مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ "(هود:56).



هــذا النص القرآني الكريم جاء في نهاية النصف الأول من سورة هود‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها مائة وثلاث وعشرون ‏(123)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت باسم نبي الله هود ـ عليه السلام ـ الذي بعثه الله ـ تعالى ـ إلى قومه ‏ـ‏ قبيلة عاد‏ ـ‏ وكانوا عرباً أشداء‏,‏ غلاظاً جفاة متكبرين‏,‏ عتاة متمردين على الحق وجنده‏,‏ سكنوا منطقة الأحقاف في الركن الجنوبي الشرقي من شبه الجزيرة العربية‏,‏ وعلوا فيها علواً كبيرا‏ًً,‏ فعبدوا الأصنام والأوثان‏,‏ وأشركوها في عبادتهم لله ـ تعالى ـ بعد أن كانوا على شريعة نبي الله نوح ـ عليه السلام ـ وذلك بدلاً من حمد الله على ما كان قد وهبهم من بسطة في الجسم‏,‏ ووفرة في الرزق‏,‏ فكانوا أول من أشرك بالله وأفسد في الأرض من بعد نبي الله نوح ـ على نبينا وعليه من الله السلام ـ ولذلك أرسل الله ـ سبحانه وتعالى ـ إليهم نبيه هوداً ـ عليه السلام ـ فدعاهم إلى عبادة الله ـ تعالى ـ وحده بما أمر‏,‏ وإلى إقامة عدله في الأرض‏,‏ وإلى عمارتها وحسن القيام بواجبات الاستخلاف فيها‏,‏ فكذبوه‏,‏ وخالفوه‏,‏ واضطهدوه، وحاربوه هو والذين آمنوا منهم معه، فسخر الله ـ سبحانه وتعالى ـ عليهم ريحاً صرصراً عاتية أهلكتهم‏,‏ ونجَّى الله نبيه هوداً والذين آمنوا معه، فالتجأوا إلى مكة المكرمة يعبدون الله ـ تعالى ـ عند أول بيت وضع للناس في الأرض حتى توفاهم الله‏,‏ وكان من ذريتهم قوم ثمود الذين سكنوا الحجر ـ مدائن صالح ـ في الشمال الغربي من مدينة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم .
ويدور المحور الرئيسي لسورة هود حول قضية العقيدة الإسلامية شأنها في ذلك شأن كل السور المكية ‏.‏

وتبدأ سورة هود بالحروف المقطعة الثلاثة‏(‏ الر‏)‏، ثم بالثناء على القرآن الكريم وبالدعوة إلى التوحيد الخالص لله ـ تعالى ـ‏‏ وبالمداومة على استغفاره والتوبة إليه،‏‏ وبالتحذير من الآخرة وأهوالها، وبالتأكيد على أن الله ـ تعالى ـ لا يخفى عليه شيء فهو عليم بذات الصدور‏,‏ وفي ذلك تقول ‏:‏ " الـر .كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ . أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ‏. وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ . إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏ . أَلاَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ "‏ ‏ ‏**(‏هود‏:1‏ ـ ‏5)‏ .
وتستعرض سورة هود عدداً من الآيات الكونية الدالة على طلاقة القدرة الإلهية‏ مؤكدة أن خلق السماوات والأرض هو لابتلاء الناس أيهم أحسن عملا‏ًً، ومستنكرة كفر المستهزئين بالبعث بعد الموت‏‏، واستبطاءهم نزول عذاب الله بهم‏، وقاطعة بحتمية نزوله حيث تقول‏: " وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ " (‏هود‏:8) .‏
ثم تتحدث الآيات عن شيء من طبائع النفس الإنسانية لتقول ‏:‏ " وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ . وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ‏"(‏هود‏:9‏ ـ‏11) .‏
وتتوجه الآيات بالخطاب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ معاودة التأكيد على حجية القرآن الكريم‏,‏ ومتحدية الخلق أجمعين بالإتيان بشيء مثله لتقول‏ :‏ " فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ . أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ . ‏ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ "‏ (‏هود‏:12‏ ـ‏14) .‏
وتستمر الآيات في التأكيد على الفارق الكبير بين طلاب الدنيا وطلاب الآخرة، وجزاء كلٍ منهما‏،‏ ومؤكدة إعجاز القرآن الكريم الذي يشهد له بأنه كلام رب العالمين‏، كما يشهد له كتاب موسى من قبل ـ وهو التوراة ـ وتأمر خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلوات الله وسلامه عليه ، والخطاب أيضا لأمته ـ ألا يشك هو أو أحد منهم في ربانية القرآن الكريم فتقول ‏:‏ "مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ .‏ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏ . أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ‏ " ‏(‏هود‏:15‏ ـ‏17)‏.
والذي على بينة من ربه هو الذي يريد بعمله وجه الله ـ تعالى ـ وبينته هي آيات القرآن الكريم، وتعبير‏ " ‏وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ‏"‏ أي ويؤيد القرآن الكريم شاهد من إعجازه في كل جزئية منه على أنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية، بل هو كلام الله الخالق‏,‏ والتوراة الصحيحة مؤيدة لما جاء به‏,‏ فلا يجوز لمؤمن أن يشك في كون القرآن الكريم منزلاً من الله ـ تعالى ـ‏ والخطاب لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمراد به أمته‏ .
‏ ويلي ذلك بيان من الله ـ تعالى ـ لأحوال كلٍ من المؤمنين والكافرين في الآخرة، ولشيء من أوصافهم في الدنيا، وفي ذلك تقول الآيات ‏:‏ "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ‏ .‏ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ .‏أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ العَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ . أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ‏ . لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ‏ .‏ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ . مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ‏" ‏ ‏(‏هود‏:18‏ ـ‏24)‏ .
وبعد ذلك تنتقل الآيات إلى الاستعراض السريع لقصص سبعة من أنبياء الله هم نوح ‏(‏الآيات‏:25‏ ـ‏49)،‏ هود ‏(‏الآيات‏:50‏ ـ‏60)،‏ صالح‏ (‏الآيات‏:61‏ ـ‏68)،‏ إبراهيم‏ (‏الآيات‏:69‏ ـ‏76)،‏ لوط ‏(‏الآيات‏:77‏ ـ‏83)، شعيب‏ (‏الآيات‏:84‏ ـ‏95)،‏ وموسى ‏(‏الآيات‏:96‏ ـ‏110,99)‏ ـ على نبينا وعليهم جميعا من الله السلام ـ وهذا الاستعراض يلخص حركة الإيمان والكفر عبر حقبة طويلة من تاريخ البشرية لم يكن مدوناً عنها شيء عند أهل مكة ولا عند أهل الجزيرة العربية، وغالبية سكانها كانت من الأميين حتى في المنطقة الجنوبية الغربية‏ .‏ ووسط هذا الركام من الجاهلية والشرك‏,‏ والتخمين والحدس أنزل ربنا ـ تبارك وتعالى ـ خاتم كتبه‏ ـ‏ القرآن الكريم‏ ـ‏ يحوي ركائز الدين من العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات‏ ،‏ كما يحوي القصص الحق‏,‏ والخطاب الصحيح إلى النفس الإنسانية‏,‏ والإشارات العلمية الدقيقة‏‏ إلى بعض أشياء وسنن هذا الكون‏,‏ وغير ذلك من صور الحق‏,‏ ومن هنا تخاطب الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ ‏:‏ " ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ القُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ ‏ .‏ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوَهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ‏ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ "‏ (‏هود‏:100‏ ـ‏102) .‏
ثم تنتقل الآيات إلى الحديث عن شيء من أحوال الآخرة وأهوالها، وعن مصائر كلٍ من الأشقياء والسعداء فيها‏ .
‏ وتنتقل سورة هود إلى خطاب من الله ـ تعالى ـ إلى خاتم أنبيائه ورسله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإلى جميع المؤمنين برسالته إلى يوم الدين يقول فيه ‏:‏
" فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ‏ .وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ‏" ‏‏(‏هود‏:112‏ ـ‏115) .‏
ثم تنتقل الآيات إلى امتداح أهل الصلاح الذين ينهون عن الفساد في الأرض‏، وإلى ذم الظالمين المجرمين فيها‏، مؤكدة أن هلاك الأمم السابقة كان سبب فسادها‏ ، ومؤكدة أيضاً استمرار اختلاف الناس، ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة‏,‏ وأن جهنم سوف تُملأ بعصاة " الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ‏" .‏
وكما بدأت سورة هود بامتداح القرآن الكريم، وبالثناء على ما جاء به من قصص الأولين‏,‏ تختتم بالتأكيد على أن الهدف من هذا القصص هو تثبيت خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتثبيت المؤمنين معه‏,‏ والمؤمنين به من بعده إلى يوم الدين فتقول مخاطبة هذا النبي الكريم ‏:‏ " وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ‏ . وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ .‏ وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ‏ . وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُكُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ " ‏(‏هود‏:120‏ ـ‏123) .‏

من ركائز العقيدة في سورة هود :
‏(1)‏ الإيمان بالله ـ تعالى ـ رباً واحداً أحداً‏,‏ فرداً صمداً ، بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد‏,‏ وتنزيهه ـ سبحانه وتعالى ـ عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ واليقين بأنه ـ تعالى ـ عليم بذات الصدور‏,‏ وأنه هو الرزاق ذو القوة المتين‏,‏ وأنه على كل شيء حفيظ‏,‏ وأنه هو الرحيم الودود‏,‏ العزيز‏,‏ الجبار‏,‏ المتكبر‏,‏ وأنه هو المستحق وحده للخضوع بالعبادة والطاعة لجلاله‏,‏ وطلب مرضاته‏,‏ والتوكل عليه‏,‏ والإنابة إليه‏,‏ وأنه ـ تعالى ـ هو الذي يوفِّي الخلائق المكلفة أجورهم في الدنيا قبل الآخرة‏,‏ ولا يبخس لأي منهم حقاً من حقوقهم الدنيوية أياً كانت عقائدهم ،فإن كانت صالحة سعدوا بأجري الدنيا والآخرة‏,‏ وإن كانت عقائدهم فاسدة فليس لهم في الآخرة إلا النار ‏.‏
‏(2)‏ اليقين بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه‏,‏ على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية، وحفظه حفظاً كاملاً في نفس لغة وحيه ـ اللغة العربية ـ‏ وأن هذا الكتاب المجيد قد أُحكمت آياته ثم فُصِّلت من لدن حكيم خبير‏,‏ ولذلك فهو يتحدى الخلائق ـ فرادى ومجتمعين ـ أن يأتوا بشيء من مثله‏,‏ مؤكداً أنهم لن يستطيعوا ذلك أبداً ‏.‏
‏(3)‏ التسليم بحتمية الموت‏,‏ وبحقيقة كلٍ من البعث‏,‏ والحشر‏,‏ والحساب‏,‏ والجزاء‏,‏ والخلود في الآخرة إما في الجنة أبداً أو في النار أبدا‏ًً,‏ والاستعداد لملاقاة ذلك جهد الطاقة ‏.‏ ‏
(4)‏ التصديق بحقيقة الوحي‏,‏ وببعثة الأنبياء والمرسلين‏,‏ والإيمان بهم أجمعين، وبما جاءوا به من هداية رب العالمين‏,‏ دون أدنى تفريق أو تمييز‏,‏ وعلى قمة ذلك الإيمان ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين ، والتصديق بالرسالة الخاتمة التي جاء بها‏,‏ والتي نسخت كل ما جاء قبلها‏ ، والتأكيد على أن دور كل نبي وكل رسول من أنبياء الله ورسله هو التبشير والإنذار‏,‏ دون أدنى إكراه أو إجبار‏,‏ وعلى أن الحسنات يذهبن السيئات‏,‏ وأن الله ـ تعالى ـ لا يضيع أجر المحسنين‏,‏ وأن من الإحسان إحقاق الحق وإزهاق الباطل‏,‏ والجهاد من أجل إقامة دين الله وعدله في الأرض‏,‏ والوفاء بكلٍ من الوزن والكيل بالقسط‏,‏ والعمل على الإصلاح في الأرض ومنع الإفساد فيها‏ .‏ ‏
(5)‏ اليقين بأن جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات هي الجنة فيها يخلدون‏ .


من الإشارات الكونية في سورة هود : ‏
(1)‏ الإشارة إلى حقيقة أن الله ـ تعالى ـ هو الذي يرزق كل دابة في الأرض‏,‏ وأنه يعلم مستقرها‏ ـ‏ أي مكان وجودها على الأرض‏,‏ أو موضعها في سلاسل حاملات الوراثة، وهي في أصلاب آبائها قبل ميلادها,‏ ويعلم مستودعها‏ ـ أي مصيرها بعد موتها‏ ـ‏ أو ما استودع الله ـ تعالى ـ صلب كل فرد منها من ذريات تحملها الشيفرة الوراثية الخاصة بكل منها‏,‏ وأنه ـ تعالى ـ آخذ بناصية كل حي‏ ـ أي يملكه ويحفظه ويقهره‏ ـ وأن ذلك كله مدون عنده في كتاب مبين ‏.‏
‏(2)‏ التأكيد على خلق السماوات والأرض في ستة أيام ـ أي على ست مراحل ـ والله ـ تعالى ـ قادر على أن يقول للشيء‏ :‏ كن فيكون‏، ‏ والجزم بحتمية فناء ذلك كله ثم بعثه‏ .‏
‏(3)‏ وصف جانب من طبائع النفس البشرية في كل من حالات الضيق والسعة‏,‏ من اليأس والقنوط أو الفخر والزهو بالنفس‏ .‏*
‏(4)‏ الإشارة إلى تنوع صفات الناس مع توحد أصولهم التي تنتهي إلى أب واحد وأم واحدة .‏
‏(5)‏ ذكر غيوب السماوات والأرض‏,‏ والتأكيد على وجود مرجعية للكون هي الخالق البارئ المصور الذي إليه يرجع الأمر كله‏، ‏ والعلوم المكتسبة بدأت في التوصل إلى شيء من ذلك‏ .‏
‏(6)‏ سرد قصص سبعة من أنبياء الله‏,‏ ووصف تفاعل أممهم معهم‏، وتسجيل ما أصاب العاصين من أبناء تلك الأمم من مختلف صنوف العذاب الدنيوي‏، ‏ والكشوف الأثرية تثبت ذلك وتؤيده ‏.‏
‏(7)‏ التأكيد على أن سفينة نبي الله نوح ـ عليه السلام ـ رست فوق جبل الجودي،‏ والكشوف الحديثة تثبت ذلك وتؤيده ‏.
‏(8)‏ توجيه الخطاب إلى قوم ثمود بأن الله ـ تعالى ـ قد أنشأهم من الأرض واستعمرهم فيها‏،‏ وهذا الوصف العلمي الدقيق الذي ينطبق على جميع البشر بدأت الدراسات العلمية في تأكيده‏ .‏



من أقوال المفسرين:
في تفسير قوله ـ تعالى ـ على لسان نبيه هود ـ عليه السلام ـ لقومه‏ : "‏ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ‏ "‏ ‏(‏ هود‏:56).ذكر ابن كثير ـ يرحمه الله ـ ما مختصره‏ :...‏ أي ما من دابة إلا تحت قهره وسلطانه‏,‏ وهو الحاكم العادل الذي لا يجور في حكمه‏,‏ فإنه على صراط مستقيم‏,‏ وقد تضمن هذا المقام حجة بالغة‏,‏ ودلالة قاطعة على صدق ما جاءهم به‏,‏ وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام‏‏ التي لا تنفع ولا تضر‏,‏ بل هي جماد لا تسمع ولا تبصر‏,‏ ولا توالي ولا عادي‏,‏ وإنما الله وحده هو الذي يستحق إخلاص العبادة؛ لأنه ما من شيء إلا تحت ملكه وقهره وسلطانه‏,‏ فلا إله إلا هو ولا رب سواه‏ .‏ (انتهى قول ابن كثير) ‏‏.وجاء في تفسير الجلالين‏ ـ‏ رحم الله كاتبيه‏ ـ‏ ما نصه‏ :..."‏ دَابَّةٍ "‏ نسمة تدب على الأرض . " ‏إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ‏"‏ أي‏:‏ مالكها وقاهرها‏,‏ فلا نفع ولا ضرر إلا بإذنه‏,‏ وخص‏(‏الناصية‏)‏ بالذكر؛ لأن من أُخذ بناصيته يكون في غاية الذل ."‏ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ‏‏ "‏ أي‏:‏ طريق الحق والعدل‏....‏ (انتهى قول المفسر)

‏ وذكر صاحب الظلال ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ ما مختصره‏ :...‏ ومهما أنكرتم وكذبتم فهذه الحقيقة قائمة‏,‏ حقيقة ربوبية الله لي ولكم‏,‏ فالله الواحد هو ربي وربكم‏؛‏ لأنه رب الجميع بلا تعدد ولا مشاركة‏..."‏ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا " ..‏ وهي صورة محسوسة للقهر والقدرة‏,‏ تصور القدرة آخذة بناصية كل دابة على هذه الأرض‏,‏ بما فيها الدواب من الناس‏ .‏ والناصية أعلى الجبهة‏,‏ والأخذ بالناصية هو القهر والغلبة والهيمنة‏,‏ في صورة حسية تناسبالموقف‏,‏ وتناسب غلظة القوم وشدتهم‏,‏ وتناسب ضخامة أجسامهم وبنيتهم‏, وتناسب تبلد حسهم ومشاعرهم‏..‏ وإلى جانبها تقرير استقامة السنة الإلهية في اتجاهها الذي لا يحيد‏ :"‏ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ‏"...‏ فهي القوة والاستقامة والتصميم‏ .‏
وفي هذه الكلمات القوية الحاسمة ندرك سر ذلك الاستعلاء‏,‏ وسر ذلك التحدي‏..‏ إنها ترسم صورة الحقيقة التي يجدها نبي الله هود ـ عليه السلام ـ في نفسه من ربه‏...‏ إنه يجد هذه الحقيقة واضحة‏..‏ إن ربه ورب الخلائق قوي قاهر‏: " ‏مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ‏"...‏ وهؤلاء الغلاظ الأشداء من قومه إن هم إلا دواب من تلك الدواب التي يأخذ ربه بناصيتها ويقهرها بقوته قهرا‏ًً.‏ فما خوفه من هذه الدواب وما احتفاله بها‏ ,‏ وهي لا تسلط عليه ـ إن سلطت ـ إلا بإذن ربه ؟ وما بقاؤه فيها وقد اختلف طريقها عن طريقه؟ .
إن هذه الحقيقة التي يجدها صاحب الدعوة في نفسه‏,‏ لا تدع في قلبه مجالا للشك في عاقبة أمره‏,‏ ولا مجالاً للتردد عن المضي في طريقه‏.‏ إنها حقيقة الإلوهية كما تتجلي في قلوب الصفوة المؤمنة أبدا‏ًً....‏ (انتهى قول المفسر) ‏
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏ ـ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة‏ ـ‏ ما نصه‏: " ‏آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ‏" مالكها وقاهر لها‏ .‏ والأخذ‏:‏ التناول بالقهر‏,‏ والناصية منبت الشعر في مقدم الرأس‏,‏ ويطلق على الشعر النابت نفسه ‏.‏ والكلام كناية أو مجاز عن القهر والغلبة‏,‏ وإن لم يكن هناك أخذ بالناصية‏....‏ (انتهى قول المفسر)
وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم ـ جزاهم الله خيرا ـ ما نصه‏ :‏ إنني اعتمدت على الله‏,‏ وهو مالك أمري وأمركم‏,‏ الذي لا يعجزه شيء عن رد كيدكم، وهو القادر على كل شيء، فما من دابة إلا وهو مالك أمرها ومتصرف فيها‏,‏ فلا يعجزه حفظي من أذاكم‏,‏ ولا يعجزه إهلاككم‏,‏ وإن أفعال ربي تجري على طريق الحق والعدل في ملكه‏,‏ فينصر المؤمنين المصلحين‏,‏ ويخذل الكافرين المفسدين ‏.‏ (انتهى قول المفسر) ‏
وجاء في بقية التفاسير كلام مشابه لا أرى حاجة إلى تكراره هنا ‏.‏


من الدلالات العلمية للنص الكريم :
‏(‏الناصية‏)‏ واحدة ‏(‏النواصي‏)‏ : وهي الجبهة أو مقدم الرأس‏,‏ وهي المسافة من فوق العينين إلى منبت الشعر في مقدم الرأس ‏.‏ والأخذ بالناصية هو كناية أو مجاز عن تمام التحكم والقهر والغلبة وكمال التمكن‏,‏ وإن لم يكن هناك أخذ فعلي بالناصية‏ .‏والأخذ بالناصية حقيقة أو مجازاً فيه إشارة إلى أهمية الناصية في اتخاذ القرارات‏,‏ والتصرفات‏,‏ والحكم على الأشياء‏,‏ وهي حقيقة لم تبدأ العلوم المكتسبة في التوصل إلى معرفة شيء عنها إلا مع بدايات النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي‏,‏ حين تعرض أحد العمال الأمريكيين في صيف سنة ‏1848‏ م لحادث تفجير أصاب ناصيته‏,‏ وكان اسم هذا العامل فينياس ب‏.‏ جيـــــدج(Phineas P.Gage),‏ وكان يعمل في شق طريق لخط من خطوط السكك الحديدية في الجزء الشمالي الشرقي من الولايات المتحدة الأمريكية‏,‏ وفي أثناء تفجير إحدى الوحدات الصخرية تطايرت أَجَنَة ‏(‏قضيب حديدي ثقيل‏)‏ تزن حوالي ‏(13)‏ رطلاً لتضربه في جبينه مزيلة جزءاً من جمجمته ومعها جزء من مقدمة مخه مما تحت الجبهة تماماً‏,‏ وبالإسعافات العاجلة نجا هذا الشاب من الموت‏,‏ وبعد شفائه لوحظت عليه تغيرات عديدة في شخصيته حولته إلى إنسان مغاير لأصله‏,‏ وإن بقي قادراً على كلٍ من الكلام‏,‏ والسمع والبصر‏,‏ والشم والتذوق‏,‏ واللمس والقدرة على التحكم في حركات أعضاء بدنه بطريقة طبيعية وهو ابن الخامسة والعشرين في العمر‏,‏ وكان من أوضح التغيرات التي طرأت على تصرفاته الميل إلى العدوانية الشديدة‏,‏ وإلى سرعة الغضب والإكثار من الكذب‏,‏ وإلى عدم الشعور بالمسئولية‏,‏ وإلى فقدان القدرة على كلٍ من الإرادة والتخطيط‏,‏ ومواجهة المشاكل بثبات واتخاذ القرار المناسب‏,‏ والتحكم في النفس‏,‏ والتعبير عن الذات‏,‏ وعلى التخطيط‏ ,‏ وعلى التفاعل السليم مع الآخرين‏,‏ وعلى الثبات العاطفي‏,‏ أو تعديل السلوك ‏.‏
وهذه الحادثة ـ على مأساويتها ـ كانت فتحاً علمياً لأطباء المخ والأعصاب‏,‏ فقد تعلموا منها أن لكل جزء من أجزاء المخ وظائفه الخاصة به‏,‏ ومن أجل الاستمرار في الكشف عن ذلك بدأوا في استثارة أجزاء مختلفة من المخ كهربياً في سلاسل من التجارب المكررة حتي تعرفوا على وظيفة أغلب أجزاء المخ‏,‏ ومن أجل تحقيق ذلك بدأوا بتدمير تلك الأجزاء في حيوانات التجارب، وملاحظة نتائج ذلك، كما فصلها دكتور سباتيني في مقاله المنشور بمجلة المخ والعقل سنة‏1997‏ م‏.‏
‏RenatoM.E.Sabbatini:BrainandMindMagazinevol..1Pt.1997.1‏وبع د مجاهدات استغرقت آلافاً من العلماء على مدى أكثر من قرن ونصف‏,‏ واستخدمت آلافاً من التجارب على كلٍ من الحيوان والإنسان، توصل العلم المكتسب إلى أن مخ الإنسان الذي تتراوح كتلته بين ‏(1),(1.5)‏ كيلو جرام في المتوسط‏ ـ‏ أي أقل من‏2%‏ من وزنه الكلي ـ‏ يتحكم في جميع أنشطته الذهنية والبدنية‏,‏ وهذه الكتلة الهلامية المحتواة في داخل الجمجمة معقدة التركيب بصورة مذهلة‏,‏ وتتكون من أعداد هائلة من الخلايا والأنسجة والخيوط العصبية‏,‏ وتمتد من النخاع الشوكي، وتتكون من الوحدات الرئيسية الثلاث التالية‏ :‏
(‏ ا‏)‏ البصلة المخية أو النخاع المستطيل ‏Medulla oblongata :‏
وتوصِّل المخ بالحبل العصبي المركزي المعروف باسم الحبل النخاعي الشوكي‏Spinal Cord‏ ليكوِّنا معاً الجهاز العصبي المركزي‏
*The Central Nervous System‏، ويقوم النخاع المستطيل بتنظيم عدد من وظائف الأعضاء الأساسية بالجسم‏,‏ وبالتنسيق بينها‏,‏ وذلك مثل التنفس‏,‏ ضغط الدم‏,‏ دقات ـ‏ نبض ـ‏ القلب‏,‏ ويُعرف باسم الجزء السفلي أو الخلفي من المخ‏The Hindbrain‏
‏ (‏ ب‏)‏ المخيخ ‏The Cerebellum:‏
ويوجد فوق النخاع المستطيل‏,‏ ويُعرف باسم الجزء الأوسط من المخ ‏The Midbrain,‏ ويقوم بالتنسيق بين العمليات العضلية المعقدة مثل انتصاب القامة‏,‏ وحركات الأطراف ‏.‏ ويكوِّن كلٌ من النخاع المستطيل والمخيخ ما يعرف باسم جذع المخ ‏The Brain Stem‏ ، وبموته يموت الإنسان‏ .‏
‏(‏جـ‏)‏ المخ ‏*The Cerebrum:‏
ويعرف أحياناً باسم الجزء الأمامي من المخ‏The forebrain ‏، ويمثل أكثر أجزاء المخ الثلاثة حجماً، وتتركز فيه عمليات التلقي من جميع مراكز الحس في الجسم وعمليات تحليلها وتكاملها والتنسيق بينها‏,‏ كما تتركز فيه جميع الأنشطة الذهنية والسلوكيات الذكية‏ .‏
وينقسم المخ إلى أربعة فصوص‏(‏ مناطق‏)‏ رئيسية لكل منها وظائفه الخاصة به كما يلي‏:‏
‏(1)‏ الفص الجبهي أو الأمامي‏The Frontal Lobe ‏ :
ويقع في الجزء الأمامي من المخ ممثلاً أكبر أجزائه‏,‏ ويعتبر مركز التحكم في العواطف‏,‏ والمشاعر‏,‏ والذاكرة‏,‏ واللغة‏,‏ وقدرة الحكم على الأشياء‏,‏ والتحكم في البواعث ومثيرات الاندفاع‏,‏ وفي العلاقات الاجتماعية‏,‏ وفي حركة معظم أجزاء الجسم‏,‏ كما يتحكم في القدرة على حل المشاكل وأخذ المبادرات‏,‏ والتصرف بتلقائية‏,‏ وفي غير ذلك من الصفات الشخصية‏.‏ ويتركز أغلب هذه الصفات في غطاء مقدمة هذا الفص الأمامي ‏The pre`frontalcortex‏ ، والذي يقع خلف الجبهة تماماً، ويعرف باسم الناصية‏,‏ والذي يتحكم فيه يتحكم في صاحب تلك الناصية إنساناً كان أو حيوانا‏ًً,‏ ولذلك قال ربنا ـ تبارك وتعالى ـ ‏:‏ "‏...‏ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ‏...‏"أي ما من دابة في الأرض ولا في السماء إلا وهي مملوكة للرحمن، وتحت قهره وسلطانه‏,‏ وحكمه‏,‏ وإرادته‏,‏ وهيمنته‏,‏ وغلبته‏,‏ وتصرفه بالكامل‏,‏ يفعل بها ما يشاء‏,‏ والتعبير بـ‏(‏الناصية‏)‏ هنا سبق علمي واضح الدلالة يشهد للقرآن الكريم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية؛ لأنه لم يكن لأحد من الخلق في زمن الوحي سوى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا لقرون متطاولة من بعده إلمام بهذه الحقيقة العلمية حتى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي حين وقعت حادثة العامل الأمريكي فينياس ب جيدج الذي أصيب في ناصيته وأدت الإصابة إلى تغير جذري في سلوكه‏,‏ ولا يزال الكثيرون من غير المتخصصين يجهلونها حتى أيامنا هذه‏ .‏
‏(2)‏ الفص الجداري ‏The Parietal Lobe:‏
ويقع خلف الفص الجبهي مباشرة‏,‏ وبه مراكز كلٍ من التوجيه المكاني والاتجاهات‏,‏ والتمييز بين الأشكال والأحجام والتضاريس المختلفة‏,‏ والقدرات الحسابية‏,‏ والتعبير عن العواطف وفهمها‏ .‏
‏(3)‏ الفصان الصدغيان ‏The Two Temporal Lobes:‏
ويوجد كلٌ منهما أسفل الفص الجداري، وبه مراكز التحكم في السمع وفي ذاكرتي الأصوات والكلام‏ .‏
‏(4)‏ الفص الخلفي ‏The Occipital Lobe:‏
ويقع في مؤخرة المخ‏,‏ وفي قاعدته مركز الإبصار‏,‏ وفوقها منطقتا الذاكرة البصرية والقراءة‏,‏ والمنطقة المصاحبة للرؤية‏,‏ والتي إذا تعرضت للتلف فإن صاحبها يرى ولكنه لا يستطيع التمييز بين ما يراه‏ .‏
ويتغطي المخ بطبقة سميكة نسبياً من الخلايا العصبية تعرف باسم المادة الرمادية ‏The Gray Matter‏ ، ويربط هذه المادة مع بعضها البعض ومع باقي أجزاء الجهاز العصبي المركزي طبقة خيطية دقيقة أسفل من المادة الرمادية، وتعرف باسم المادة البيضاء ‏The White Matter,‏ وتعرف الطبقتان معا باسم غطاء المخ ‏The cerebral cortex، ويتعرج سطح المخ بالعديد من الطيات المحدبة والمقعرة المتداخلة مع بعضها البعض بشكل فائق التعقيد ‏.‏
من هذا الاستعراض يتضح أن غطاء مقدمة الفص الجبهي ‏The Pre-Frontal Cortex‏ من المخ الذي يقع خلف عظام الجبهة تماما‏ًً,‏ والذي عبر عنه القرآن الكريم بصورة مجازية بتعبير الناصية يحوي مراكز التفكير‏,‏ والتخطيط والإرادة‏,‏ واتخاذ القرار‏,‏ وغير ذلك من الوظائف العقلية العليا‏,‏ ومن ثم فإن من يتحكم في ناصية أي من الدواب على الأرض أو في السماء فإنه يحكم صاحبها‏ .‏
ومن هنا فإن التعبير القرآني عن السلطان الإلهي على الكون ومن فيه وما فيه بتعبير‏"...‏ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ..." يعتبر سبقاً علمياً يشهد للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية‏,‏ وحفظه على مدى الأربعة عشر قرناً الماضية في نفس لغة وحيه ـ اللغة العربية ـ وحفظه كاملاً دون إضافة أو نقصان‏,‏ وتعهد بهذا الحفظ إلى قيام الساعة حتى يبقى القرآن الكريم شاهداً على كل الناس إلى يوم الدين ‏.‏
فالحمد لله على نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله على نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله على بعثة خير الأنام سيدنا محمد بن عبد الله‏,‏ خاتم الأنبياء والمرسلين‏,‏ وسيد الأولين والآخرين‏,‏ وإمام المتقين، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .‏