يا دعاة الإسلام الزموا الوحي



د. عائض القرني

الثلاثـاء 23 جمـادى الاولـى 1432 هـ

الأصل في الداعية أن يكون على منهج الأنبياء عليهم السلام في لزوم الوحي والدعوة إلى التوحيد الخالص وتعليم الناس سبيل النجاة في الآخرة، مع توجيههم في أمور دنياهم التوجيه الديني، أما أن يترك الداعية هذا المنهج ويتحول إلى تخصصات أخرى باسم الدعوة إلى الله فهذا خطأ؛ فتجد الكثير من الدعاة تركوا فقه الكتاب والسنة وإصلاح عقائد الناس وتقويم أخلاقهم. وذهبوا إلى حقول إدارة الوقت وفن التعامل مع الآخر واكتساب الأصدقاء وإدارة العلاقات الاجتماعية وفن الخطابة وقضايا الحب والتحدث عن المستحضرات التجميلية والفنون التشكيلية. وهذه التخصصات لها روادها والمتخصصون فيها، بل أصبحت هناك دورات تدريبية لكثير من الدعاة برسوم مالية في مشاريع دنيوية باسم الدعوة إلى الله تحت مسميات اكتساب المهارات وتنمية القدرات وتقوية اللياقات والمواهب، فلا آية ولا حديث ولا كتاب ولا سنة.
وأنا أعرف أن ديننا الإسلامي هو للدنيا والآخرة ولكل شؤون الحياة، لكن هناك مسلمين قائمين بهذه التخصصات؛ لأنهم قضوا حياتهم في تعلمها كالمهندس والطبيب والصيدلي والعسكري والمزارع والنجار والخياط والبناء وغيرهم، فيأتي الداعية فيترك تخصصه الشرعي في تعليم الناس ودعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة وإصلاح عقائدهم وتهذيب أخلاقهم، يترك هذا ويذهب يزاحم أهل التخصصات الأخرى، فيدخل في دورات ليس له فيها علم، ولم يدرسها أصلا ولكن ركوبا للموجة، وموافقة للموضة، واستفادة من الشهرة، تحت مفهوم أن الشريعة فيها صلاح كل شأن وتقويم كل اعوجاج، وهو كلام صحيح، ولكن تطبيقه من الدعاة خطأ، فأصبح بعضهم يجيب على الهواء مباشرة عن مسائل الحلال والحرام، والشؤون العسكرية، والسلم والحرب، والاقتصاد والتجارة، والأسهم والبنوك والبورصة، والعلاقات الدولية، والزلازل والبراكين، والكوارث الطبيعية، والمحاصيل الزراعية، وأزمة الغذاء، والماء والهواء والبطالة، وتحسين الأجور، والعمل والعمال، والتاريخ والجغرافيا، والطب الشرعي والطب البديل، وعلم النفس والاجتماع والفلسفة، والمشاركة في بعض الاكتشافات والاختراعات والكيمياء والفيزياء والسيمياء. فلا يعرف الاعتذار من أي جواب، ولا قول لا أدري، وكأن الله جمع فيه علم الشافعي والبخاري وابن سينا وابن خلدون والمتنبي والغزالي وشكسبير، فله إلمام بكل شيء، واطلاع على كل شيء بلا حدود ولا قيود ولا ضوابط، وأغلبها كلام في كلام، ونقطة من هنا ونقطة من هناك، المهم أن عنده مشاركة وهمة وتفاعلا اجتماعيا ودورات تدريبية وسكرتارية ولجنة إعلامية، فأين المنهج النبوي الصحيح من لزوم الوحي والتمسك بمنهج الأنبياء عليهم السلام في غرس الإيمان في النفوس وتعليم الناس العبادة والخلق الحسن وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر في سهولة ويسر ورفق وحكمة بلا تشدد ولا تكلف؟

وانظر لسيرة الأئمة من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين والمجددين كيف لزموا علم الشريعة ومسائل الإيمان وعلم الحلال والحرام، وتركوا التشدق والتفيهق والتنطع، فبارك الله في جهودهم، ونفع بدعوتهم، واهتدى بعلمهم خلق كثير، ثم إن هذا اللون الحادث الطارئ من الدعوة ما سمعنا به في آبائنا الأولين، فليس له مثيل ولا شبيه.

فيا دعاة الإسلام راجعوا أنفسكم، والزموا الوحي، وعودوا للكتاب والسنة، واحترموا التخصصات الأخرى التي ما درستموها، فلها أبطالها وجهابذتها، وقد كفوكم تبعتها، ورحم الله امرءا عرف قدر نفسه.