من كتاب قصص الأنبياء

للإمام الحافظ ابن كثير


أوحى الله عز وجل إلى عيسى بن مريم:

يا عيسى جد في أمري ولا تهن، وأسمع وأطع يا ابن الطاهرة البكر البتول، إنك من غير فحل، وأنا خلقتك آية للعالمين، إياي فأعبد

وعليَّ فتوكل، خذ الكتاب بقوة، فسر لأهل السريانية، بلغ من بين يديك أني أنا الحق

الحي القائم الذي لا أزول، صدقوا النبي الأمي العربي صاحب الجمل والتاج - وهي

العمامة - والمدرعة والنعلين والهراوة - وهي القضيب - الأنجل العينين، الصلت

الجبين، الواضح الخدين، الجعد الرأس، الكث اللحية، المقرون الحاجبين، الأقنى الأنف،

المفلج الثنايا، البادي العنفقة، الذي كأن عنقه إبريق فضة وكأن الذهب يجري في

تراقيه، له شعرات من لبته إلى سرته تجري كالقضيب، ليس على بطنه ولا على صدره

شعر غيره، شأن الكف والقدم، إذا التفت التفت جميعاً وإذا مشى كأنما يتقلع من صخر

وينحدر من صبب، عرقه في وجهه كاللؤلؤ وريح المسك ينفح منه، ولم ير قبله ولا

بعده مثله، الحسن القامة الطيب الريح، نكاح النساء ذا النسل القليل، إنما نسله من

مباركة، لها بيت - يعني في الجنة - من قصب لا نصب فيه ولا صخب، تكفله يا عيسى

في آخر الزمان كما كفل زكريا أمك، له منها فرخان مستشهدان وله عندي منزلة ليست

لأحد من البشر، كلامه القرآن ودينه الإسلام وأنا السلام، طوبى لمن أدرك زمانه وشهد

أيامه وسمع كلامه
.

قال عيسى:

يا رب.. وما طوبى، قال: غرس شجرة أنا غرستها بيدي، فهي للجنان كلها أصلها من رضوان وماؤها من تسنيم وبردها برد الكافور وطعمها طعم

الزنجبيل وريحها ريح المسك من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً

قال عيسى: يا رب.. اسقني منها. قال: حرام على النبيين أن يشربوا منها حتى يشرب ذلك النبي، وحرام على الأمم أن يشربوا منها حتى تشرب منها أمة ذلك النبي.
قال: يا عيسى، أرفعك إليّ. قال رب ولم ترفعني؟ قال: أرفعك ثم أهبطك في آخر الزمان لترى من

أمة ذلك النبي العجائب ولتعينهم على قتال اللعين الدجال، أهبطك في وقت صلاة ثم لا تصلي بهم لأنها مرحومة ولا نبي بعد نبيهم.


وقال هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، أن عيسى قال: يا رب أنبأني عن هذه الأمة المرحومة. قال: أمة أحمد، هم علماء حكماء كأنهم أنبياء، يرضون مني بالقليل من

العطاء وأرضى منهم باليسير من العمل، وأدخلهم الجنة بلا إله إلا الله. يا عيسى هم

أكثر سكان الجنة، لأنه لم تذل ألسن قوم قط بلا إله إلا الله كما ذلت ألسنتهم، لم تذل

رقاب قوم قط بالسجود كما ذلت به رقابهم.


رواه ابن عساكر. وروى ابن عساكر من طريق عبد الله بن بديل العقيلي، عن عبد الله بن عوسجة

قال: أوحى الله إلى عيسى بن مريم:

أنزلني من نفسك كهمك، واجعلني ذخراً لك في معادك، وتقرب إليَّ بالنوافل أحبك ولا

تول غيري فأخذلك، اصبر على البلاء وارض بالقضاء، وكن لمسرتي فيك، فإن مسرتي

أن أطاع فلا أعصى، وكن مني قريباً وأحيي ذكري بلسانك، ولتكن مودتي في صدرك،

تيقظ من ساعات الغفلة واحكم في لطيف الفطنة، وكن لي راغباً راهباً وأمت قلبك في

الخشية لي، وراع الليل لحق مسرتي وأظم نهارك ليوم الري عندي، نافس في الخيرات

جهدك، واعترف بالخير حيث توجهت، وقم في الخلائق بنصيحتي، واحكم في عبادي

بعدلي، فقد نزلت عليك شفاء وسواس الصدور من مرض النسيان وجلاء الأبصار من

غشاء الكلال ولا تكن حلماً كأنك مقبوض وأنت حي تنفس.

يا عيسى بن مريم.. ما آمنت بي خليقة إلا خشعت، ولا خشعت لي إلا رجت ثوابي

فأشهدك أنها آمنة من عقابي ما لم تغير أو تبدل سنتي.

يا عيسى بن مريم البكر البتول.. أبك على نفسك أيام الحياة بكاء من ودع الأهل وقلا

الدنيا وترك اللذات لأهلها وارتفعت رغبته فيما عند إلهه، وكن في ذلك تلين الكلام

وتفشي السلام، وكن يقظان إذا نامت عيون الأبرار، حذار ما هو آت من أمر المعاد

وزلزال شدائد الأهوال، قبل أن لا ينفع أهل ولا مال، وأكحل عينك بملول الحزن إذا

ضحك البطالون، وكن في ذلك صابراً محتسباً، وطوبى لك إن نالك ما وعدت الصابرين،

أرج من الدنيا بالله يوم يبعثون وذق مذاقة ما قد حزب منك أين طعمه، وما لم يأتك

كيف لذته، فرح من الدنيا بالبلغة، وليكفك منها الخشن الجيب، وقد رأيت إليَّ ما يصير

أعمل على حساب فإنك مسؤول، لو رأت عيناك ما أعددت لأوليائي الصالحين ذاب قلبك وزهقت نفسك.


.