أولاً : خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة .
وهذا نصُّ خُطبته- صلى الله عليه وسلم- يوم عرفة؛ كما في حديث جابرٍ عند مسلم، وأبي داود وغيرهما، رَوَى مسلم في صحيحه عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جابرٍ، في حديث حجة الوداع، قال: حتى إذا زالت الشمس- يعني: يومَ عرفةَ- أمر بالقَصْوَاء فرُحِلَت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناسَ، وقال: ((إن دماءَكم، وأموالَكم حرامٌ عليكم، كحرمةِ يومِكم هذا، في شهرِكم هذا، في بلدِكم هذا.))
ألا كلُّ شيءٍ من أمرِ الجاهليةِ تحت قدَميَّ موضوعٌ، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أوَّل دمٍ أضعُ من دمائِنا دمُ ابنِ ربيعةَ بن الحارث، كان مسترْضِعًا في بني سعْد فقتلتْه هُذَيل.
ورِبا الجاهليةِ موضوعٌ، وأوَّل ربًا أضعُ من رِبَانا رِبَا العباسِ بن عبدالمطَّلب؛ فإنه موضوعٌ كلُّه.
فاتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمانةِ الله، واستحللتم فروجَهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحدًا تَكرَهُونه، فإن فعَلْن فاضرِبوهن ضربًا غير مبرِّح، ولهن عليكم رزقُهن وكسوتُهن بالمعروف.
وقد تركتُ فيكم ما لن تَضْلُّوا بعده- إن اعتصمتم به- كتابَ الله، وأنتم تُسْأَلون عني، فماذا أنتم قائلون؟))، قالوا: نشهَد أنَّك قد بلَّغت، وأدَّيت، ونصحتَ، فقال- بأصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء، ويَنكتُها إلى الناس- : ((اللهم اشهد))، ثلاث مرات؛ الحديثَ.




- حرمة الأموال واحترام الملكية الفردية :
قوله- صلى الله عليه وسلم- : ((إن دماءَكم وأموالكم حرامٌ عليكم، كحرمةِ يومِكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)): قال النوويُّ: "معناه متأكِّدة التحريمُ شديدتُه، وفي هذا دليلٌ لضرب الأمثال، وإلحاق النظير بالنظير قياسًا"؛ اهـ.
قلتُ: وفيه دليلٌ على احترامِ الأموال كاحترامِ الدماء والأعراض؛ حيث قَرَنها النبي- صلى الله عليه وسلم- بهما، وكما في الحديث الآخر: ((كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ: دمُه، ومالُه، وعِرضُه))


فالإسلام احترَم الملكيةَ أبلغَ احترامٍ، حيث أَمَر بقطعِ يدِ السَّارِق، متى انتَهَك حرمةَ مالِ الغيرِ بغيرِ حقٍّ ولا شبهةٍ، كما هو مقرَّر في كتب الأحكام، وجميع الأحاديث الواردة في هذا الصدَد تُحَافِظ على حرمةِ الملكية الفرديةِ، وصيانتها ، فيقول- عليه الصلاة والسلام- في الحديث الثابت في الصحيحين: ((إنما أنا بشرٌ، أقضِي بينكم على نحوِ ما أسمَع، ولعلَّ بعضَكم أَلْحَنُ بحجَّته من بعضٍ، فمَن قضيتُ له بحقِّ أخيه، فإنما أقتَطِع له قطعةً من النارِ، فلْيأخذْها أو لِيَذَرْها)).
وفي الصحيحين أيضًا: ((مَن حَلَف على يمينٍ فاجرةٍ؛ ليَقتَطِع بها مالَ امرئٍ مسلمٍ؛ لَقِي الله، وهو عليه غضبان)).
فيضع- صلى الله عليه وسلم- شتَّى الاحتياطات اللازمة لحماية المِلكية ، وصيانتها من أن تُقتَطَع بمختَلف الطرق، أو يتصل إليها بشتى الأسباب المبنيَّة على ظاهر الأمر دون باطنه، فيجعل حُكمه الصادر منه- صلى الله عليه وسلم- على نحوٍ مما يسمَع، غير مبيحٍ لانتهاكِ حرمةِ ذلك المال باطنًا، فهو ما يزالُ حرامًا على مَن قضى له به، بل هو كقطعةٍ من النار.
كما بيَّن أن اليمينَ الفاجرةَ لاقتطاع مال امرئٍ مسلم سببٌ لغضبِ الله وعقابه.
وفي قوله- صلى الله عليه وسلم- : ((صَلُّوا على صاحبِكم)): دلالةٌ واضحةٌ على احترامِ الملكيةِ الفرديةِ؛ حيث امتنع من الصلاة عليه، لِمَا تحمَّله في ذمتِه من مالِ الغيرِ




قوله:
((
كحرمةِ يومكم هذا، في شهرِكم هذا، في بلدِكم هذا))
أي:

أنه شبَّه تحريم الدمِ والمالِ والعِرضِ، بما هو مستقِرٌّ تحريمُه في نفوسِهم من ذلك اليومِ والشهرِ والبلدِ.
قال الحافظ:
"فيه تأكيدُ التحريمِ وتغليظُه بأبلغِ ممكنٍ من تَكرارٍ ونحوه، وفيه مشروعيةُ ضربِ المَثَل، وإلحاق النظير بالنظير؛ ليكونَ أوضحَ للسامعِ، وإنما شبَّه حرمةَ الدمِ والعِرْض والمال، بحرمةِ اليوم والشهر والبلد؛ لأن المخاطَبين بذلك كانوا لا يَرَون تلك الأشياء، ولا يَرَون هَتْكَ حرمتِها، ويَعِيبُون على مَن فعل ذلك أشدَّ العيب، وإنما قدَّم السؤالَ عنها تَذكارًا لحرمتٍها، وتقريرًا لِما ثَبَت في نفوسهم؛ ليبني عليه ما أراد تقريرَه على سبيل التأكيد.
وقوله:
((
ألا كلُّ شيءٍ من أمرِ الجاهليةِ تحت قدميَّ موضوعٌ، ودماء الجاهلية موضوعةٌ، وإن أوَّل دمٍ أضعُ دمُ ابن ربيعة بن الحارث كان مسترْضِعًا في بني سعْد، فقتَلَتْه هُذَيل، ورِبَا الجاهليةِ موضوعٌ، وأوَّل رِبًا أضعُ رِبَا العباس بن عبد المطلب؛ فإنه موضوعٌ كلُّه)).

في هذه الجملة إبطالُ أفعالِ الجاهلية، وبيوعِها التي لم يتصل بها قبضٌ، وأنه لا قِصاص في قتلها، وأن الإمام وغيرَه - ممن يأمر بالمعروف أو ينهى عن منكر - ينبغي أن يبدأ بنفسه وأهلِه؛ فهو أقربُ إلى قَبُول قولِه، وإلى طيب نفسِ مَن قرُب عهدُه بالإسلام.
وأما قوله: ((تحت قدميَّ)): فإشارةٌ إلى إبطاله.
وفي قوله: ((ألا كلُّ شيءٍ من أمر الجاهلية تحت قدميَّ موضوعٌ)):
إضافته إلى الجاهلية إضافةُ ذمٍّ وعيبٍ؛ أي: كلُّ ما كان من أمرِ الجاهلية: كفخرِها بالأحساب، وطعنِها في الأنساب، وتعصُّبها المذموم، كلُّه موضوعٌ باطلٌ؛ كما أشار إليه بقوله: ((تحت قدميَّ موضوعٌ)).
وقوله: ((ودماءُ الجاهلية موضوعةٌ))؛ أي: لا قِصاصَ فما دونه مما كان حاصلاً في الجاهلية.
- حرمة الربا وأضراره :
وقوله: ((وربَا الجاهلية موضوعة)):
الربا محرَّم بالكتاب والسنَّة والإجماع، ومفاسده كثيرة جدًّا، نسأل الله السلامة، وقد قال بعض العلماء: "إن أَكَلةَ الرِّبا مجرَّب لهم سوءُ الخاتمةِ، والعياذ بالله"، ومع هذا قد فشا الرِّبا في مجتمعنا فُشُوًّا شنيعًا ذريعًا، يُنذِر بضياع الثروة، ومحوِ البركة، وسقوط المحبة، وانعدام التعاطف والتراحم بين الناس، وآكلوا الرِّبا لا يَقُومُون يومَ القيامةِ، أو لا يَقُومُون في الدنيا إلا كما يَقُومُ الذي يتخبَّطه الشيطان - وهو المصروع - من المَسِّ، وهو الجنون، وهذا مُشاهَد فيهم في الدنيا؛ إذ هم - رغم وفرةِ أموالهم، ومزيد ثرائهم - لا يَزَالُون في هَمٍّ دائمٍ، وفكر مستمِرٍّ، وقد حرَمهم الله - تعالى - من اللذائذ رغم توافُرِ أسبابها، ومن النعم رغم وجود مقوِّماتها، وقد قال هؤلاءِ مثلَ ما قال الأوَّلون: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا )[البقرة: 275]، وساروا على نهجِهم، واتَّبعوا طريقتهم، ثم هو مخرِب البيوت، ومُزِيل الرحمة من القلوب، ومولِّد العداوة بين الأغنياء والفقراء؛ فإنه يُضْعِف التعاطف والتراحمَ، بل لا همَّ للأغنياء إلا ابتزازُ أموال الفقراء، بكونهم كالذئاب، كلُّ واحدٍ ينتظر الفرصة التي تمكِّنه من افتراس الآخر وأكْلِه، فحلَّت القسوةُ محل الرحمة، حتى إن الفقير ليموتُ جوعًا في البلاد التي يتعامل أهلُها بالرِّبا، ولا يجد مَن يجُود عليه بما يَسُدُّ رَمَقَه، فمُنِيت تلك البلاد بالانهيار الاقتصادي، والركود التجاري والبطالة؛ لذلك جاء الإسلام بتحريمِ التعامل بالربا، ليكون كلُّ واحدٍ من المسلمين عونًا لأخيه، لا سيما عند شدَّة الحاجة إليه، والله لا يشرَع للناسِ الأحكامَ بحسَب أهوائهم وشهواتهم كأصحاب القوانين، ولكن بحسَب المصلحة الحقيقية العامة الشاملة وهو أعلمُ بمصالح عباده.
ويتضمَّن:
1- مراعاة حقِّ النساء، والوصيَّة بهنَّ.
2- التمسُّك بالكتاب والسُّنة.
3- القرآن منهجٌ لِمَن تَمسَّك به.
وقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((وأوَّل ربًا أضعُ ربَا العباس بن عبدالمطلب؛ فإنه موضوعٌ كلُّه)).
هذا نظيرُ وَضْعه لدماء الجاهليَّة، فأوَّل دَمٍ وضَعه من دمائهم دَمُ ابن ربيعة بن الحارث، فالآمِر والناهي يَنْبَغي له أن يبدأَ بنفسه وبأهلِه؛ ليكون قُدوةً حَسَنة لغيره.
والرِّبا إذا وُضِع يبقى رأسُ المال لمالكه؛ كما في قوله - تعالى -: ( وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ) [البقرة: 279].
- مراعاة حق النساء والوصية بهن :
وقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((فاتَّقوا الله في النساء؛ فإنَّكم أخذتموهُنَّ بأمانةِ الله))، فيه الحثُّ على مراعاةِ حقِّ النساء، والوصية بهنَّ، ومعاشرتهنَّ بالمعروف؛ كما قال - تعالى -:( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) [النساء: 19].
قال ابنُ عطيَّة:
"وإلى معنى الآية يُنظَرُ قول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((فاسْتَمْتِع بها وفيها عِوَجٌ))؛ أي: لا يَكُنْ منك سوءُ عِشْرةٍ مع اعْوِجَاجها، فعنها تَنْشأ المخالَفة، وبها يقعُ الشِّقاق، وهو سببُ الخُلع"؛ اهـ.
إذ إنَّ مُداراةَ النِّساء والغَضَّ عمَّا يَحصل منهنَّ - من الاعوجاج والمخالفة - سببٌ للاستمتاعِ بهنَّ، وبقاءِ المعاشرة معهنَّ؛ قال الترمذي في جامعه: باب ما جاء في مُداراة النساء، وذكَر حديثَ أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ المرأة كالضِّلَع، إن ذهبْتَ تُقِيمُها، كسَرتها، وإن ترَكتها، اسْتَمْتَعْتَ بها على عِوَجٍ))".
فعلى الرجل مُعاشَرُتها بالمعروف والإحسان إليها، والتسامُح فيما يَصْدُر منها من خطأٍ ومخالفة، وعليه أن يَصونَها ويَحفظَها من مخالطة الرجال الأجانب، وألاَّ يَدَعَها تَجُوب الشوارعَ ومجتمعات الرجال؛ بحيث تكون مَطمعًا للفُسَّاق، وموضِعًا للسُّخرية، بل عليها ملازمَة بيتها، وتدبيرُ شؤونِها، والقيام على أطفالها، فهذا مما ينبغي للمرأة القيامُ به، وعلى الرجل أمرُها بذلك.
قوله: ((واسْتَحْلَلْتُم فُروجَهنَّ بكلمةِ الله)).
تنوَّعت عبارات العلماء في ذلك، فقيل: المراد بكلمة الله هو كلمة الإخلاص: لا إله إلا الله، محمد رسول الله؛ إذ إنَّ المسلمة لا تُباح لغير المسلم، وقيل: إنَّ كلمة الله هي قوله - تعالى -: ( فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [البقرة: 229]، وقيل: هي قوله - تعالى -: ( فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ) [النساء: 3].
وهذه الأقوال متلازِمة، فالرجل إذا تزوَّج المرأة، فعليه أن يُمسكَها بالمعروف إن رضِيَها والْتَأَمَت حاله معها، وإلاَّ فيُسَرِّحها بإحسانٍ؛ عملاً بالآية الكريمة، ثم هي لا تَحِلُّ له؛ حتى يكون من أهل شهادة أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، فالمسلمة لا تُباح لغير المسلم، وقد نكَحها امتثالاً لقول الله - تعالى -:(فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ) [النساء: 3].
قوله: ((ولكم عليهنَّ ألاَّ يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحدًا تَكرَهونه، فإن فَعَلْنَ ذلك، فاضْرِبُوهنَّ ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّح))؛ أي: لا يَأْذَنَّ لأحدٍ تَكرَهونه في دخول بيوتكم، والجلوس في منازلكم؛ سواءٌ كان المأذونُ له رجلاً أجنبيًّا أو امرأةً، أو أحدًا من محارِم الزوجة، فالنهي يَتناول جميعَ ذلك، وهذا حُكْم المسألة عند الفقهاء: إنها لا يَحِلُّ لها أن تَأْذَنَ لرجلٍ أو امرأة، ولا مَحرمٍ، ولا غيره - في دخول منزل الزوج، إلاَّ مَن عَلِمت أو ظنَّت أنَّ الزوج لا يَكرهه؛ لأنَّ الأصل تحريمُ دخول منزل الإنسان؛ حتى يُوجَد الإذنُ في ذلك منه، أو ممن أَذِن له في الإذن في ذلك، أو عُرِفَ رضاه باطِّراد العُرف بذلك ونحوه، ومتى حصَل الشكُّ في الرضا، ولَم يترجَّح شيءٌ، ولا وُجِدت قرينةٌ - لا يَحِلُّ الدخول ولا الإذن، والله أعلم.
وقوله: ((واضْرِبوهُنَّ ضَرْبًا غير مُبَرِّحٍ))؛ أي: غير شاقٍّ، ولا مُؤثِّرٍ، وفيه دليلٌ على جواز ضَرْب الرجل امرأتَه؛ للتأديب والمصلحة.
قوله: ((ولهنَّ عليكم رِزقُهنَّ، وكِسوتهنَّ بالمعروف))، فيه وجوب نفقة الزوجة وكِسوتها بالمعروف، وهو ثابتٌ بالكتاب والسُّنة والإجماع، ومثله إعدادُ مسكنٍ لها، مُلائمٍ لمثلها.



- لزوم التمسك بالكتاب والسنة :
قوله: ((وقد ترَكْتُ فيكم ما لن تَضِلُّوا بعده إن اعْتَصَمْتُم به، كتابَ الله)).
((ترَكتُ فيكم))؛ أي: فيما بينكم.
((ما لن تَضِلُّوا بعده))؛ أي: إن تمسَّكتُم به واعْتَصَمْتُم بما تضمَّنه من الأوامر والنواهي، واعْتَقَدتُم ما تضمَّنه من العقائد الحقَّة؛ إذ هو كتاب عزيزٌ، لا يَأْتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيم حميدٍ.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة - رحمه الله -:
"ومن أعظمِ ما أنعَم الله به على المسلمين، اعتصامُهم بالكتاب والسُّنة، فكان من الأصول المُتَّفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ، أنه لا يُقبل من أحدٍ قطُّ أن يُعارِض القرآن؛ لا برأيه ولا ذَوْقه، ولا مَعقوله ولا قياسه، ولا وَجْده؛ فقد ثبَت - بالبراهين القطعيَّات والآيات البيِّنات - أنَّ الرسول جاء بالهُدى ودينِ الحقِّ، وأنَّ القرآن يَهدي للتي هي أقوم، فيه نبَأُ مَن قبلهم، وخبرُ ما بعدهم، وحُكْم ما بينهم، هو الفصل ليس بالهَزْل، مَن ترَكه من جبَّار، قصَمه الله، ومَن ابتَغى الهدى في غيره، أضلَّه الله، هو حبلُ الله المتين، وهو الذِّكر الحكيم، وهو الصِّراط المستقيم، وهو الذي لا تَزيغ به الأهواء، ولا تَلتبس به الألْسُن، فلا يَستطيع أن يُزِيغَه إلى هواه، ولا يُحَرِّف به لسانه، ولا يَخلَق عن كَثرة التَّرداد، فإذا رُدِّد مرَّة، لَم يَخْلَق، ولَم يُمَلَّ كغيره من الكلام، ولا تَنقضي عجائبُه، ولا تَشبع منه العلماء، مَن قال به صدَق، ومَن عَمِل به أُجِر، ومَن حَكَم به عدَل، ومَن دعا إليه، هُدِي إلى صراط مستقيمٍ"؛ اهـ.
وما ضَعُف المسلمون وزَالَ ما كان لهم من المُلك الواسع، إلاَّ بإعراضهم عن هداية القرآن، ولا يعود إليهم شيءٌ -مما فقَدوا من العِزَّة والسيادة والكرامة- إلاَّ بالرجوع إلى هدايته، والاعتصام بحبله.
واقتصَر الرسول في خُطبته على ذِكر الكتاب دون ذِكر السُّنة؛ لاشتماله على الأمرِ بالعمل بالسِنة لقوله -تعالى-: ( أَطِيعُوا الله وَالرَّسُولَ ) [آل عمران: 32]، وقوله: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) [الحشر: 7]، ولقوله: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) [الأحزاب: 21].
والاعتصام به سببٌ لصلاح الدنيا والآخرة، فإنَّ مَن اعتَصَم به وعَمِل بأوامره ونواهيه - لن يضلَّ عن الصراط القويم، ولنَذكر ما قاله الإمام القرطبي في تفسيره من أنَّ القرآن مانعٌ لِمَن تمسَّك به من شرور الأعداء، وكَيْد أهل الجَوْر والظلم.
قال - رحمه الله تعالى - على قوله -*سبحانه-: ( وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا ) [الإسراء: 45]: "وعن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنها - قالت: لَمَّا نزَلت سورة ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ )[المسد: 1]، أقبَلَت العَوراء أُمُّ جميل بنت حربٍ، ولها وَلْوَلة، وفي يدها فِهرٌ، وهي تقول:
مُذَمَّمًا عَصَيْنَا
وَأَمْرَهُ أَبَيْنَا
وَدِينَهُ قَلَيْنَا
والنبي -صلى الله عليه وسلم- قاعدٌ في المسجد، ومعه أبو بكر -رضي الله عنه- فلمَّا رآها أبو بكر، قال: يا رسول الله، لقد أقبَلَتْ وأنا أخاف أن تَراك: قال رسول الله: ((إنها لن تَراني))، وقرَأ قرآنًا، فاعْتَصَم به كما قال، وقرأ: ( وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا ) [الإسراء: 45].
فوقَفتْ على أبي بكر -رضي الله عنه- ولَم تَرَ رسولَ الله، فقالت: يا أبا بكر، أُخْبِرتُ أنَّ صاحبَك هجَاني، فقال: لا وربِّ هذا البيت، ما هجاكِ، قال: فولَّتْ، وهي تقول: قد عَلِمت قريشٌ أني ابنة سيِّدها.
إلى أن قال: وقال كعب -رضي الله عنه- في هذه الآية: كان النبي يَستتر من المشركين بثلاثِ آيات: الآية التي في الكهف: (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ) [الكهف: 57].
والآية التي في النحل: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ الله عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ) [النحل: 108].
والآية التي في الجاثية: ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ الله عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ) [الجاثية: 23].
فكان النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- إذا قرَأَهُنَّ يَستتر من المشركين.
قال كعب - رضي الله عنه -: فحدَّثْتُ بهنَّ رجلاً من أهل الشام، فأتى أرضَ الروم، فأقام بها زمانًا، ثم خرَج هاربًا، فخرَجوا في طلبه، فقرَأ بهنَّ، فصاروا يكونون معه على طريقه، ولا يُبصرِونه.
قال الثعلبي:
"وهذا الذي يَرْوُونه عن كعب، حدَّثتُ به رجلاً من أهل الرَّي، فأُسِر بالدَّيْلَم، فمكَث زمانًا، ثم خرَج هاربًا، فخرَجوا في طلبِه، فقرَأ بهنَّ؛ حتى جَعَلتْ ثيابُهم لتَلْمِس ثيابَه، فما يُبصرِونه، قلتُ: ويُزاد إلى هذه أوَّل سورة "يس" إلى قوله: ( فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ).
فإنه جاء في السيرة في هجرة النبي ومقام علي -رضي الله عنه- في فراشه، قال: وخرَج رسول الله فأخَذ حَفْنة من ترابٍ في يده، وأخَذ الله - عزَّ وجلَّ - على أبصارهم عنه، فلا يَرونه، فجَعَل يَنثر ذلك التراب على رؤوسهم، وهو يتلو هذه الآيات: ( يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ) [يس: 1 - 5]، إلى قوله: ( وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ) [يس: 9].
حتى فرَغ رسول الله من هذه الآيات، ولَم يبقَ منهم رجلٌ إلاَّ وقد وَضَع على رأسه ترابًا، ثم انصرَف إلى حيث أراد أن يذهبَ، ولقد اتَّفق لي ببلادنا - الأندلس - بحصن منثورٍ من أعمال قرطبة مثلُ هذا؛ وذلك أنى هرَبتُ أمام العدوِّ، وانْحَزتُ إلى ناحية عنه، فلم أَلْبَث أن خرَج في طلبي فارسان، وأنا في فضاءٍ من الأرض، قاعدٌ ليس يَسترني عنهما شيءٌ، وأنا أقرأُ أوَّل سورة يس، وغير ذلك من القرآن، فعَبَرَا عليَّ، ثم رجَعا من حيث جاءَا، وأحدهما يقول للآخر: هذا "دِيَبْلَهُ" يَعْنيان شيطانًا، وأعمَى الله - عزَّ وجلَّ - أبصارَهم، فلم يَرَوني، والحمد لله حمدًا كثيرًا على ذلك".
ويتضمَّن:
1- حِفظ الله ووقايته لِمَن اعتصَم بكتابه العزيز.
2- دليل إثبات عُلُوِّ الله على عرشه.
3- الحِكَم التي اشْتَمَلت عليها خُطبته يوم النَّحر.
فانظر إلى حِفظ الله ووقايته لِمَن اعتَصَم بكتابه العزيز؛ حيث وقاهُم وحَفِظهم من بَأْس الصائلين، وكَيْد الكائدين، ولَم يتمكَّن أعداؤهم من الوصول إليهم، بل جعَل على أبصارهم غشاوةً تَمنعهم من رؤية مَن قصَدوه بسوءٍ وشرٍّ.
هذا الإمام القرطبي يَحكي عن نفسه بطلبِ فارسينِ له، وهو في فضاءٍ من الأرض، ليس يَستُره عنهما شيءٌ؛ لا شجرٌ، ولا جبلٌ، ولا غيرُهما، على الرغم من قُربهما منه ورؤيته لهما، وسَماعه لكلامهما، ومع هذا لَم يتمكَّنا من رؤيته، وإيقاع ضررٍ به، بل أعمى اللهُ أبصارَهما، فرَجعا خائبين، وحَفِظ اللهُ الإمامَ القرطبيَّ لَمَّا الْتَجَأ إلى الله، واعتصَم بكتابه العزيز.
قوله: ((وأنتم تُسْأَلون عني، فماذا أنتم قائلون؟))؛ أي: مسؤولون عن تبليغي وعدمه، فماذا أنتم قائلون في حقِّي؟ قال - تعالى -: ( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ )[الأعراف: 6].
وقولهم: "قالوا: نَشْهد أنَّك قد بلَّغتَ وأدَّيتَ"؛ أي: بلَّغتَ ما أُرْسِلتَ به إلى الناس كافَّة، وأدَّيتَ الأمانة التي حملتها أحسنَ أداءٍ وأكملَه.
"ونصَحتَ"؛ أي: بذَلت وُسْعك في نُصح أُمَّتك؛ بدَلالتهم على ما يَنفعهم في دينهم ودنياهم، وتَحذيرهم عن كلِّ ما يُردِيهم ويضرُّهم في دينهم ودنياهم، فلا خيرَ إلاَّ دلَّ الأُمَّةَ عليه، وأمرَهم به، وحثَّهم عليه، ورغَّبهم فيه، ولا شرَّ إلاَّ حذَّرها وأنذَرها عنه.
قوله: "فقال بإصبعه السَّبَّابة يَرفعها إلى السماء، ويَنْكُتها إلى الناس: ((اللهمَّ اشْهَد)) ثلاثَ مرَّات": فيه دليلٌ على إثبات عُلوِّ الله على عرشه؛ حيث رفَع إصبعه إلى السماء، ومن المُتَقرِّر عند أهل السنة والجماعة وسلفِ الأُمَّة من الصحابة والتابعين - أنَّ الله مُسْتَوٍ على عرشه، بائنٌ من خَلقه؛ كما قال - تعالى -: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) [طه: 5]، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًّا.
وقد ألَّف العلماء في هذه المسألة مؤلَّفاتٍ عدَّة؛ كالإمام الذهبي الذي ألَّف كتابًا سمَّاه "إثبات العُلو للعلي الغفار"، وكذلك موفَّق الدين ابن قدامة الحنبليُّ ألَّف كتابًا في ذلك أيضًا، وكُتُب العلماء مملوءَةٌ بذِكر الأدلَّة من الآيات والأحاديث وأقوال الصحابة والتابعين، وحتى العرب في جاهليَّتهم يَذكرون ذلك في أشعارهم، من أنَّ الله مُسْتَوٍ على عرشه، فلا نُطيل بذِكْر الأدلة في ذلك، فمَن طلَبها، وجَدها في أمكنتِها.
وقوله: "ويَنكُتها إلى الناس"، لا اختلاف بين الروايتين"؛ والمراد: يُقَلِّبها ويُرَدِّدها، يَستَشهِد اللهَ عليها بتبليغ رسالات ربِّه، وتَأْدِيته لِما اؤْتُمِن عليه من نُصحهم وإرشادهم، والصبر على أذاهم.

سماحة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد
منقوول بتصرف