

-
نشأة العقيدة الصوفية وتطورها
طريق الهداية الصوفي
قال الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق في كتابه: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة الجزء الأول بتصرف:
لم يصل في -حدود علمي- أحد ممن بحث في التصوف إلى معرفة الرجل الأولي الذي تسمى باسم (الصوفي) في الإسلام ولا من وضع اللبنات الأولى لهذا الفكر.
ولا شك أن التصوف منهج نشأ قبل الإسلام فكراً وسلوكاً وعقيدة، وأنه كان في كل الأمم والديانات وخاصة في البرهمية الهندوكية والفلسفة الإشراقية اليونانية والمجوسية الفارسية، وكذلك نشأت النصرانية -ولا شك أن التصوف غير الرهبانية وغير الزهد كما سنعلم تفصيلاً- ثم انتقل بعد ذلك إلى الفكر الإسلامي عن طريق الزنادقة المجوس، وأخذ مجراه في واقع الأمة الإسلامية وتطور حتى بلغ شأوه وألفت مصادره، ووضعت أصوله وقواعده النهائية في القرن الرابع والخامس الهجري.
ولكن بعض الكتاب ظن أن هناك صلة بين التصوف والزهد، ولذلك نسب إلى التصوف كل من عرف بالزهد والرغبة عن الدنيا، والإقبال على الله كإبراهيم وكالفضل بن عياض، وعبد الله بن المبارك وبشر الحافي وإبراهيم بن أدهم ونحوهم من العباد والزهاد.. والذي ساعد في هذا الخلط بين الزهد والتصوف أن الذين وضعوا طبقات الصوفية جعلوا أمثال هؤلاء أئمة في هذا الشأن، بل تجاوز بعضهم الحدود من أمثال الشعراني، وجعل الخلفاء الراشدين هم أو رجال في طبقات الصوفية وحاشاهم..
والحال أنه شتان ما بين الزهد والتصوف فالزهد في الدنيا فضيلة وعمل مشروع مستحب وهو خلق الأنبياء والأولياء وعباد الله الصالحين الذين يؤثرون ما عند الله على التنعم، والتلذذ والانشغال بالمباحات، بل يتركون بعض الطيبات في المباحات طمعاً فيما عند الله سبحانه وتعالى كما قال تعالى: [وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ](الحشر : 9 ).
وقال أيضاً:[ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ](الإنسان : 8 ).
وفي الصحيحين أن عائشة رضي الله عنها قالت "كان يأتي الهلال والهلال والهلال ثلاثة أهلة في شهرين ولا يوقد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار". قيل فما كان طعامكم: قالت "الأسودان التمر والماء"..
وهذا لكمال زهدهم، ورغبتهم عن الدنيا. وأما التصوف فمنهج آخر لأن الصوفي إذا تحقق في صوفيته يصبح الزهد عنده شيئاً لا معنى له، فهو قد يحتاج الزهد فقط في أول الطريق الصوفي ثم في النهاية عليه أن يعب من كل ما قدر عليه ولو كان حراماً في الشرع خمراً أو زنا، أو حتى إتياناً للذكران لأن عقيدة وحدة الوجود لا تجعل في النهاية فرقاً بين الزنديق والصديق، ولا بين الأخت والأجنبية، ولا بين الملَك والشيطان، بل ولا بين العبد والرب على حد قول ابن عربي المهندس الأخير للفكر الصوفي:
العبد رب والرب عبد ياليت شعري من المكلف؟!
إن قلت عبد فذاك ربُّ وإن قلت رب أنى يكلف؟!
وهذا سيأتي تفصيله وبيانه، والشاهد هنا أن هناك فرقاً هائلاً بين الزهد الذي هو فضيلة ونهاية في الشريعة الإسلامية وبين التصوف الذي قد يجعل الزهد من شعائره ولكنه للمبتدئين فقط وأما في النهاية فيجب عند الصوفي أن يتمتع بكل ما قدر عليه.
وأعود فأقول أنه لا يعرف بالتحديد من أول من تسمى بالصوفي حقيقة في الإسلام وكنت في الطبعة الثانية من الكتاب لما قرأت ما كتبه أبو عبد الرحمن السلمي صاحب طبقات الصوفية عن إبراهيم بن أدهم وما روي بإسناده من حكايات شممت منها بدايات هذا الفكر وأول بذوره وقرأت ترجمة إبراهيم بن أدهم فوجدت أن أئمة الجرح والتعديل منهم من يوثقه ومنهم ينسبه إلى الخرافة والجهل بشرع الله فغلب على ظني أنه ربما كان الرائد الأول الذي وضع البذرة الصوفية..
ولقد لفت نظري بعد ذلك كثير من الأخوة أن شيخ الإسلام ابن تيمية أثنى على إبراهيم بن أدهم فكيف يكون منتمياً إلى هذا المنهج وكنت قد قرأت ما كتبه شيخ الإسلام رحمه الله وقد رأيت أنه ربّما يثني على شخص ما من أجل موقف صحيح في العقيدة، وهو قد لا يرضى عنه في موقف آخر بل إنه كثيراً ما يستدل بأقوال النصارى واليهود إذا وافقت شيئاً من الحق..
وبعد أن أعدت النظر وجدتُ أن كلام أئمة الجرح والتعديل لا يرقى إلى اتهام إبراهيم بن أدهم رحمه الله بشيء مما وضعه المتصوفة في عقائدهم ومناهجهم، وأما الحكايات التي رويت عنه والموجودة في طبقات الصوفية لأبي عبد الرحمن السلمي فإنه لا يعول عليها في الجرح والتعديل لأن أبا عبد الرحمن السلمي نفسه قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه كان يضع الحكايات للصوفية ولعل ذلك بل هذا هو الظاهر أن هذا مما كذبه وافتراه على إبراهيم بن أدهم رحمه الله.
ومرة أخرى أقول لا نستطيع أن نجزم من هو أول شخص تسمى باسم الصوفي في الإسلام، وألقى بالكلمات الأولى والقواعد الأولى ليؤسس هذا المنهج.
ولا شك أن ذلك كان في منتصف أو أوائل القرن الثاني من الهجرة.
فإن الإمـام الشافعي المتوفى سنة 205 ﻫ يقول: "تركت بغداد وقد أحدث الزنادقة فيها شيئاً يسمونه السماع" أ. ﻫ
(والزنادقة) هنا هم الصوفية (والسماع) هو الغناء والأناشيد التي كانوا يتجمعون عليها، ولا شك أن ظهور الصوفية بهذه البدعة لم يكن وليد سنة أو سنتين إنما كان وليد سنوات تطورت بدعة الصوفية حتى استطاعوا أن يعلنوا بدعتهم بالغناء والطرب بالدفوف ونحو ذلك في عاصمة الخلافة ببغداد، ولا شك أن مثل هذه المظاهر والعقائد المنافية للإسلام الصحيح بدأت دعوة سرية ثم تطورت واستفحل شرها، وأعلن عنها أصحابها ومن أجل ذلك لا يعلم على القطع والحقيقة الرائد الأول للفكر الصوفي في الإسلام وواضع لبناته الأولى..
ومما يدل على أن الأمر كان سرياً في أوله ما روي عن الإمام أحمد أنه سمع الحارث المحاسبي يجتمع مع جماعة في منزل من المنازل وأنهم يقضون ليلهم في البكاء ومحاسبة النفس والكلام على الخطرات والوساوس وأن الإمام أحمد بعد أن استمع إليهم خلسة من منزل مجاور أصبح يقول: نفروا الناس عن الحارث المحاسبي، وقال لمن سأله هل يجلس معهم ويقضي الليل معهم قال: لا أرى لك أن تجالسهم.
والشاهد أن هذه البدعة لا شك أنها بدأت سرية ثم تطورت واستعلنت.
ونعود إلى أبي عبد الرحمن السلمي المتوفى سنة 412ﻫ والذي لفق حكايات الصوفية ووضعها على ألسنة المشايخ السابقين لنجد أنه جعل إبراهيم بن أدهم رائداً ومؤسساً لبدايات هذا الفكر..
نأتي إلى حكايات السلمي لنناقش هذه الحكايات لا من حيث ثبوتها ونفيها ولكن من حيث أنها قد أصبحت هي العماد الذي قام عليه هذا الفكر.. نأتي لنناقش هذه الحكايات على ضوء الكتاب والسنة لنرى ما فيها من الباطل ولنعرف كيف بدأ هذا الفكر وتطور:
1- قال أبو عبد الرحمن السلمي (توفي سنة 412 ﻫ): "سمعت أبا العباس محمد بن الحسن الخشاب قال حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد المصري، قال حدثني أبو سعيد أحمد بن عيسى الخراز قال: حدثنا إبراهيم بن بشار قال: صحبت إبراهيم بن أدهم بالشام، أنا وأبو يوسف الغسولي، وأبو عبد الله السنجاري، فقلت: يا أبا إسحاق! خبرني عن بدء أمرك كيف كان؟ قال: كان أبي من ملوك خراسان، وكنت شاباً فركبت إلى الصيد، فخرجت يوماً على دابة لي، ومعي كلب، فأثرت أرنباً أو ثعلباً، فبينما أنا أطلبه، إذ هتف بي هاتف لا أراه، فقال: يا إبراهيم: ألهذا خلقت؟ أم بهذا أمرت؟ ففزعت، ووقفت، ثم عدت فركضت الثانية، ففعل بي مثل ذلك ثلاث مرات، ثم هتف بي هاتف من قربوس (قربوس: كحلزون، حنو السرج ومنعطفه، وهما قربوسان) السرج: والله ما لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت. قال: فنزلت فصادفت راعياً لأبي يرعى الغنم، فأخذت جبته الصوف، فلبستها ودفعت إليه الفرس، وما كان معي، وتوجهت إلى مكة فبينما أنا في البادية، إذ أنا برجل يسير ليس معه إناء ولا زاد، فلما أمسى وصلى المغرب، حرك شفتيه بكلام لم أفهمه، فإذا أنا بإناء فيه طعام، وإناء فيه شراب، فأكلت وشرب، وكنت معه على هذا أياماً، وعلمني "اسم الله الأعظم" ثم غاب عني وبقيت وحدي، فبينما أنا ذات يوم مستوحش من الوحدة، دعوت الله به، فإذا أنا بشخص آخذ بحجزتي وقال: سل تعطه!! فراعني قوله، فقال: لا روع عليك أنا أخوك الخضر، إن أخي داود علمك اسم الله الأعظم، فلا تدعو به على أحد بينك وبينه شحناء، فتهلكه هلاك الدنيا والآخرة، ولكن ادعُ الله أن يشجع به جبنك ويقوي به ضعفك، ويؤنس به وحشتك، ويجدد في كل ساعة رغبتك، ثم انصرف وتركني" (طبقات السلمي (29-31)).
وهذا خبر آخر:
2- "سمعت محمد بن الحسن البغدادي يقول: سمعت علي بن الحسن بن أحمد المصري يقول: سمعت أحمد بن عيسى الخراز يقول: حدثني غير واحد من أصحابنا منهم: سعيد بن جعفر الوراق، وهارون الآدمي، وعثمان النجار، قالوا: حدثنا عثمان بن عمارة قال حدثني إبراهيم بن أدهم عن رجل من أهل الإسكندرية يقال له أسلم بن يزيد الجهني قال: لقيته بالإسكندرية فقال لي: من أنت يا غلام؟ قلت: شاب من أهل خراسان. قال: وما حملك على الخروج من الدنيا؟ قلت زهداً فيها، ورجاء لثواب الله تعالى. فقال: إن العبد لا يتم رجاؤه لثواب الله تعالى حتى يحمل نفسه على الصبر. فقال رجل ممن كان معه: وأي شيء الصبر؟ فقال: إن أدنى منازل الصبر أن يروض العبد نفسه على احتمال مكاره الأنفس. قال: قلت: ثم مه؟ قال: إن كان محتملاً للمكاره أورث الله قلبه نوراً.
قلت: وما ذلك النور؟ قال: سراج يكون في قلبه، يفرق بين الحق والباطل، والناسخ والمتشابه، قلت: هذه صفة أولياء رب العالمين. قال: استغفر الله، صدق عيسى بن مريم عليه السلام حين قال: لا تضعوا الحكمة عند غير أهلها فتضيعوها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموها!!
فبصصت إليه، وطلبت إليه، وطلب معي أصحابه إليه، فقال عند ذلك: يا غلام إياك إذا صحبت الأخيار أو حادثت الأبرار أن تغضبهم عليك، فإن الله يغضب لغضبهم، ويرضى لرضاهم، وذلك أن الحكماء هم العلماء، وهم الراضون عن الله عز وجل إذا سخط الناس، وهم جلساء الله غداً بعد النبيين والصديقين.
يا غلام احفظ عني وأعقل، واحتمل ولا تعجل، فإن التأني معه الحلم والحياء، وإن السفه معه الخرق والشؤم، قال: فسالت عيناي، وقلت: والله ما حملني على مفارقة أبوي، والخروج من مالي، إلا حب الأثرة لله، ومع ذلك الزهد في الدنيا، والرغبة في جوار الله تعالى.
قال: فإياك والبخل، قلت: وما البخل؟ فقال: أما البخل عند أهل الدنيا فهو أن يكون الرجل بخيلاً بماله، وأما الذي عند أهل الآخرة فهو الذي يبخل بنفسه عن الله تعالى. ألا وإن العبد إذا جاد بنفسه لله، أورث قلبه الهدى والتقى، وأعطى السكينة والوقار والعلم الراجح، والعقل الكامل، ومع ذلك تفتح له أبواب السماء، فهو ينظر إلى أبوابها بقلبه كيف تفتح، وإن كان في طريق الدنيا مطروحاً، فقال له رجل من أصحابه: "اضربه فأوجعه، فإنا نراه غلاماً قد وفق لولاية الله تعالى!!" قال: فتعجب الشيخ من قول أصحابه: "لقد وفق لولاية الله تعالى" فقال لي: يا غلام أما إنك ستصحب الأخيار، فكن لهم أرضاً يطئون عليها، وإن ضربوك وشتموك وطردوك، وأسمعوك القبيح، فإن فعلوا بك ذلك ففكر في نفسك: من أين أتيت، فإنك إذا فعلت ذلك يؤيدك الله بنصره، ويقبل بقلوبهم عليك، واعلم أن العبد إذا قلاه (أي كرهه) الأخيار، واجتنب صحبته الورعون وأبغضه الزاهدون، فإن ذلك استعتاب من الله تعالى لكي يعتبه، فإن أعتب الله عز وجل أقبل بقلوبهم عليه، وإن تمرد على الله أورث قلبه الضلالة، مع حرمان الرزق، وجفاء من الأهل، ومقت من الملائكة، وإعراض من الرسل بوجوههم، ثم لم يبال في أي واد يهلكه.
قال: قلت: إني صحبت ـ وأنا ماش بين الكوفة ومكة ـ رجلاً فرأيته إذا أمسى يصلي ركعتين فيهما تجاوز، ثم يتكلم بكلام خفي بينه وبين نفسه، فإذا جفنة من ثريد عن يمينه، وكوز من ماء، فكان يأكل ويطعمني. قال: فبكى الشيخ عند ذلك، وبكى من حوله، ثم قال: يا بني أو يا أخي ذاك أخي داود، ومسكنه من وراء بلخ، بقرية يقال لها (الباردة الطيبة) وذلك أن البقاع تفاخرت بكينونة داود فيها، يا غلام: ما قال لك؟ وما علمك؟ قال: قلت: علمني اسم الله الأعظم، فسأل الشيخ ما هو؟ فقلت: إنه يتعاظم علي أن أنطق به. فإني سألت به مرة، فإذا برجل آخذ بحجزتي وقال: سل تعطه، فراعني، فقال: لا روع عليك: أنا أخوك الخضر، إن أخي داود علمك إياه، فإياك أن تدعو به إلا في بر، ثم قال: يا غلام إن الزاهدين في الدنيا، قد اتخذوا الرضا على الله لباساً، وحبه دثاراً والأثرة له شعاراً، فتفضّل الله تعالى عليهم ليس كتفضله على غيرهم، ثم ذهب عني. فتعجب الشيخ من قولي، ثم قال: إن الله سيبلغ بمن كان في مثالك ومن تبعك من المهتدين، ثم قال يا غلام إنا قد أفدناك ومهدناك، وعلمناك علماً.
ثم قال بعضهم: يا إلهنا احجبه عنا، واحجبنا عنه، قال إبراهيم: فما أدري أين ذهبوا؟!!!"
أ. ﻫ (من طبقات السلمي بنصه).
لقد وضع من وضع هاتين الحكايتين أصول التصوف، ومنها تفرع الفكر الصوفي فيما بعد، ولنستعرض معاً أصول هذا الفكر:
أولاً: إن الهداية قد جاءت بزعمه لإبراهيم من هاتف هتف به أولاً، ثم من كلام خرج من قربوس السرج، ولست مناقشاً الآن صحة هذه الدعوى أو بطلانها، ولكني أريد أن أذكر الآن أن هذا طريق للهداية يغاير ويخالف الطريق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فالهداية في الإسلام إنما تكون دائماً عن طريق كتاب الله الذي أنزل للناس هدى ونوراً. والدعوة إلى الإيمان في شريعة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إنما تكون بالحجة والإقناع، وبتقديم الدليل على إعجاز القرآن وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثانياً: الهداية التي ادعاها أبو عبد الرحمن السلمي لإبراهيم بن أدهم قد حملته على ترك أبيه وأمه وبلدته وخلع ثيابه، (وترك الدنيا) على حد التعبير، ولبس ملابس الصوف التي كانت على جسم الراعي، ومن سمي هذا المنهج بالتصوف، وليس من شروط الهداية في الإسلام أن يترك المهتدي الدنيا، ويفر بدينه من وطنه، إلا إذا قابل فيه اضطهاداً أو منعاً من أداء الشعائر، أو كان في بلد كثير المعاصي وأراد النقلة إلى بلد آخر يكثر فيه الصالحون، ولم تكن (بلخ) التي هجرها إبراهيم كذلك؛ لأنه جاء في حكايته أنها مسكن (داود) وأن البقاع قد تفاخرت بكينونة داود فيها، هكذا قال، فكيف تترك هذه البقعة الطيبة، والقرية التي سميت (الباردة الطيبة) التي يسكن فيها داود ويخرج إلى البراري والقفار، وليس من سبب شرعي لهذا التحول؟
ثالثاً: جاء في الحكاية أن إبراهيم لقي رجلاً بالبادية يسير، وليس معه زاد ولا طعام، وأنه صاحبَه، وكان يطعمه من الطعام الذي يأتيه هكذا من الغيب، وأن هذا الرجل علمه اسم الله الأعظم، ثم أخبر أن هذا الرجل إنما هو داود عليه السلام، وأنه لما دعا باسم الله الأعظم حضر الخضر إليه في الحال، وسأله عن طلبه.
ولست أدري شرعاً ما الذي يدعو داود عليه السلام أن يعود إلى الدنيا، (إن كان ذلك في مكنته) ويتجاوز حدود رسالته ونبوته، ليعلم رجلاً من أمة محمد صلى الله عليه وسلم اسم الله الأعظم، مع العلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لعمر: [والله لو كان موسى حياً لما وسعه إلا أن يتبعني] فكذلك لو عاد داود حياً لوجب أن يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز له أن يعلم الناس شيئاً من الدين لم يعلّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يدعو قائلاً: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله (رواه أحمد (5/349-350) وأبو داود (14993) وغيرهما عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه) الذي لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.
فقال: صلى الله عليه وسلم: [قد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا سأل به أعطى، وإذا دعي به أجاب].
فالرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن اسم الله الأعظم في هذا الدعاء، وأن الله تبارك وتعالى إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، ولم يقل صلى الله عليه وسلم: إن هذا الاسم من دعا به أتاه الخضر في التو والحال، وقال: سل تعطه!! هكذا على الإطلاق: اسأل ما بدا لك.. ما أشبه هذا الكلام بالقصص الخرافي الذي يزعم بأن سليمان نبي الله عليه السلام كان له خاتم إذا حركه أتاه عفريت من الجان!!.
ثم لو فرضنا صحة الحكاية، أليس لنا أن نسأل: لما خص داود عليه السلام إبراهيم بن أدهم باسم الله الأعظم، ولم يخص به أحداً قبله من الصحابة والتابعين؟.
ثم لماذا يقول الخضر لإبراهيم بن أدهم ـ كما جاء في الحكاية ـ: لقد تعلمت اسم الله الأعظم، فلا تدع به على أحد بينك وبينه شحناء، فتهلكه هلاك الدنيا والآخرة، هكذا وإبراهيم بن أدهم ليس معصوماً، فربما تخاصم مع رجل مسلم، فإذا دعا باسم الله الأعظم على هذا الرجل هلك هلاك الدنيا والآخرة، وحرم جنة الله، وباء بالنار، لأنه خاصم إبراهيم بن أدهم فقط، وهذا ليس للرسول، لأن الرسول دعا على أناس فقال له الله: {ليس لك من الأمر شيء} (آل عمران:128) (انظر حديث البخاري في شأن نزول هذه الآية). هذا مع أن الحال في الخصومة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أعدائه إنما هو من أجل العقيدة والدين، وليس كخصومة غيره من أهل الدنيا.
رابعاً: جاء في الحكاية أن إبراهيم بن أدهم أطلق على طريقة ومنهجه الذي سلكه في تعبده أنه "الخروج من الدنيا" ولقد علمنا نتائج هذا الخروج، وهي خلع ملابسه، ولبس الصوف وترك دياره، ووطنه، والدخول في البادية، ولن نناقش الآن مدى قرب هذا المسلك أو بعده عن الرسالة التي بعث بها محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ولكننا سنناقش الآثار التي ترتبت على ذلك، وهي الزعم أن إبراهيم أخبره أسلم بن يزيد الجهني في الإسكندرية أنه إذا كان حقاً طالباً لثواب الله فلا بد له من تحمل الصبر، وأنه إن فعل ذلك أورث الله قلبه نوراً يفرق به بين الحق والباطل، والناسخ والمتشابه (هكذا)!!.
وهنا تضع الحكاية الأصل الرابع في التصوف، وهو أنه بالمجاهدة والصبر يحصل النور الذي يعرف به علم الحق والباطل، والناسخ والمتشابه!! والمعروف أن المجاهدة بالصبر مهما عظمت لا تعلم الإنسان الآيات الناسخة والمنسوخة، والمحكم والمتشابه من كلام الله تبارك وتعالى، ولا تجعله يفرق بين حق وباطل، بل لا بد من التعلم، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [إنما العلم بالتعلم] (ذكره البخاري في (صحيحه-1/170 من فتح الباري) معلقاً، وبين الحافظ بن حجر من وصله في شرحه عليه، وحسن إسناده، وأورده أستاذنا الألباني في (السلسلة الصحيحة-342) بأتم منه، وصححه وقال في مختصره لصحيح البخاري (1/28): "هو طرف من حديث رواه ابن خيثمة (114) بسند صحيح عن أبي الدرداء موقوفاً، ورواه غيره عنه مرفوعاً، وله شاهد من حديث معاوية") ولم يقل: إنما العلم بالصبر. وأما أن الله تبارك وتعالى يوفق العامل بعلمه، والقائم بتقواه إلى الهداية والعلم فنعم، وذلك بتيسير أسباب العلم الجديد فقوله تعالى : [وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ] (البقرة:282)، هي ختام أطول آية في كتاب الله، وقد نزلت بشأن الدّين وكتابته والإشهاد عليه، والتعلم المقصود في الآية هو هذا التعلم الذي أنزله الله على الرسول صلى الله عليه وسلم.
ويستحيل شرعاً وعقلاً أن يبلغ المسلم علم شيء بالصبر أو الصيام مثلاً دون بذل السبب الموصل إلى هذا العلم. فالعلم الشرعي بالتعلم، والعلم الدنيوي أيضاً بالتعلم، وليس شيء من ذلك يورث بالصبر والمجاهدة.
ولا شك أن الحكاية عندما دعت إلى هذا العلم فإنما أرادت علماً آخر، لأنها قالت على لسان أسلم بن يزيد: "وذلك أن الحكماء هم العلماء" فهو يعني طائفة أخرى لها تقاليدها وعاداتها، ومجاهداتها المستقلة وعلمها المستقل أيضاً، وستعلم هذا بأدلته فيما يأتي إن شاء الله تعالى. ولم يعن بالطبع علماء الشريعة الذين يعلمون الكتاب والسنة، لأن علم هؤلاء لا يتأتى إلا بالدرس والنقل والكتابة والحفظ، وسؤال الله الفهم والعمل والتوفيق، وأما طريق القوم الذين عنتهم الحكاية فإنما هو المجاهدة بأسلوب خاص، وعادات خاصة، ومنهج خاص ليصل الإنسان منهم إلى علم خاص، وفهم خاص، ووجد خاص، ولا يستطيع علماء الشريعة مهما بلغ علمهم أن يصلوا إلى شيء منه. وباب هذا العلم الخاص الذي عنته الحكاية هو ما عبر عنه بقوله: "وأن العبد إذا جاد بنفسه لله، أورث قلبه الهدى والتقى، وأعطي السكينة والوقار، والعلم الراجح، والعقل الكامل، ومع ذلك يفتح له أبواب السماء فهو ينظر إلى أبوابها بقلبه كيف تفتح، وإن كان في طريق الدنيا مطروحاً"!!.
فهذا العلم الخاص بابه السماء، وينظر أهل هذا العلم إلى فتح هذه الأبواب بقلوبهم حتى لو كانوا مطروحين في طريق الدنيا، وقبل أن نحكم على هذا العلم المزعوم بالصحة أو البطلان لا بد أن نرى نماذج منه، وهذا موعده فيما يأتي إن شاء الله.
خامساً: الغاية التي حددتها هذه الرواية المزعومة لهذا الطريق، وهذا المنهج هو: "والله ما حملني على مفارقة أبوي، والخروج من مالي إلا حب الأثرة لله، ومع ذلك الزهد في الدنيا، والرغبة في جوار الله تعالى" وقد فسر له على حد زعمه أسلم بن يزيد (البخيل) بأنه "الذي يبخل بنفسه عن الله تعالى".
فالأثرة لله التي جاءت في الحكاية ليست هي حب الله وإيثار مرضاته، والطمع في جنته، وخوف ناره، بل سنعلم بالنصوص والنقول من مقالات القوم أنهم يعنون بالأثرة لله (الفناء به عن كل ما سواه) وعبادته دون رجاء مثوبة، أو خوف عقوبة، وسنعلم كيف تطور هذا الفكر فيما بعد إلى أن أنتج القول بوحدة الوجود، وأن العابد هو عين المعبود!!
سادساً: من الغرائب في الحكاية عن إبراهيم السابقة أنه قال إن أصحاب أسلم بن يزيد الجهني قالوا له: "اضربه فأوجعه، فإنا نراه غلاماً قد وفق لولاية الله عز وجل" وكأن إبراهيم في زعم الحكاية قد فاز بكنز لم يفز به أحد قبله، وهو ولاية الله عز وجل، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أنه ولي كل مؤمن. قال تعالى: [اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ] (البقرة:257).
وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث البخاري الصحيح أن الله تعالى يقول [من عادى لي ولياً فقد آذنته بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به..، الحديث]. فبين الله تبارك وتعالى طريق ولايته، وهي أداء الفرائض ثم الاستزادة من النوافل، ولم يذكر تبارك وتعالى أن الولاية تأتي بهاتف من قربوس السرج، ثم بلقاء مع داود في البادية وتعليم للاسم الأعظم. وسنعلم في جولتنا القادمة في الفكر الصوفي أن الولاية ستصبح قاصرة على أناس مخصوصين، لهم منهج مخصوص وطريق مخصوص، وأن هذه الولاية سيجزم بها جزماً، وسيدعيها من يدعيها بكل إصرار وتشبث!!.
سابعاً: جاء في الحكاية أن أسلم بن يزيد الجهني نصح إبراهيم قائلاً: "يا غلام أما أنك ستصحب الأخيار، فكن لهم أرضاً يطئون عليك، وإن ضربوك وشتموك، وطردوك وأسمعوك القبيح" ولا نعلم أن صحبة الأخيار تكون كذلك، بل الأخيار إذا صحبتهم أكرموك وسامحوك، وعلموك وقربوك وغفروا إساءتك، وسيعلم القارئ السر وراء هذا المنهج، في النقول القادمة وفي بيان فرعيات هذا المنهج ودروبه.
ثامناً: جاء في الحكاية أن الشيخ وهو أسلم بن يزيد الجهني قال له: "إن الله سيبلغ بمن كان مثالك، ومن تبعك من المهتدين، وإنه قال له: يا غلام إنا قد أفدناك ومهدناك وعلمناك علماً".
وهذا كله إشعار بأن هناك طريقاً آخر ورواداً جدداً قد هيئوا لأمر ما، ووجهوا وجهة خاصة، وأن الله سيبلغ بهم ما لم يبلغ بسواهم من قبل في رجال القرن الأول، ومن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، وسيعلم القارئ إن شاء الله تعالى أي مهمة هذه التي توجهت إليها هذه الفئة، وأي بلاغ عن الله تبارك وتعالى سيبلغون!!.
تاسعاً: لقد ختمت الحكاية بمثل ما بدئت، وهي أن قائلاً ممن كانوا حول الشيخ أسلم بن يزيد قال: يا إلهنا احجبه عنا، واحجبنا عنه. ففي الحال ذهبوا، ولا يدري أين ذهبوا؟ هكذا كما جاءه الهاتف وقال له: ما لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت.
وهذا الأصل من الحكايات الغريبة سيكون بداية لحكايات تعتبر هذه الحكاية بالنسبة إليها أمراً مقبولاً وسائغاً، فما هذه الحكايات؟
وبهذه الأضواء يكون أمامنا تسع نقاط يجب أن نكون على ذكر منها في رحلتنا هذه في الفكر الصوفي، وخلاصة هذه النقاط هي أن هناك طريقاً للهداية هو طريق الهواتف، وأن هذه الهداية تحمل الإنسان على ترك الدنيا، وترك الآباء والأمهات والدخول إلى البراري والقفار، وأن المهتدي على هذا النحو يرى الأنبياء ويتكلم معهم، ويأكل من الغيب لا من الشهادة، وأن الخضر عليه السلام خادم لاسم الله الأعظم، هذا الإسم الذي يتعاظم على العارف أن ينطق به، وأن هذا الطريق الذي يلج فيه الصوفي يتصل به بالسماء فيتعلم العلوم، وأن هذا الطريق هو المنهج الوحيد للحصول على ولاية الله عز وجل، وأنه يجب الصبر مع أهل هذا الطريق، وعدم الإنكار عليهم، بل يجب على المهتدي أن يكون أرضاً لهم يطئون عليها. وأن هؤلاء القوم قد أرسلوا في مهمة خاصة، وأنهم يتلقون عن الله هكذا رأساً بلا وساطة، ويبلغون علماً خاصاً، وأنه بدعاء واحد يختفي الموجود، ويوجد المفقود!!..
الحديث موصول بإذن الله تعالى
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة aamer في المنتدى منتدى الكتب
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 18-01-2008, 10:33 PM
-
بواسطة مجاهد في الله في المنتدى منتدى الكتب
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 11-07-2007, 10:04 PM
-
بواسطة أنصار الحق في المنتدى العقيدة والتوحيد
مشاركات: 1
آخر مشاركة: 02-11-2006, 04:40 AM
-
بواسطة الليزر في المنتدى العقيدة والتوحيد
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 09-10-2006, 12:06 AM
-
بواسطة ismael-y في المنتدى منتدى نصرانيات
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 24-12-2005, 03:35 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات