَى ذَلِكَ إِلَى صَبِىٍّ لَهَا
مُرْضَعٍ وَكَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ مِنْ أَجْلِهِ قَالَ يَا أُمَّهْ اقْتَحِمِى فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا
أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ فَاقْتَحَمَتْ.
أخرجه أحمد 1/309(2822) .
2- أهمية الصلاة ومنزلتها في الإسلام:
وذلك أن الصلاة هي الفريضة الوحيدة التي فرضت ليلة الإسراء والمعراج
في السماء السابعة وبدون واسطة , قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
\" \"ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَوَاتُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ،
فَرَجَعْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ، قلت: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ،
قَالَ:
إِنَّ أُمَّتَكَ لا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي ـ وَاللَّهِ ـ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ،
وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ
فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ،
فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا،
فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ، فَأُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ،
فَرَجَعْتُ فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ، فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ،
فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ:
بِمَ أُمِرْتَ ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ:
إِنَّ أُمَّتَكَ لا تَسْتَطِيعُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ،
وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ؛ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ!
قَالَ:
سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ، وَلَكِنِّي أَرْضَى، وَأُسَلِّمُ ...
فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَى مُنَادٍ: أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي\"
[البخاري: 3598].
3
- الصداقة الحقيقية مبادئ ومواقف :
فحينما عاد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من رحلة الإسراء والمعراج
وقص على قريش ما حدث , انطلق نفرٌ منهم إلى أبي بكر رضي الله عنه
يسألونه عن موقفه من الخبر ، فقال لهم :
\" لئن كان قال ذلك لقد صدق \" ، فتعجّبوا وقالوا :
\" أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح ؟ \" ، فقال :
\" نعم ؛ إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك ، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة \" ،
فأطلق عليه من يومها لقب \" الصديق \" .
عيون الأثر , ابن سيد الناس 471.

هكذا الصداقة الحقيقية مبادئ ومواقف , ولله در من قال :

جزى الله الشدائد كل خير * * * * * عرفت بها عدوي من صديقي


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:
{وما عرضت الإسلام على أحد إلا كانت له كبوة إلا أبا بكر فإنه لم يتلعثم**.
قَالَ عُمَرُ بْنُ - الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:
\" لَوْ وُزِنَ إِيمَانُ أَبِي بَكْرٍ بِإِيمَانِ أَهْلِ الْأَرْضِ لَرَجَحَ بِهِمْ \"
شعب البيهقي -[144].
وكان يقول ليتني شعرة في صدر أبي بكر.
4 – الفاحشة سبب لإنتشار الأمراض والبلاءات :
ويتضح ذلك من هذا المشهد ,فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
في حديث الإسراء قال:
ثم مضيت هنيهة، فإذا أنا بأخونة، عليها لحم مشرح، ليس يقربه أحد، وإذا أنا بأخونة،
عليها لحم قد أروح ونتن، عندها أناس يأكلون منها، قلت: ياجبريل، ماهؤلاء ؟
قال :
قوم من أمتك ، يتركون الحلال ويأتون الحرام.البيهقي :
دلائل النبوة 2/392.
لذا فقد حذر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من انتشار الفاحشة ( الزنا )
وكذا التبرج والسفور وجعل ذلك سببا لانتشاء الأمراض والأوجاع
فقال :
\" لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ في قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ
الَّتِى لَمْ تَكُنْ مَضَتْ في أَسْلاَفِهِمُ الِّذِينَ مَضَوْا.
أَخْرَجَهُ ابن ماجة (4019).
5- مكانة المسجد الأقصى في الإسلام :
للمسجد الأقصى قدسية كبيرة عند المسلمين ارتبطت بعقيدتهم منذ بداية الدعوة.
فهو يعتبر قبلة الانبياء جميعاً قبل النبي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وهو القبلة الأولى التي صلى إليها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قبل أن يتم تغير القبلة إلى مكة.
وقد توثقت علاقة الإسلام بالمسجد الأقصى ليلة الإسراء والمعراج
حيث أسرى بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى
وفيه صلى النبي إماما بالأنبياء ومنه عرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء.
وهناك في السماء العليا فرضت عليه الصلاة.
ويعتبر المسجد الأقصى هو المسجد الثالث الذي تشد إليه الرحال،
فقد ذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن المساجد الثلاثة الوحيدة التي تشد إليها الرحال
هي المسجد الحرام، و المسجد النبوي والمسجد الأقصى.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
« لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ،
ومسجد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ومسجد الأقصى ».
صحيح البخاري برقم (1189) ، وصحيح مسلم (1397) .
قال شوقي :

أسـرى بك الله ليلا إذ ملائكـه * * * والرسل في المسجد الأقصى على قدم
لما خطرت بهم التفوا بسـيدهم***** * * كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم
صلى وراءك منهم كل ذي خطر******* * * ومن يفز بحـبـيـب الله يأتم
حتى بلغت سماء لا يطـار لها * ******* على جناح ولا يسـعى على قدم
وقـيل كل نبـي عند رتبـته ؟ * ******* * ويا محمد هــذا العرش فاستلم



إن رحلة الإسراء والمعراج لم تكن مجرد رحلة تسرية وتسلية

لقلب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفقط ,

بل كانت رحلة تربية وتهذيب لنا ,

فلعلنا ننتفع بهذه الدروس ,

ونحيي بها ما اندرس في النفوس .

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .