تشيع بين الناس مفاهيم متعلقة بالمرأة؛ منها أن المرأة خلقت من ضلع آدم. وأنها ناقصة عقل ودين؛ لذا فشهادتها بنصف شهادة الرجل. وهذه المفاهيم وغيرها تجعل المرأة في مرتبة الأمة بالنسبة للرجل، ونحاول في هذه المقالة دراسة الموضوع بالمقارنة بين القرآن الكريم والمفاهيم التقليدية.
1. الزعم القائل بأن المرأة خلقت من ضلع آدم
ورد في التوراة أن المرأة خلقت من ضلع آدم. حيث جاء في سفر التكوين، الاصحاح الثاني، 21-23: «فَأَوْقَعَ الرَّبُّ الإِلهُ سُبَاتًا عَلَى آدَمَ فَنَامَ، فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ وَمَلأَ مَكَانَهَا لَحْمًا. وَبَنَى الرَّبُّ الإِلهُ الضِّلْعَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ امْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ. فَقَالَ آدَمُ: هذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هذِهِ تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ».
وقد انتقل إلينا بعض ما ورد في التوراة والانجيل كحديث مرفوع . فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإذا شهد أمرا فليتكلم بخير أو ليسكت واستوصوا بالنساء فإن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه إن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج استوصوا بالنساء خيرا.[1]
ولا يمكن أن يكون هذا الكلام حديثا قاله النبي صلى الله عليه وسلم، لأن القرآن الكريم لا يصدق ما جاء في التوراة والانجيل في هذا الموضوع.[2] فقد قال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا[3] وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء… » (سورة النساء، 4 / 1).
والضمير المخاطب (كم) في الآية يراد به آدم عليه السلام، وقد جاء بصيغة الجمع مجازا؛ لأن الناس لم يخلقوا من آدم فقط، بل منه وحواء معا. فيكون معنى الآية أن الله تعالى خلق آدم عليه الصلاة والسلام من نفس واحدة.
وقد جاء في الآية التالية تفصيل ما خلق اللهُ تعالى منه آدمَ. حيث قال تعالى: «إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ» (سورة الإنسان، 76 / 2).
والنَطَفةٌ، وهي الصّافيةُ الماء،[4] والأَمْشَاج هو الأخلاط. أي من منيِّ الرجل الذي اختلط ببويضة المرأة. ومشج بينهما: أي خلط.[5] وأقل الجمع في اللغة العربية ثلاثة. وعلى هذا فإن النطفة ليست منيا فحسب بل هي مخلوطة من ثلاثة أشياء أو أكثر. وقد جاء في آية أخرى: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ » (المؤمنون، 23 / 12). وجميع ما يتناوله الإنسان من الأغذية هو من الطين؛ أي التراب المختلط بالماء. فمصدر النطفة والبويضة طين.
وقال الله تعالى: « ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ» (المؤمنون، 23 / 13). والقَرارُ والقَرارةُ من الأَرض: المطمئن المستقرّ، وقال أَبو حنيفة: القَرارة كل مطمئن اندفع إِليه الماء فاستقَرّ فيه.[6] والمكين: من قول العرب، مَكَّنْتُهُ مِنْ الشَّيْءِ تَمْكِينًا جَعَلْتُ لَهُ عَلَيْهِ سُلْطَانًا وَقُدْرَةً فَتَمَكَّنَ مِنْهُ.[7]
وعلى هذا فالمكان الذي تكونت فيه النطفة هو المكان الذي جُعل لها به سلطانٌ وقدرةٌ لتتمكن فيه، وهو الرحم. والنطفة التي تكونت في الرحم ليست إلا البويضة المخصبة. وهو (الرحم) مكان يختلط فيه مني الرجل مع بويضة المرأة، تتغير وتتطور فيه حتى تصبح إنسانا يستطيع الحياة على وجه الأرض.
النُّطفة هي اللؤلؤ الصَّافِي في اللون مثل قطرة الماء الصافي.[8] والبويضة المخصبة تشبهها في الشكل.
وقد أخبرنا الله تعالى في كتابه العزيز أنه خلق الإنسان من التراب.[12] لأن التراب هو العنصر الأساسي في الإنسان؛ والرحم بمثابة الحرث يزرع فيه البذور. قال الله تعالى: «نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ» (البقرة، 2 / 223).
خلق الإنسان كخلق النبات. قال الله تعالى: « وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا» (نوح، 71 / 17).[13]
وكان خلق عيسى عليه الصلاة والسلام كخلق آدم وحواء. قال الله تعالى: «إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (آل عمران، 3 / 59). لو تدبرنا الآية لظهر لنا أن رحم مريم كان بمثابة الأم والأب مثل التراب.
ويؤيد ذلك تأنيث العائد إلى (الفرج) مرة وتذكيره مرة ثانية كما في قوله تعالى: «وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ» (الأنبياء، 21 / 91). «وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ» (التحريم، 66 / 1212). وهو مما يدل على أن رحم مريم كان ينتج البويضة والمني في نفس الوقت, لذلك كان خلق عيسى كخلق آدم، وعلى هذا فإن التراب الذي خلق منه آدم كان يوجد فيه هاتان الخاصيتان. أي أن آدم خُلق من النطفة التي تشكلت نتيجة اختلاط المني مع البويضة اللتين استخلصتا من التراب. وكذلك حواء خلقت من تلك النطفة. لأننا نفهم من النفس المذكورة في الآية الأولى من سورة النساء أن آدم وحواء خُلقا من النفس الواحدة. “وخلق منها زوجها”.
إذن فيمكن أن يكون آدم وحواء توأمي البويضة الواحدة.
يقول الباحثون إن توأمي البويضة الواحدة يكونان من نفس الجنس. ولكن آدم وحواء أحدهما ذكر والآخر أنثى. ونفهم من قوله تعالى: «خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها» أنّ خلق حواء متأخر عن خلق آدم. إذا كان آدم خلق من البويضة الواحدة أولا ثم خلقت حواء من نفس البويضة فالبحث عن هذا يقع على عاتق المتخصصين.
ولكن المهم هنا هو الآية. « شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ» (الشورى، 42 / 13). تشير هذه الآية إلى حدوث تغيرات في القوانين الطبيعية بعد نوح عليه الصلاة والسلام. وقد كان الزواج من الأخت حلالا إلى عهد نوح؛ كما نرى ذلك في الديانة الزرادشتية. لذا كان من الممكن أن يكون توأما البويضة الواحدة من جنس مختلف. ويشير قوله تعالى: «وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى.مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى» (النجم، 53 / 45-46) إلى الموازين الخاصة للإنسان، حيث تتكون تلك الموازين وهو نطفة في الرحم، وكذلك يتبين جنسه ذكرا أو أنثى.
وهنا نرى من الضروري الوقوف على كلمة “الزوج”. لم يرد في القرآن الكريم كلمة “الزوجة” مع أن الكلمات تكون في العربية مؤنثة ومذكرة. وإذا دل هذا إنما يدل على عدم الفرق تأنيثا أو تذكيرا في تسمية الأزواج.
إذا تحقق أن النطفة هي البويضة المخصبة فقوله تعالى في الآية “إذا تمنى” يعني إذا قدِّر لها الأقدار. لأن كلمة تمنى من “مَنَى” يدلُّ على تقديرِ شيءٍ ونفاذِ القضاءِ به. منه قولهم: مَنَى له المانِي، أي قدَّر المقدِّر.[15] وبهذا نفهم من الآية لماذا سميت النطفة نفسا. وتطلق النفس على الجسم الحي. قيل عن النفطة (نفس) لأنها تحمل بدءا من هذه المرحلة الخصائص التي يختص بها الجسم الحي.
وسبب هذه التفاصيل هو أن نصل إلى المعلومات الصحيحة في خلق المرأة؛ لأن القبول بأن المرأة خلقت من الضلع الأعوج تحقير لكرامتها.
2. اعتبار المرأة أمة للرجل
وعدم فهم قول النبي صلى الله علهي وسلم: “اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٍ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذٰلِكَ”[16] على شكل صحيح أدى إلى جعل المرأة أمة للرجل.
وقد قيل في معنى كلمة “عوان” أي أسيرات؛ زعما أنها جمع العانية، اسم الفاعل من العنو. وعلى هذا قيل إن المرأة أسيرة الرجل. ولكن الحقيقة غير ذلك.. فكلمة عوان من العناية التي تعني الاعتناء والاهتمام.[17] فالمرأة من الناحية الجنسية تهدف زوجها فقط وتحفظ نفسها له. وعلى هذا فإن الحديث يتحدث عن النساء اللائي يعطين الاهتمام لأزواجهن ويحفظن أمورهم ويشغلن أذهانهن بما يخصهم. ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: «فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ» (سورة النساء، 4 / 34).
وعند الحديث عن حقوق وواجبات الجنسين المختلفين فالمعيار الصواب هو التوازن والعدل وليس المساواة، وعدم المساواة بمعناه الحسي الفيزيائي لا يدل على التفاضل بين الرجل والمرأة، بل يدل على التكامل بينهما ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب. وقد وضع الله الميزان ونهى عن إفساده. كما قال الله تعالى: «وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ . وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ» (سورة الرحمن، 55 / 7-9).
3. الزعم القائل بأن المرأة ناقصة عقل ودين
خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم في أضحى أو فطر إلى المصلى فمر على النساء فقال: يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار. فقلن وبم يا رسول الله ؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن. قلن وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله ؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل. قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان عقلها أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم. قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان دينها.[18]
وهذا الحديث صحيح من حيث السند. ولكن فيه اشكال من حيث المعنى…
الأول: الخطاب بـ “ناقصات العقل والدين”. لا يتوافق مع لطف النبي صلى الله عليه وسلم كما يخالف قوله تعالى: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ» (سورة آل عمران، 3 / 159).
الثاني: الحائض لا تطهر مهما اغتسلت. ويدل على ذلك أمر الله تعالى للرجال: «… فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ» (سورة البقرة، 2 222). فالمرأة غير مكلفة بالصلاة في أيام حيضها لأنه «لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا» (سورة البقرة، 2/ 286). ، فعدم إداء ما ليست مكلفة به لا ينقص دينها.
ولا يجب على الحائض قضاء ما فات عليها من الصلاة في أيام حيضها. لأنها ليست مأمورة بالصلاة وهي حائض. روي عن معاذة قالت سألت عائشة رضي الله عنها: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصَلاة ؟ فَقَالَتْ: أحَرُورِيَّةٌ أنْتِ؟ قلت لست بحرورية ولكني أسأل. قالت كان يصيـبنا ذلك فَنُؤْمَرُ بقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلا نُؤمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ.[19]
وكلمة “قضى” في قول عائشة رضي الله عنها ” فَنُؤْمَرُ بقَضَاءِ الصَّوْمِ” تأتي بمعنى الأداء.[20] كما في قوله تعالى: “إذا قضيتم مناسككم”[21] و “فإذا قضيتم الصلاة”[22]. ثم اطلق العلماء كلمة “قضى” على العبادات التي تؤدى بعد خروج وقتها، أما كلمة “أدى” فأطلقوها على امتثال العبادات في أوقاتها المحددة. وهذا الإستعمال خلاف المعنى الأصلي للكلمة، وقد اصطلحها العلماء للتفريق بين الحالتين الوقتين.[23] وعلى هذا فقد أخطأوا في فهم حديث عائشة رضي الله عنها. ومنعوا الحائض من أداء الصوم في شهر رمضان. وتسلسلت الأخطاء حين قالوا بوجوب الصيام الذي حرموه عليها بعد فوات وقته المحدد. ولو افترضنا أن الفقهاء أصابوا في منعهم الحائض من الصوم. فهل يعتبر عدم صيامها نقصا في دينها؟
الثالث: وقول النبي صلى الله عليه وسلم ” مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ” يدل على أن هناك مخلوقات ناقصات عقل ودين من غير النساء أيضا. ولكنا لا نعرف وجود تلك المخلوقات. وعلى هذا فلا يمكن أن يكون هذا الكلام قد صدر من النبي صلى الله عليه وسلم.
4. شهادة المرأة
يعتبر في الفقه التقليدي شهادة امرأتين مساوية لشهادة رجل واحد. ويُستدل على ذلك بقوله تعالى: «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى» (البقرة، 2/282).
يُفهم من الآية أنّ هناك فرقا بين شهادة المرأة والرجل، كما ذهب إليه الفقهاء، ولكن حين نأخذ الآية مع لاحقتها ومع الآيات التي تفصِّلها والأحاديث المتعلقة بها نجد أنه لا فرق بين شهادة المرأة وشهادة الرجل. لنقرأ تكملة الآية «ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ». ويمكن أن يكون معنى “ذلكم أقسط وأقوم” في تثبيت الدَّيْن بالكتابة لأن الآية نزلت فيه. وكذلك من الممكن أن يكون أنه أقسط وأقوم في نصاب الشهادة. فالأقوم اسم تفضيل من القويم. ويقال هذا أقوم من هذا عند مقارنة الشيئين القويمين. فمعنى الآية أن شهادة الرجلين أقوم من شهادة المرأتين أو من شهادة رجل وامرأة.
والآية الواردة في الشهادة على الوصية تجعل الموضوع أكثر وضوحا، وتبين لنا أن الحكم السابق متعلق بكتابة الدَّين وبعدد الشهود معا. قال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ. فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآَخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ» (المائدة، 5 / 106-107).
وفي هذه الآية يأمر الله تعالى أن يكون الشاهدان مؤمنين عدلين بدون أية تفرقة بين المرأة والرجل. وفي أثناء السفر يكفي أن يشهد اثنان من غير المسلمين. ويمكن أن يكون كلا الشاهدين إمرأتين أو رجلين، كما يمكن أن يكونا من غير المسلمين، وكذلك يجوز أن يكون أحدهما رجلا والآخر إمرأة، حسب الظروف الخاصة بالسفر.
والشاهد هنا هو قوله تعالى: « ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا» (المائدة، 5 / 108). لو أخذنا هذا الجزء من الآية مع قوله تعالى «ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ» في الآية الثانية والثمانين من سورة البقرة، نفهم أن الله تعالى يخبر عن الأفضل في الشهادة. وأن كون الشاهدين رجلين أو رجل وامرأتين ليس شرطا من شروط الشهادة بل الوجه الأفضل فيها.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل شهاد إمرأة واحدة. عن عقبة بن الحارث: أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز فأتته امرأة فقالت إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج فقال لها عقبة ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني فركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فسأله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف وقد قيل. ففارقها عقبة ونكحت زوجا غيره.[24]
وهذا كله يدل على عدم جواز الحكم على نقصان عقل المرأة إستدلالا بأن شهادتها تساوي نصف شهادة الرجل. ولو افترضنا صحة هذا الكلام، فليكن إذن واجبات المرأة نصف واجبات الرجل. وقد قال الله تعالى في آية ذكر فيها الرجل والمرأة: «وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (سورة البقرة، 2 / 228).


[1] صحيح مسلم، باب الوصية بالنساء، رقم الحديث: 60 – ( 1468 )

[2] جاء القرآن الكريم مصدقا لما سبق من الكتب الإلهية. ولكن تصديقه محدود بما لا يخالف القرآن الكريم مما في التوراة والإنجيل. لأنه لم يات آية في القرآن تنص أنه يصدق التوراة والإنجيل. قال الله تعالى: «نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ» (آل عمران، 3 / 3). ومقابل ذلك جاء في الإنجيل ما يدل على أنه يصدق التوراة. قال الله تعالى: « وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ » (المائدة، 5 / 46).
ونفهم من قوله تعالى: « وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ» (المائدة، 5 / 48) أن تصديق القرآن لما سبقه من الكتب الإلهية محدود بما فيها من الآيات التي تتوافق مع القرآن الكريم. وقد تكررت كلمة الكتاب مرتين. وتكرار الكلمة معرفة بال التعريف يدل على أنهما شيء واحد؛ أي أن ما في القرآن وما يصدقه من الكتب السابقة هو شيء واحد.
وخلاصة القول فإن القرآن لا يصدق القول بأن المرأة خلقت من ضلع آدم. لذا نقول إن رواية أبي هريرة المتعلقة بالمسألة من الإسرائليات.

[3] وَخَلَقَ مِنْهَا (أي من النفس) زَوْجَهَا (أي زوج النفس) وهذا يشير إلى أن الله خلق النطفة أولا ففطرها وجعلهما توأما مطابقا فليس لأحد منهما الأولوية في الخلق.

[4] كتاب العين لخليل بن أحمد، مادة: نطف.

[5] لسان العرب، فصل:الميم، مادة: مشج.

[6] لسان العرب، فصل: القاف، مادة: قرر.

[7] المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، لأحمد بن محمد بن علي الفيومي ثم الحموي، أبو العباس (المتوفى: نحو 770هـ) مادة: (م ك ن).

[8] لسان العرب، فصل النون، مادة نطف.

[9] www.manzara.gen.tr/su-damlasi-1-18306.html

[10] mutluluk-ruyasi.blogcu.com/inci/8802386

[11] www.esselam.net/…/bilim/hucre/hucre7.html

[12] ال عمران، 3 / 59؛ الروم، 30 20؛ الكهف، 18 / 37؛ الحج، 22 / 5؛ الفاطر، 35 / 11؛ الغافر، 40 / 67.

[13] وهو من حديث نوح إلى قومه.. إنه يكشف لهم عن تطورهم فى الخلق، وأنهم نبتوا من الأرض، كما ينبت النبات.. فمن تراب هذه الأرض تخلقت الكائنات الحية، ومن ترابها تخلق الإنسان. وإن أقرب صورة وأظهرها لتخلقه من الأرض: أن هذه النطفة التي تخلّق منها، هى من نبات الأرض، أي من الغذاء الذي مصدره هذا النبات.. فإذا امتد النظر إلى آفاق بعيدة وراء هذه النظرة المحدودة القريبة، أمكن أن يرى على الأفق البعيد: أن الإنسان فرع من شجرة الحياة التي تضرب جذورها فى أعماق بعيدة من الأرض. (التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم يونس الخطيب (المتوفى: بعد 1390هـ)، دار الفكر العربي – القاهرة).

[14] http://www.hurriyet.com.tr/yasam/3708815.asp

[15] مقاييس اللغة لابن فارس.

[16] ابن ماجة، كتاب النكاج، رقم الحديث: 1841.

[17] المصباح المنير، مادة: عنو.

[18] صحيح البخاري، باب ترك الحائض الصوم 6، رقم الحديث: 298.

[19] صحيح مسلم، باب الحيض 67.

[20] كتاب العين؛ تاج العروس؛ لسان العرب؛ المصباح المنير، مادة: قضى.

[21] سورة البقرة، 2 / 200.

[22] سورة النساء، 4 / 103.

[23] أحمد محمد الفيومي، المصباح المنير، لبنان 2001، ص. 519.

[24] صحيح البخاري، باب الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله، رقم الحديث: 88.