بسم الله الرحمن الرحيم


الحرية داخل الأسرة .. ما هي حدودها ؟



مرتضى عبد الله


*هل نفتقد الحرية داخل بيوتنا ... أم أن المشكلة تكمن في الحرية الزائدة ؟
*العلمانيون يودون انفلات المجتمع وسيادة الإباحية !!
*الإسلام قدم الحرية في أعمق وأشمل صورها ..
لا بد من توافر الحرية داخل الأسرة .... الحرية تخلق الإنسان المتوازن صاحب المبادرة .
كل هذه وغيرها جمل ترددها أجهزة الإعلام يوميا وتردد ما هو أكبر من ذلك ... لدرجة أن إحدى الصحف نشرت موضوعاً تقول فيه" متى يؤدب الولد أباه "؟!! هذا الانفلات في علاج مشكلة الحرية داخل الأسرة - لو افترضنا وجودها - لا يساهم في حلّها , بل يزيدها تعقيدا . فهل فعلاً تفتقد بيوتنا أجواء الحرية كما يدعي العلمانيون الذين يقولون : إننا نحكم بالقهر والإذعان والرأي الواحد ...؟ وإذا كان هناك قصور تربوي فما هو سببه ؟ وكيف يمكن تداركه ؟ وما حدود هذه الحرية المدعاة ؟
يرى العلمانيون أننا نفتقد لمنظومة الحرية الاجتماعية , وأن طريقة المعاملة داخل الأسرة قائمة على أوامر فوقية من الأب أو الأم أو الأخ الأكبر إلى من يليه , ثم تقف الدائرة عند هذا الحد ولا تكتمل ولا يصدر رد الفعل المضاد . وأحياناً تدار الأمور بشكل عسكري .. والابن ما عليه إلا أن ينفذ !! ولم نعود أبناءنا بالقدر الكافي على المناقشة والاعتراض على أفكارنا !! وإنما نأمرهم أن يقتنعوا بأفكارنا كما هي , بل وينفذوها. وهكذا تتكون شخصية الطفل على عدم النقاش , حتى ولو كان الأمر واضح الخطأ ، وحينما يكبر الابن يفعل الشيء نفسه مع ابنه .
كما يعيب العلمانيون على نمط التربية التلقيني , بأن يقول الطفل كلمات وجملاً محددة في أوقات محددة , ثم يعتمد على الحفظ بدون تفكير ... وفي النهاية تكون المحصلة غير مرضية .
ويرد د. عبد الهادي محمود أستاذ العلوم التربوية على هذا الإدعاء بقوله :
إن إطلاق القول بأننا نفتقد الحرية داخل بيوتنا قول مبالغ فيه , ويعكس انهزاماً فكرياً ونفسياً أمام الدعاوى الغربية والعلمانية . هذا ليس دفاعاً منا عن أنظمة معيبة أو فاشلة .. فمجتمعاتنا ورثت من عصور الانحطاط والتخلف أمورا كثيرة , تقوم الآن الصحوة الإسلامية بتصحيحها خاصة في المجال الاجتماعي .
ويضيف : إن كل مجتمع يشمل في طياته فئات وفصائل مختلفة فهناك المجتمع الذي يعطي لأبنائه حرية كاملة ، وهناك المتشدد المتعسف ، وهناك من هو منضبط ومتوسط . والواقع أن معظم أسرنا الآن لا تنقصها الحرية كما يردد البعض بل على العكس , فأحياناً تزداد الحرية عن الحد المطلوب , إذ أصبح من حق الزوجة في بعض الأحيان الخروج دون إذن زوجها وكذلك الأبناء . ونجد كثيرا من الآباء يوفرون قدراً كبيراُ من الرفاهية لأسرهم , إذ يبالغون في تدليل الأبناء والزوجة , خاصة الفئات المهنية المرموقة .
هذا الجيل أفضل حظاً
وفي محاولة لرصد الواقع .. التقينا بالعم عبد الله درويش الذي يعمل بالتجارة وسألناه : كيف يربي أبناءه ؟ قال : أربيهم كما رباني والدي على الأخلاق وطاعة الله ورسوله , وقد أرسلت أبنائي إلى المدارس بنين وبنات . وطالما الأبناء يقومون بواجباتهم الدينية والمدرسية ولا يأتي أحدهم بمشكلة , وساعد الابن أباه وتساعد البنت أمها فليس لي عندهم شيء آخر . وأنا لا أستخدم العنف معهم , بل ربما أقسو عليهم في الكلام . سألته : هل تسمع لأحدهم أن يعارضك ؟ قال : إنني أكون في أسعد لحظات حياتي حينما يعارضني ابني وهو على صواب ، فهذا فخر لي ويثبت أنني قد نجحت في تربيته ، لكن يجب أن تكون معارضته لي بأدب .
أما الأستاذ أحمد العبد اللطيف مدرس اللغة العربية فيقول :" لقد أرهقت نفسي بالعمل فوق طاقتي لكي أوفر لأبنائي كل ما يحتاجونه ، وقد واجهتني عدة عقبات في تربيتهم استطعت بفضل الله أن أتغلب عليها بمساعدة والدتهم التي كان لها دور لا ينكر . أبنائي يعتبرونني صديقهم الـممـقر ب , حيث كنت ألاعبهم وهم صغار , وكثيراً ما كنت أخشى أن يتعودوا على التدليل الذي كان حتماً يسبب لهم مشاكل حينما يكبرون لكن ولله الحمد نضجت شخصيتهم بشكل مرضٍ جداً ". أما الأستاذ عبد الرحمن الصالح موظف متقاعد يقول : "إن هذا الجيل أفضل حظا من جيلنا الذي تعدى الستين عاماً الآن , فكل شيء متاح أمام هذا الجيل . قلت له ربما كنتم تخافونهم .. قال : لا بل كنا أفضل تربية من هذا الجيل الذي تأثر بدعاوى العولمة , فعلى سبيل المثال أخي تعلم التدخين في العشرين من عمره ، وكان والدي يدخن أيضاً ولكن حينما يلمحه قادماً يطفئ أخي السيجارة فوراً احتراماً وتقديراً لوالدي . أما الآن فالابن يرفع صوته في حضرة أبيه , ولا يشعل السيجارة في وجه أبيه فقط , بل ربما يطلب منه ولاعته ليشعل السيجارة .
ويستطرد الصالح قائلا : إن مشكلة هذا الجيل تنحصر في انعدام الحياء في التعامل مع آبائهم !!
العنف مع الأبناء موجود ... لكنه ليس القاعدة:
تقول الدكتورة زينب عبد الحفيظ -أخصائية الطب النفسي - : إن العنف الأسري موجود في مجتمعنا ويمارسه الآباء على الأبناء , وهذا ما اتضح لي من خلال احتكاكي بالمرضى ، لكنه قليل مقارنة بالمجتمعات الأخرى غير المسلمة . فقد صادفتني حالة لفتاة جامعية تعاني من الانطواء والاكتئاب , نتيجة للضغط الأسري عليها , ولضرب والدها لها , وتسفيهه لشخصيتها .. ونتيجة لذلك أصيبت بالتبول اللاإرادي , مما سبب لها مشاكل كثيرة .. ولكن بعد معالجة الضغوط الاجتماعية , وتنمية ثقتها في نفسها , والتفاهم مع والدها أمكن استيعاب الأمر وشفيت الفتاة تماماً .
وحالة أخرى قابلتني لطفل في المرحلة الابتدائية ، كان هذا الطفل يفتقد القدرة على الكلام , ويخاف من أقل شيء , ومتوتر دائماً نتيجة لضغط والده وقسوته عليه حتى يحقق حلمه فيه ، وبعد تخفيف تلك الضغوط , تحسنت حالته بشكل كبير .
وتضيف د. زينب : وللمحافظة على الأبناء أناشد الآباء والأمهات بعدم الإفراط في الحرية للأبناء , مما قد يسبب لهم حالة من عدم الانضباط ، وهذا ما نراه سائدا في مجتمعاتنا. وإن الفئة التي تمارس العنف ضد الأبناء هي فئة قاع المجتمع وغير المتعلمين ، وكلما ازدادت الحالة العلمية والاجتماعية , كلما زادت مساحة الحرية ، والواقع يؤكد ذلك ، فنسبة الانحرافات بين الأبناء تزداد في قاع المجتمع , كنتيجة للفقر والضغوط الحياتية التي تعيشها مجتمعاتنا ، وفي قمة المجتمع نجدها نتيجة الرفاهية والحرية المـطلقة ... ونجد جرائم القاع تكاد دائماً تنحصر في السرقة والتزوير ، أما جرائم القمة فكلها انهيارات أخلاقية كإدمان المخدرات أو العلاقات الجنسية غير الشرعية .
حدود الحرية:
أمامنا الآن سؤال ينبغي أن نطرحه وهو : ما هي حدود الحرية التي يجب أن تتاح داخل بيوتنا ؟
تجيب الدكتورة سارة المهدي - أستاذة علم الاجتماع - بأن البعض يريد أن يكون المعيار هو النمط الغربي .. فالفتاة هناك مثلاً إذا بلغت السادسة عشرة من عمرها تطلب منها أسرتها أن تترك المنزل وتبحث عن سكن وتعول نفسها , وإذا بقيت في المنزل يكون مفتاحها بيدها وتصطحب صديقها وتدخل به المنزل , وهذا يعد أمراً عادياً هناك ، والأم التي تجد ابنتها ليس لها صديق , أو لم تظهر عليها علامات جنسية , تخشى عليها أن تصاب بالتعقيد وتصبح غير سوية . هذا ما يريد العلمانيون أن يطبقوه في بلادنا , ولكنهم لا يجهرون به , إنما يحاولون تطبيقه خطوة خطوة ...
أما الحرية في المفهوم الإسلامي فهي غير ذلك تماماً ، فالحرية عندنا مكفولة للرأي مهما كان مخالفاً طالما لا يتعارض مع أصول ديننا الحنيف , وعلاقة الأب بالابن , والمعلم بالطالب , والزوجة بالزوج , كل ذلك واضح في شريعتنا بكل تفاصيله ، والأساس هو احترام الرأي واحترام آدمية الإنسان وصيانتها , ويجب أن يتعلم الصبي الحياء والخلق فهما سياجان يحفظانه من الزلل والخطأ. واحترام الأب والأم والبر بهما يشدد عليه الإسلام أيما تشديد ، وكذلك العطف على الأبناء .. ومن هنا جاء الترابط الأسري في المجتمع المسلم الذي يغيظ المنافقين فالأب ينبغي أن تبقى له هيبته ووقاره واحترامه .
وإذا أردنا أن نحقق مفهوم الحرية على أسمى صورها , فالأمر بسيط , وهو أن تكون المعيارية للإسلام وحدوده وأحكامه , فهو المعيار والمقياس , أما ما يقوله العلمانيون , فهو تحلل وضياع يجب ألا نلتفت إليه .
ويجب أن نعلم أن ما نراه من تجرؤ الأبناء على آبائهم لم يكن موجوداً قبل ذلك , وإنما جاء بعد انتشار دعاوى العلمانيين عن الحرية وترديد وسائل الإعلام لها .

فالتربية الجيدة السليمة للابناء تعطى الاطمئنان
و وقتها يكون لهم مطلق الحرية بلا خوف باذن الله