عرض علي الذهاب إلى الكنيسة ، وأن يقرا علي الأب لاني أعاني من مشاكل لها علاقة بالسحر مع العلم بأنني ذهبت إلى الكثير من المشايخ ؟




الجواب :الحمد للهينبغي أن يعلم أن الرقية هي من أنواع العلاج الشرعية ، غير أن لها شروطا لنفعها ، وشروطا لقبولها ، كما أن للأدوية الحسية شروطا تناسبها .قَالَ ابن التِّين رحمه الله :" الرُّقَى بِالْمُعَوِّذَاتِ وَغَيْرهَا مِنْ أَسْمَاء اللَّه هُوَ الطِّبّ الرُّوحَانِيّ , إِذَا كَانَ عَلَى لِسَان الْأَبْرَار مِنْ الْخَلْق حَصَلَ الشِّفَاء بِإِذْنِ اللَّه تَعَالَى , فَلَمَّا عَزَّ هَذَا النَّوْع فَزِعَ النَّاس إِلَى الطِّبّ الْجُسْمَانِيّ وَتِلْكَ الرُّقَى الْمَنْهِيّ عَنْهَا الَّتِي يَسْتَعْمِلهَا الْمُعَزِّم وَغَيْره مِمَّنْ يَدَّعِي تَسْخِير الْجِنّ لَهُ ، فَيَأْتِي بِأُمُورٍ مُشْتَبِهَة مُرَكَّبَة مِنْ حَقٍّ وَبَاطِل ، يَجْمَع إِلَى ذِكْر اللَّه وَأَسْمَائِهِ مَا يَشُوبهُ مِنْ ذِكْر الشَّيَاطِين ، وَالِاسْتِعَانَة بِهِمْ وَالتَّعَوُّذ بِمَرَدَتِهِمْ , وَيُقَال : إِنَّ الْحَيَّة لِعَدَاوَتِهَا لِلْإِنْسَانِ بِالطَّبْعِ تُصَادِق الشَّيَاطِين لِكَوْنِهِمْ أَعْدَاء بَنِي آدَم , فَإِذَا عَزَّمَ عَلَى الْحَيَّة بِأَسْمَاءِ الشَّيَاطِين أَجَابَتْ وَخَرَجَتْ مِنْ مَكَانهَا , وَكَذَا اللَّدِيغ إِذَا رُقِيَ بِتِلْكَ الْأَسْمَاء سَالَتْ سَمُومهَا مِنْ بَدَن الْإِنْسَان , فَلِذَلِكَ كُرِهَ مِنْ الرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ بِذِكْرِ اللَّه وَأَسْمَائِهِ خَاصَّة ، وَبِاللِّسَانِ الْعَرَبِيّ الَّذِي يَعْرِف مَعْنَاهُ لِيَكُونَ بَرِيئًا مِنْ الشِّرْك , وَعَلَى كَرَاهَة الرُّقَى بِغَيْرِ كِتَاب اللَّه عُلَمَاء الْأَمَة " .انتهى .نقله الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " .وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله :" وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى جَوَاز الرُّقَى عِنْد اِجْتِمَاع ثَلَاثَة شُرُوط : أَنْ يَكُون بِكَلَامِ اللَّه تَعَالَى أَوْ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاته , وَبِاللِّسَانِ الْعَرَبِيّ أَوْ بِمَا يُعْرَف مَعْنَاهُ مِنْ غَيْره , وَأَنْ يَعْتَقِد أَنَّ الرُّقْيَة لَا تُؤْثَر بِذَاتِهَا بَلْ بِذَاتِ اللَّه تَعَالَى " انتهى . من " فتح الباري " .والحاصل أنه ليست كل رقية نافعة ، وليس كل ما نفع من الرقى مقبول شرعا ؛ بل لا بد من توفر الشروط السابق ذكرها فيها ، أيا كان الراقي .وإذا كان أهل العلم قد اشترطوا أن تكون الرقية باللسان العربي ، أو بما يعرف ، خشية أن يقع في كلام الراقي ما يكون شركا ، أو سببا من أسبابه ، من غير أن ينتبه المرقي ؛ فإن المشكلة تكون أعقد إذا كان الراقي من أهل الكتاب ، وهم أهل شرك ، والأصل فيهم أن يرقوا بما يوافق دينهم ، لا سيما إذا كانوا يرقون بلسان لا يعرفه المرقي ، ولا سيما ـ أيضا ـ إذا كان المرقي هو الذي ذهب إليهم في كنائسهم ، وبيعهم .وهذا هو عمدة من منع من رقية أهل الكتاب للمسلمين ، من أهل العلم .قال ابن عبد البر رحمه الله :" كان مالك يكره رقية أهل الكتاب وذلك - والله عز وجل أعلم - بأنه لا يدري أيرقون بكتاب الله تعالى أو بما يضاهي السحر من الرقى المكروهة " انتهى . من " الاستذكار " (9/376) .وَقَالَ الْمَازِرِيّ رحمه الله :" اُخْتُلِفَ فِي اِسْتِرْقَاء أَهْل الْكِتَاب فَأَجَازَهَا قَوْم وَكَرِهَهَا مَالِك لِئَلَّا يَكُون مِمَّا بَدَّلُوهُ . وَأَجَابَ مَنْ أَجَازَ بِأَنَّ مِثْل هَذَا يَبْعُد أَنْ يَقُولُوهُ , وَهُوَ كَالطِّبِّ سَوَاء كَانَ غَيْر الْحَاذِق لَا يُحْسِن أَنْ يَقُول وَالْحَاذِق يَأْنَف أَنْ يُبَدِّل حِرْصًا عَلَى اِسْتِمْرَار وَصْفه بِالْحِذْقِ لِتَرْوِيج صِنَاعَته . وَالْحَقّ أَنَّهُ يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاص وَالْأَحْوَال " انتهى . من " فتح الباري " .ولأجل ذلك المأخذ ، فإن من رخص في رقى أهل الكتاب ، من أهل العلم ، قد شرط فيه أن تكون الرقية بما يعرف من كلام الله وذكره .قال الربيع بن سليمان ، تلميذ الشافعي :" سَأَلْت الشَّافِعِيَّ عن الرُّقْيَةِ ؟ فقال : لاَ بَأْسَ أَنْ يرقى الرَّجُلُ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وما يَعْرِفُ من ذِكْرِ اللَّهِ .قُلْت : أيرقى أَهْلُ الْكِتَابِ الْمُسْلِمِينَ ؟فقال : نعم ؛ إذَا رَقُوا بِمَا يُعْرَفُ من كِتَابِ اللَّهِ ، أو ذِكْرِ اللَّهِ .فَقُلْت : وما الْحُجَّةُ في ذلك ؟قال : غَيْرُ حُجَّةٍ ؛ فَأَمَّا رِوَايَةُ صَاحِبِنَا وَصَاحِبِك ـ يعني : الإمام مالكا رحمه الله ـ ؛ فإن مَالِكًا أخبرنا عن يحيى بن سَعِيدٍ عن عَمْرَةَ بِنْتِ عبد الرحمن أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دخل على عَائِشَةَ وَهِيَ تَشْتَكِي وَيَهُودِيَّةٌ تَرْقِيهَا فقال أبو بَكْرٍ أرقيها بِكِتَابِ اللَّهِ " انتهى ."الأم" للشافعي (7/228) .ولا شك أن الأحوط للدين ، والأبرأ للذمة البعد التام عن استرقاء أهل الكتاب ، لا سيما وقد علم غشهم للمسلمين ، بل علم ـ أيضا ـ أنهم إما يستعينون بالجن والشياطين في علمهم ، بحيث تكون رقاهم هذه من جنس السحر ، أو يقربون الصليب إلى المريض ، ويستعينون بإخوانهم من الشياطين على ذلك ، على ما سبق شيء منه في كلام ابن التين رحمه الله .وأمر الرقية ميسور إن شاء الله ، كثير من يحسنه من المسلمين والصالحين ، ولا أنفع من أن يرقي الإنسان نفسه ، بكلام الله ، أو ما صح من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم .ولذلك أفتى علماء اللجنة الدائمة بمنع ذلك ، حيث سئلت :علاج الصرع عندنا في مصر هو الذهاب إلى الكنيسة خاصة كنيسة (ماري جرجس) ، أو الذهاب إلى السحرة والدجالين الذين ينتشرون في القرى ، وأحيانا يأتي بفائدة ، فهل هذا يجوز فعله ؟ مع العلم بأن الشخص المصروع إذا لم يسرعوا بعلاجه فإنه يهلك ويموت ؟ثم ما العلاج الذي شرعه الله لهذا الداء ، حيث إن لكل داء دواء إلا الهرم ؟ " .فأجاب علماء اللجنة :" لا يجوز الذهاب إلى الكنيسة لعلاج الصرع ، ولا إلى السحرة ولا إلى الدجالين ؛ أما طرق العلاج المباح فيعالج بالرقي المشروعة ، مثل قراءة القرآن؛ كسورة (الفاتحة) و (قل هو الله أحد) و (المعوذتين) و (آية الكرسي) ، وما ورد من الأذكار والأدعية الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم . وبالله التوفيق " انتهى ."فتاوى اللجنة" (1/292-293( .على أن دخول الكنائس ممنوع أيضا ، سواء كان للرقية أو غيرها ، إذا كان ذلك في يوم عيد من أعيادهم ، أو كان في تلك الكنيسة صورة من صورهم .روى ابن أبي شيبة في المصنف (8/291) : لَمَّا قَدِمَ عُمَرُ الشَّامَ أَتَاهُ رَجُلٌ مِنَ الدَّهَّاقِينَ ، فَقَالَ : إِنِّي قَدْ صَنَعْت لَكَ طَعَامًا فَأُحِبَّ أَنْ تَجِيءَ ، فَيَرَى أَهْلُ عَمَلِي كَرَامَتِي عَلَيْك ، وَمَنْزِلَتِي عِنْدَكَ ، أَوْ كَمَا قَالَ ، فَقَالَ : إِنَّا لاَ نَدْخُلُ هَذِهِ الْكَنَائِسَ ، أَوْ قَالَ : هَذِهِ الْبِيَعَ ، الَّتِي فِيهَا هذه الصُّوَرُ.والله أعلم .