وأصبح بوهمند من ذلك الحين أمير أنطاكية باعترفا بفضله , وكان يمتلك هذا الاقليم ظاهر الامر بوصفه اميرآ اقطاعيا خاضعا لأكسيوس , لكنه فى الواقع كان يحكمه بصفته حاكما مستقلا ; وقال زعماء الصلبيين ان عجز أليكيوس عن ان يخف لمعونتهم قد احلهم يمين الولاء التى اقسموها له , وقضى اولئك الزعماء ستة اشهر أعادوا فيها تنظيم قواهم وجددوا نشاطهم , ثم زحفوا بجيوشهم على أورشيلم وبعد حروب دامت ثلاث سنين ,نقص فيها عددهم الى أثنا عشرة الف من المحاربين , وقفوا فى اليوم السابع من شهر يونيه 1099 م وهم مبتهجون متعبون أمام أسوار المدنية ,وكان من سخريات التاريخ ان الأتراك الذيم جاؤا ليقاتلوهم قد اخرجوا من المدنية قبل ذلك بعام وكان مخرجهم هم الفاطمين .

وعرض الخليفة الفاطمى على الصليبين أن يعقد معهم الصلح مشترطا على نفسه أن يؤمن الحجاج المسيحين القادمين الى اورشيلم والذين يأتونها للعبادة , ولكن بوهمند وجد فرى طلبا للتسليم بغير قيد او شرط , وقامت حامية الفاطمين المكونة من الف رجل الحصار مدة أربعين يومآ , فلما حل اليوم الخامس عشر من شهر يوليه قاد جدفرى وتانكرد رجالهما وتسلقوا أسوار المدنية ,وتم للصلبيين الفوز بغرضهم بعد ان لاقوا فى سبيله الامرين .

وفى هذا يقول القس ريمند الاجيلى شاهد عيان :-
".. وشاهدنا أشياء عجيبة , اذ قطعت رؤؤس عدد كبير من المسلمين وقتل غيرهم رميا بالسهام , او ارغموا على ان يلقوا أنفسهم من فوق الابراج , وظل بعضهم الاخر يعذبون أيام , ثم احرقوا فى النار , وكنت ترى فى الشوراع أكوام من الرؤؤس والايدى والاقدام , وكان الانسان أينما سار فوق جواده يسير بين جثث الرجال والخيل . <19>

ويروى غيره من المعاصرين تفاصيل أدق من هذه وأوفى ; يقولون أن النساء كن يقتلن بالسيوف والحراب , والاطفال الرضع يختطفون بأرجلهم من اثداء أمهاتهم <20>. ويقذف بهم من فوق الاسوار , او تهشم رؤؤسهم بدقها بعمود , وذبح السبعون ألفا من المسلمين الذين بقوا فى المدنية , اما اليهود الذين ظلوا احياء فقد سيقوا بهم الى كنيس لهم , وأشعلت فيهم النار وهم احياء , واحتشد المنتصرون فى كنيسة الضريح المقدس , وكانوا يعتقدون أن مغارة فيها احتوت فى يوم ما المسيح المصلوب , وفيها أخذ كل منهم يعانق الاخر أبتهاجا بالنصر , وبتحرير المدنية ,ويحمدون الرحمن الرحيم على ما نالوا من فوز ! .