26- وفى تحريف الإنجيل يكتب صاحبنا: "ولقد ذكرتَ التحريف واحتججتَ علينا بأننا حرَّفنا الكلم عن مواضعه وبدَّلنا الكتاب، وكأن هذا القول جعلته كهفًا تستتر به. وإني لأخبرك خبرًا حقًّا، فاسمعه مني واقبله، فإن قولي ليس قول باغٍ ولا حاسدٍ ولا متعنتٍ معاند. أنت تعلم أننا نحن واليهود الذين ينكرون مجيء المسيح نور العالم وضياء الدنيا قد اجتمعنا عن غير تواطؤ على صحة هذا الكتاب، وأنه منزَل من عند الله، لا تحريف فيه ولا تبديل، ولم تلحقه زيادة ولا نقصان. وإلا فنحن ندعوك أنت أيها المدّعي علينا التحريف والتبديل (إن كنت صادقًا) بكتابٍ غير محرَّف ولا مبدَّل، يشهد لك على صحة الآيات العجيبة كما شهدت الأعاجيب للأنبياء والرسل حيث جاءونا بصحة هذا الكتاب، فقبلنا ذلك منهم، وهو في أيدينا وأيدي اليهود بلا زيادة ولا نقصان. وإني أعلم أنك لا تقدر على ذلك أبدًا. وكتابك يشهد بصحة ما في أيدينا شهادة قاطعة، إذ يقول: فَإِنْ كُنْتَ في شَكٍّ ممّا أَنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْأَلِ الذين يَقْرَأُون الْكِتَابَ من قَبْلِك لَقَدْ جَاءَكَ الحَقُّ مِنْ رَبِّك فَلاَ تَكْونَنّ من الْمُمْتَرين (يونس/ 94)، ثم فسر هذا القول وأكَّده، معترفًا لنا بالفضيلة التي أُوتِيناها قائلاً: الَّذِينَ آتيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (البقرة/ 121). شهد لنا كتابك بحق التلاوة في موضع تكون فيه تلاوتنا، وقد أمر أن نُسْأَل ويُقْبَل منا كل ما نقوله، فكيف تقول إنه قد وقع منا التبديل والتحريف للكلم عن مواضعه؟ فهذان حكمان متناقضان. فما بالك تشنّع علينا وتقول إننا حرّفنا الكتاب وبدّلنا تنزيل الله وغيَّرنا كلامه، ونحن نتلوه حق تلاوته كما شهد لنا صاحبك؟". وفى هذا النص أشياء أراد الكندى المزعوم أن يمررها من تحت أنوفنا دون أن تلتقطها أعيننا، ولكن بعيدة عن شاربه! كيف؟ يقول إن النصارى واليهود متفقون على أن هذا الكتاب (أى كتاب؟ للأسف لم يحدد، بل ترك المسألة عائمة!) منزل من عند الله وأنه ليس فيه تحريف. وهذا كلام المكّارين، إذ اليهود لا يعترفون أصلا بنبوة المسيح، بل لا يعترفون أنه عليه السلام قد أتى حتى الآن، ولهذا تراهم ما زالوا ينتظرون مجيئه، أما عيسى بن مريم الذى نعرفه فهو عندهم ساحر كذاب وابن زنا، فكيف يؤمنون أن العهد الجديد منزل من عند الله؟ بل كيف يؤمنون بما لا يؤمن به النصارى أنفسهم الذين لا يرون فى الأناجيل نفسها وحيا إلهيا نزل على عيسى، بل مؤلفات من وضع ناس كتبوها من الذاكرة دون تمحيص بعد ترك المسيح الأرض بعشرات السنين؟ وإن كانوا يقولون إنها بإلهام من الروح القدس، مع اعترافهم بامتلائها بالأخطاء فى ذات الوقت على أساس أن الوسطاء الذين تَلَقَّوُا الإلهام من الروح القدس بشرٌ يخطئون. فهذا الذى يقوله القرآن عن الإنجيل يقوله كتبة الأناجيل أنفسهم! والحمد لله أنهم لم يتنبهوا لذلك، وإلا ما سمحت أنفسهم أبدا بتسجيله، لكنه أشبه بفلتات اللسان التى يتحدث عنها علماء النفس: ففى الإصحاح السادس والعشرين من متى نقرأ قول المسيح بشأن المرأة التى عطرته بقارورة طيب فلم يعجب ذلك حوارييه: "13اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: حَيْثُمَا يُكْرَزْ بِهذَا الإِنْجِيلِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ، يُخْبَرْ أَيْضًا بِمَا فَعَلَتْهُ هذِهِ تَذْكَارًا لَهَا"، وهو ما نجده أيضا فى الإصحاح الرابع عشر من مرقس: "9اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: حَيْثُمَا يُكْرَزْ بِهذَا الإِنْجِيلِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ، يُخْبَرْ أَيْضًا بِمَا فَعَلَتْهُ هذِهِ تَذْكَارًا لَهَا". وفى الإصحاح الأول من مرقس نقرأ: "وَبَعْدَمَا أُسْلِمَ يُوحَنَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى الْجَلِيلِ يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ مَلَكُوتِ اللهِ"15وَيَقُولُ:«قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ»". وفى الإصحاح الثامن من مرقس أيضا نقرأ: "34وَدَعَا الْجَمْعَ مَعَ تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ لَهُمْ:«مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي. 35فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي وَمِنْ أَجْلِ الإِنْجِيلِ فَهُوَ يُخَلِّصُهَا". وفى الإصحاح العاشر من مرقس كذلك نقرأ: "29فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ:لَيْسَ أَحَدٌ تَرَكَ بَيْتًا أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَدًا أَوْ حُقُولاً، لأَجْلِي وَلأَجْلِ الإِنْجِيلِ، 30إِلاَّ وَيَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ الآنَ فِي هذَا الزَّمَانِ، بُيُوتًا وَإِخْوَةً وَأَخَوَاتٍ وَأُمَّهَاتٍ وَأَوْلاَدًا وَحُقُولاً، مَعَ اضْطِهَادَاتٍ، وَفِي الدَّهْرِ الآتِي الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ. 31وَلكِنْ كَثِيرُونَ أَوَّلُونَ يَكُونُونَ آخِرِينَ، وَالآخِرُونَ أَوَّلِينَ»". وفى الإصحاح الثالث عشر من مرقس مرة رابعة نقرأ: "10وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْرَزَ أَوَّلاً بِالإِنْجِيلِ فِي جَمِيعِ الأُمَمِ"، وهو ما تكرر مرة أخرى فى الإصحاح السادس عشر من مرقس: "14أَخِيرًا ظَهَرَ لِلأَحَدَ عَشَرَ وَهُمْ مُتَّكِئُونَ، وَوَبَّخَ عَدَمَ إِيمَانِهِمْ وَقَسَاوَةَ قُلُوبِهِمْ، لأَنَّهُمْ لَمْ يُصَدِّقُوا الَّذِينَ نَظَرُوهُ قَدْ قَامَ. 15وَقَالَ لَهُمُ:«اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا". ولنلاحظ أن الكلام فى هذه النصوص عن إنجيل موجود فى يد المسيح يدعو أمته إلى ما فيه، ويشير إليه صلى الله عليه وسلم بكلمة "هذا" صراحة، ومن ثم فلا مكان فى هذه النصوص للمماراة والجدل الساذج الذى لا يؤكّل عيشا. فما رأى كنديّنا الكذاب فى هذا؟ ليس ذلك فحسب، بل إن قول المسيح ما قال عن المرأة صاحبة قارورة العطر هو دليل قاطع على أن هناك عبثا فى الأناجيل. ألم يقل: "13اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: حَيْثُمَا يُكْرَزْ بِهذَا الإِنْجِيلِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ، يُخْبَرْ أَيْضًا بِمَا فَعَلَتْهُ هذِهِ تَذْكَارًا لَهَا"؟ لكننا ننظر فى إنجيل يوحنا فلا نجد خبرا عما صنعته تلك المرأة ولا أثرا لتلك العبارة العيسوية التى تثنى عليها، وهو ما يُعَدّ تكذيبا له عليه السلام، لكن الأنبياء لا يمكن أن يكذبوا، فما العمل؟ العمل هو القول بأن الإنجيل الذى يقصده المسيح قد اختفى، وإن كانت بعض الأناجيل البشرية التى ألفها المؤلفون بعد تركه الدنيا قد سجلت تلك الواقعة، وبعضها فاته ذلك. أما فى الإصحاح السابع من لوقا فتوجد حكاية المرأة، لكن لا توجد عبارة السيد المسيح بشأنها.
ثم لا يكتفى الرجل (أقصد شبيه الرجال) بهذا، بل يزعم أن القرآن الكريم يشهد لكتابهم بالصحة شهادة قاطعة، إذ يقول مخاطبا الرسول عليه السلام: "فإن كنتَ في شكٍّ مما أنزلْنا إليك، فاسأل الذين يقرأون الكتابَ من قَبْلِك. لقد جاءك الحقُّ من ربِّك فلا تكوننّ من الـمُمْتَرِين"، ثم فسَّر هذا القول وأكَّده، معترفًا لهم بالفضيلة حسبما قال، وذلك فى الآية التالية: "الَّذِينَ آتيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ". ولا ريب أن شبيه الرجال يعبث هنا عبثا لا يليق بالرجال، الذين لا ينتمى إليهم، إذ القرآن واضح تمام الوضوح فى التأكيد بأن كتابهم قد لعبت به الأيدى كما قال سبحانه وتعالى عنهم فى سورة "المائدة": "وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)". والواقع أن هذه نتيجة منطقية، إذ القرآن يتحدث دائما عن إنجيلٍ أنزله الله على عيسى بن مريم: "وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ" (آل عمران/ 48)، "وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ" (المائدة/ 46)، "ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ" (الحديد/ 27)، على حين أن الأناجيل التى بين أيدينا الآن ليست هى ذلك الإنجيل، بل مؤلفات كتبها ناس من الذاكرة بعد انتقاله عليه السلام عن الدنيا بعشرات السنين بوصفها تاريخا له لا بوصفها الوحى الذى نزل عليه. فهى بهذه الصفة أقرب ما تكون إلى السيرة النبوية لدينا نحن المسلمين، وإن كان ينقصها تمحيص الروايات كما فى سيرة المصطفى، إذ لم يعتمد كتابها إلا على ذاكرتهم حسبما هو معلوم. كذلك فإن هذه الأناجيل تختلف فيما بينها اختلافات كثيرة وشنيعة، مما يبرهن على أنها ليست أهلا للثقة. وفوق هذا هناك أناجيل أخرى غير تلك الأربعة بينها وبين تلك الأربعة اختلافات أكثر وأشنع. وهذه الاختلافات تتخذ أشكالا عدة: فقد يتناول إنجيل من الأناجيل ما لا يتناوله إنجيل آخر، وقد يختلف معه فى رواية الحدث أو الحديث الواحد، وقد يصل هذا الاختلاف حد التناقض الذى لا يمكن التوفيق فيه بينهما. كذلك قد يسوق كاتب الإنجيل أشياء تنافر المنطق أو التاريخ أو الجغرافيا أو العهد القديم أو ما ينبغى لله من تنزيهٍ وللرسل الكرام من احترامٍ، فضلا عن تناقض الإنجيل الواحد مع نفسه. ثم لماذا اختيرت تلك الأربعة بالذات وأُهْمِل ما عداها؟ ليس هناك من سببٍ علمىٍّ ولا مُقْنِعٍ لهذا، إنما هى نزوة استبدت بمن اختاروها وتركوا ما سواها، وإلا فكلها عمل بشرى نبت فى عقول أصحابها فنفذوه بعُجَره وبُجَره. وهم الآن يعترفون بأن فى الكتاب المقدس، بما فيها الأناجيل، أخطاءً علميةً وتاريخيةً وحسابيةً ولغويةً، ويُرْجِعون ذلك صراحة إلى تأثير الوسيط البشرى، أى الكتبة الذين ألفوها. وهم يسمون هذا بـــ"Colouring by the medium" حسبما ذكر المستشرق البريطانى ديفيد صمويل مرجليوث فى كتابه: "Mohammedanism" (Williams & Norgate, London, 1921, P.63). ومعناه أن الوحى إنما ينزل كفكرة عامة، ثم يقوم النبى الذى نزل عليه الوحى بصياغتها بعقله وأسلوبه هو. ومن ثم فالأخطاء التى توجد فى الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد ترجع إلى هذا الوسيط لا إلى السماء! يا فرحة قلبى! حاجة تطمئن فعلا! وعلى أية حال فإن تحريف الكتاب المقدس، والأناجيل بالذات، أصبح أمرا مقررا لا يمارى فيه أحد ولا حتى من رجال اللاهوت أنفسهم. وآخر ما عثرنا به على المشباك فى الكلام عن تحريف الأناجيل هو كتاب "Misqoting Jesus- The Story behind Who Changed the Bible and Why" لبارت إيرمان (Bart D. Ehrman)، فأرجو من صاحبنا الكندى أن يقوم من موته ويقرأه ثم يعود إلى موته ونتانته من جديد.
وإلى القارئ نَصًّا (نَصًّا واحدًا فقط من نصوص كثيرة يصعب حصرها) من الأناجيل محشُوًّا بالأخطاء شاهدا على ما نقول، وليكن أول شىء فى أول إصحاح من أول إنجيل، وهو سلسلة نسب المسيح عليه السلام المذكورة فى إنجيل متى، فماذا نجد فيها؟ ها هى ذى أولا السلسلة المذكورة: "1كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ: 2إِبْراهِيمُ وَلَدَ إِسْحاقَ. وَإِسْحاقُ وَلَدَ يَعْقُوبَ. وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يَهُوذَا وَإِخْوَتَهُ. 3وَيَهُوذَا وَلَدَ فَارِصَ وَزَارَحَ مِنْ ثَامَارَ. وَفَارِصُ وَلَدَ حَصْرُونَ. وَحَصْرُونُ وَلَدَ أَرَامَ. 4وَأَرَامُ وَلَدَ عَمِّينَادَابَ. وَعَمِّينَادَابُ وَلَدَ نَحْشُونَ. وَنَحْشُونُ وَلَدَ سَلْمُونَ. 5وَسَلْمُونُ وَلَدَ بُوعَزَ مِنْ رَاحَابَ. وَبُوعَزُ وَلَدَ عُوبِيدَ مِنْ رَاعُوثَ. وَعُوبِيدُ وَلَدَ يَسَّى. 6وَيَسَّى وَلَدَ دَاوُدَ الْمَلِكَ. وَدَاوُدُ الْمَلِكُ وَلَدَ سُلَيْمَانَ مِنَ الَّتِي لأُورِيَّا. 7وَسُلَيْمَانُ وَلَدَ رَحَبْعَامَ. وَرَحَبْعَامُ وَلَدَ أَبِيَّا. وَأَبِيَّا وَلَدَ آسَا. 8وَآسَا وَلَدَ يَهُوشَافَاطَ. وَيَهُوشَافَاطُ وَلَدَ يُورَامَ. وَيُورَامُ وَلَدَ عُزِّيَّا. 9وَعُزِّيَّا وَلَدَ يُوثَامَ. وَيُوثَامُ وَلَدَ أَحَازَ. وَأَحَازُ وَلَدَ حِزْقِيَّا. 10وَحِزْقِيَّا وَلَدَ مَنَسَّى. وَمَنَسَّى وَلَدَ آمُونَ. وَآمُونُ وَلَدَ يُوشِيَّا. 11وَيُوشِيَّا وَلَدَ يَكُنْيَا وَإِخْوَتَهُ عِنْدَ سَبْيِ بَابِلَ. 12وَبَعْدَ سَبْيِ بَابِلَ يَكُنْيَا وَلَدَ شَأَلْتِئِيلَ. وَشَأَلْتِئِيلُ وَلَدَ زَرُبَّابِلَ. 13وَزَرُبَّابِلُ وَلَدَ أَبِيهُودَ. وَأَبِيهُودُ وَلَدَ أَلِيَاقِيمَ. وَأَلِيَاقِيمُ وَلَدَ عَازُورَ. 14وَعَازُورُ وَلَدَ صَادُوقَ. وَصَادُوقُ وَلَدَ أَخِيمَ. وَأَخِيمُ وَلَدَ أَلِيُودَ. 15وَأَلِيُودُ وَلَدَ أَلِيعَازَرَ. وَأَلِيعَازَرُ وَلَدَ مَتَّانَ. وَمَتَّانُ وَلَدَ يَعْقُوبَ. 16وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ الَّتِي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ. 17فَجَمِيعُ الأَجْيَالِ مِنْ إِبْراهِيمَ إِلَى دَاوُدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً، وَمِنْ دَاوُدَ إِلَى سَبْيِ بَابِلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً، وَمِنْ سَبْيِ بَابِلَ إِلَى الْمَسِيحِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً". والآن هل يتصور القارئ الكريم أن من الممكن وجود أخطاء فى نسب الربّ عند أصحاب الأناجيل؟ لن أتكلم أنا، بل سأورد سلسلة نسب المسيح مرة أخرى كما أوردها لوقا، وأرجو من القارئ أن يقوم بالمقارنة بين النسبين من حيث عدد الأشخاص الذين تشتمل عليهم كل سلسلة وترتيبهم، مع ملاحظة أن إحدى السلسلتين تنتهى عند إبراهيم، على حين تظل الأخرى ماضية فى طريقها إلى الله ذاته، الذى تقول إنه هو الذى "وَلَدَ" ("وَلَدَ" لا "خَلَقَ") آدم، وسوف يرى القارئ فى هذه المقارنة عجبا: سواء فى اختلاف العدد أو فى اختلاف الترتيب أو فى اختلاف أسماء الأشخاص أو فى اختلاف نسبهم. وها هو ذا ما قاله لوقا فى الإنجيل المنسوب له، وكلامه موجود لمن يطلبه فى الإصحاح الثالث: "23وَلَمَّا ابْتَدَأَ يَسُوعُ كَانَ لَهُ نَحْوُ ثَلاَثِينَ سَنَةً، وَهُوَ عَلَى مَا كَانَ يُظَنُّ ابْنَ يُوسُفَ، بْنِ هَالِي، 24بْنِ مَتْثَاتَ، بْنِ لاَوِي، بْنِ مَلْكِي، بْنِ يَنَّا، بْنِ يُوسُفَ، 25بْنِ مَتَّاثِيَا، بْنِ عَامُوصَ، بْنِ نَاحُومَ، بْنِ حَسْلِي، بْنِ نَجَّايِ، 26بْنِ مَآثَ، بْنِ مَتَّاثِيَا، بْنِ شِمْعِي، بْنِ يُوسُفَ، بْنِ يَهُوذَا، 27بْنِ يُوحَنَّا، بْنِ رِيسَا، بْنِ زَرُبَّابِلَ، بْنِ شَأَلْتِيئِيلَ، بْنِ نِيرِي، 28بْنِ مَلْكِي، بْنِ أَدِّي، بْنِ قُصَمَ، بْنِ أَلْمُودَامَ، بْنِ عِيرِ، 29بْنِ يُوسِي، بْنِ أَلِيعَازَرَ، بْنِ يُورِيمَ، بْنِ مَتْثَاتَ، بْنِ لاَوِي، 30بْنِ شِمْعُونَ، بْنِ يَهُوذَا، بْنِ يُوسُفَ، بْنِ يُونَانَ، بْنِ أَلِيَاقِيمَ، 31بْنِ مَلَيَا، بْنِ مَيْنَانَ، بْنِ مَتَّاثَا، بْنِ نَاثَانَ، بْنِ دَاوُدَ، 32بْنِ يَسَّى، بْنِ عُوبِيدَ، بْنِ بُوعَزَ، بْنِ سَلْمُونَ، بْنِ نَحْشُونَ، 33بْنِ عَمِّينَادَابَ، بْنِ أَرَامَ، بْنِ حَصْرُونَ، بْنِ فَارِصَ، بْنِ يَهُوذَا، 34بْنِ يَعْقُوبَ، بْنِ إِسْحَاقَ، بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بْنِ تَارَحَ، بْنِ نَاحُورَ، 35بْنِ سَرُوجَ، بْنِ رَعُو، بْنِ فَالَجَ، بْنِ عَابِرَ، بْنِ شَالَحَ، 36بْنِ قِينَانَ، بْنِ أَرْفَكْشَادَ، بْنِ سَامِ، بْنِ نُوحِ، بْنِ لاَمَكَ، 37بْنِ مَتُوشَالَحَ، بْنِ أَخْنُوخَ، بْنِ يَارِدَ، بْنِ مَهْلَلْئِيلَ، بْنِ قِينَانَ، 38بْنِ أَنُوشَ، بْنِ شِيتِ، بْنِ آدَمَ، ابْنِ اللهِ".
كذلك أرجو أن يلاحظ القارئ أن السلسلتين جميعا تنسبان عيسى عليه السلام إلى يوسف النجار، وهذه فضيحة بكل المقاييس، إذ إنهم بهذه الطريقة يرددون ما يقوله من يتهمون مريم بالزنا، ويَسِمون عيسى عليه السلام بأنه ابن حرام، أستغفر الله العظيم. ولا يقولنّ أحد إن وجود اسم يوسف هنا يمكن أن يفسَّر بأنه أبوه بالتبنى، فالتبنى إنما يحدث إذا كان الأب الحقيقى متوفًّى أو مجهولا أو عاجزا عن تربية ابنه أو غير راغب فيه أو إذا كان الولد نفسه يستعرّ من أبيه أو لا يرتاح إليه... إلى آخر الأسباب التى يمكن أن يتم من أجلها التبنى. ولا أظن عاقلا أو مجنونا يستطيع الزعم بأن هناك سببا واحدا يدعو إلى أن يتبنى يوسف النجار الطفل عيسى، فالله لا يمكن أن يموت، ولا يمكن أن يستعرّ من الانتساب إليه طفله الصغير، ولا يمكن أن يكون عاجزا عن تربيته، ولا يمكن القول بأنه مجهول لا يعرفه أحد، ولا يمكن القول بأن يوسف قد اغتصب منه ابنه عَنْوَةً واقتدارًا على غير رضًا منه أو أنه أغراه بالشيكولاتة والمصّاص والبونبون والشيبسى والبيبسى وغير ذلك مما يغرم به الأطفال من أطعمة ومشاريب ولا يحب بعض الآباء لأولادهم أن يتعلقوا به، فهناك والحمد لله محاكم وقانون يمكن أن يلجأ إليها الأب لاستعادة ابنه المغتصَب أو المضحوك عليه فى هذه الحالة، والحكاية ليست سيبة. أليس كذلك؟ كما أن الوحى ذاته قد حسم المسألة تماما وقال إنه ابن يوسف، وإن بنوته لداود إنما تتحقق عبر يوسف، وإلا لذكر بنوته لمريم لا ليوسف، وهذا واضح تمام الوضوح من سلسلتَىِ النسب فى متَّى ولوقا، فلا مجال للمماحكة فى هذا الموضوع بأى حال. ومعنى ذلك أن يوسف فى نظر مؤلّفَىِ الإنجيلين هو أبوه الحقيقى لا أبوه بالتبنى، ولو كان يريد أن يقول إنه ابن الله لذكر هذا بدلا من ذكره لآدم. فإذا عرفنا أن من بين آباء عيسى داودَ ويهوذا ولوطًا، وأن العهد القديم يتهم داود بالزنا بامرأة جاره وقائده المخلص أوريّا الحثى، وأنه ينسب داود إلى لوط ثم إلى يهوذا بن يعقوب عن طريق زنى الأول بابنته (تصوَّرْ!) وزنى الثانى بتامار امرأة ابنه (يا داهية دُقِّى!)، لم نملك إلا أن نقول: يا له من نسب يليق بالإله، إذ فيه ثلاثة زناة قراريين: أحدهما خان العيش والملح ولم يراع حقوق الجيرة والعشرة والإخلاص، والآخران اقترفا زنا المحارم، وما خفى من سيرة الباقين فالله حليم ستار! كذلك فإن أيا من السلسلتين لا تذكر أبدا أن عيسى ابن الله، بل تجعل سلسلةُ لوقا ذلك الشرفَ من حق آدم لا من حق عيسى كما قلنا. ثم بعد ذلك يتحدانا عبد المسيح بن إسحاق الكندى (خيّبه الله وفضحه فى العالمين أكثر مما هو مفضوح) قائلا إن الأناجيل لم تحرَّف. لا يا عبده يا خُويَا، لقد حُرِّفَتْ وحُرِّفَتْ وحُرِّفَتْ على رغم أنفك وفمك ويدك وذهنك أيضا، وأكبر ما فى خيلك اركبه وأرنى شطارتك، فالعلم ليس فيه مجاملات!
وما كنا نحب أن نؤلم أحدا بكلامنا هذا، ولكنهم ينشرون رسالة الكندى وأمثالها فى المواقع المختلفة ويتحدَّوْننا بها: فإذا لم نردّ قالوا لنا: إنكم عاجزون عن الرد، وهذا دليل على ضعف دينكم، وإذا رددنا انبرى بعض آخر وقال: إنكم تتعرضون لديننا بما يسوؤنا. وهى حيلة مضحكة لا تجوز فى عقل أحد، فمن حقنا أن نردّ بما يبين الحقيقة مهما كانت مؤلمة. ونحن من جهتنا لا نقول لأحد: "اسكت، ولا تنتقد ديننا"، بل كل ما نفعله هو الرد على ما يقول بكلام مثل كلامه، ثم نضع الكلامين بين يدى القارئ، والقارئ عقله فى راسه يعرف خلاصه. وهى، كما ترى، معادلة عادلة لا غبن فيها لأحد، فأرجو أن يكون ذلك مفهوما. كما أننا لا نصرح للقارئ بكل ما يقوله الأوغاد فينا وفى رسولنا حفاظا منا على الهدوء والسكينة ما أمكن، ولكن ليس معنى هذا أن نترك السفهاء يبرطعون كما يحلو لهم ويتيهون علينا ويتباذؤون فى حقنا وحق نبينا، الذى لا يتركون كذبة سفيهة سافلة ولا اتهاما حقيرا وضيعا مثلهم إلا وافتروْهما عليه صلى الله عليه وسلم، فى الوقت الذى لا نذكر نحن فيه السيد المسيح إلا مشفوعا بالصلاة والسلام عليه وتبرئته مما يتقولونه هم عليه بجهل وغشم، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعا! هذا، ولا أريد أن أمضى فى كشف الثغرات الفظيعة فى الأناجيل، بل أحيل القارئ إلى ما كتبتُه فى المشباك تحت عنوان "قراءة فى إنجيل متى" و"مقتطفات ممتعة من الكتاب المقدس"، وكذلك كتبى الورقية التى تتعرض لمثل هذه الموضوعات مثل "مع الجاحظ فى رسالة الرد على النصارى" و"سورة طه" و"سورة يوسف" و"دائرة المعارف الإسلامية الاستشراقية- أضاليل وأباطيل" و"مصدر القرآن". ونحن حين نقول ذلك نعرف أن الله خلق البشر مختلفين، وأن كل أمة تعتز بما تؤمن به ولا تحب أن يتعرض لها أحد فى عقائدها ورموزها، ولكن على السفهاء أن يعرفوا أننا نحن أيضا نحب ديننا ونفتدى رسولنا بكل غال وثمين، ونراه نبيا عبقريا ليس هناك نبى فى عبقريته وإنجازاته المذهلة رغم احترامنا لكل الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فإذا أرادوا ألايتعرض أحد لما يعتزون به فليكفوا عن قلة الأدب والسفالة التى يظنون أنها مُبْلِغتهم ما يريدون، وهيهات، بل هم الخاسرون على المدى البعيد والقريب أيضا، إذ الإسلام هو دين الحقائق والعلم والمنطق، ولا يضيره أبدا بحث أى موضوع مهما تكن حساسيته، فنرجو ألا يضيق صدر الطرف الآخر مثلما لا يضيق صدرنا بالنقاش. أما أهل الكتاب المذكورون فى قوله تعالى لرسوله: "فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ"، وقوله سبحانه: "الَّذِينَ آتيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ"، فليسوا هم النصارى المثلثين، بل النصارى الموحدين الذين لا يخفون من الإنجيل شيئا، ومن هنا وصفهم القرآن بأنهم "يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ"، أى يتلون الإنجيل بفهم ودون تحريف أو تأليه للمسيح أو اعتقاد فى قتله وصلبه عليه السلام. وهؤلاء، كما جاء فى الآية، يؤمنون من ثم بالقرآن الكريم. ثم إن كان فى نفس الرسول خوف ألا يكون ما ينزل عليه وحيا من السماء (وهذا، كما ترى أيها القارئ الكريم، منتهى الموضوعية من الرسول والقرآن على السواء، وإلا فإن الكذابين لا يقولون هذا عن أنفسهم)، فليسأل، إن أحب، هؤلاء القوم المخلصين الذين يعلمون من كتابهم أنه رسول من عند رب العالمين. وبالمناسبة فهذه الآية من أوائل ما نزل من القرآن. وبالمناسبة أيضا فإنه، عليه السلام، حين نزل عليه قوله تعالى: "فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ" أجاب قائلاً: "لا أشك ولا أسأل"، إذ كان إنما يريد مزيدا من الطمأنة من الله، وقد نالها والحمد لله، فلا داعى من ثم للاطمئنان من العباد. وأرجو أن يتنبه القراء الكرام إلى أن القرآن متى مدح أحدا من أهل الكتاب المعاصرين لسيدنا رسول الله فهم الذين أسلموا منهم كجبر ويسار وعبد الله بين سلام والقساوسة والرهبان الذين قُدِّر لهم أن يستمعوا إلى القرآن ففاضت أعينهم من الدمع إيمانًا وإخباتًا وسارعوا إلى إعلان إسلامهم ودَعَوُا الله أن يقبلهم فى زمرة المصدّقين الشاهدين. ولا يمكن أبدا أن يثنى القرآن على نصرانى يثلّث ويقول بالصلب لأن مثل ذلك النصرانى كافر بمحمد وبالدين الذى جاء به. وليس فى هذا افتئات على أحد، بل كل إنسان حر فيما يعتقد، وكل ما هنالك أن هذه هى عقيدة المسلم، وإلا ما كان مسلما.
27- وفى الكلام عن المعجزات التى أجراها الله على يد المسيح عليه السلام مما لا يمارى فيه المسلم، وإنما يمارى فى القفز من الاعتراف بتلك المعجزات إلى القول بأنها دليل على ألوهية المسيح، وهو ما لا تلازم بينه وبين تلك المعجزات على الإطلاق، إذ ليس السيد المسيح هنا إلا واسطة أظهر الله على يديه عجائبه وقدرته سبحانه، يقول صاحبنا المجرم الزنيم المتخفى وراء اسم "الكندى": "إنه ظهر الكوكب للمجوس في بلاد فارس ليدلهم على ميلاد الملك العظيم الذي لا زوال لملكه، وكان علماؤهم قد سبقوا فأخبروهم بخبره في الكتب وعرّفوهم وقت ظهوره وأَعْطَوْهم الدليل على ذلك، والعلامة ظهور كوكب يتقدمهم في المسير إليه وقضاء بعض حق عبادته بالسجود له والخضوع لطاعته. فلم يزل المجوس ينتظرون ذلك ويتوقعونه راجين ومؤمّلين حتى جاء الوقت وظهر الكوكب الذي هو الدليل على ميلاد السيد العظيم (متى 2:1- 12)، فجاءوا من بلاد فارس إلى بيت المقدس الذي هو أرض اليهودية بهداية الكوكب، حتى وقف ببيت لحم، فقَضَوُا الغرض وأدَّوْا حق الطاعة، ورَأَوْا ما كانوا يؤملونه وانصرفوا مؤمنين غير شاكين ولا مرتابين، بل فرحين مسرورين. ثم ظهر ملاك عند ولادته لقوم من الرعاة كانوا يَرْعَوْن أغنامهم (لوقا 2:8-20) فقال لهم: هَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ (يعني لأولاد آدم جميعًا) هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ. وَهذِهِ لَكُمُ الْعَلامَةُ: تَجِدُونَ طِفْلاً مُقَمَّطًا مُضْجَعًا فِي مِذْوَدٍ . فلم يفرغ من كلامه حتى ظهرت لهم أجناد الملائكة مع ذلك الملاك وهي تطير ما بين السماء والأرض بتهليل وترتيل، وتهتف جميعًا بصوت عال وتسبّح وتقول: المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة. ثم أقبل الرعاة إلى ذلك الموضع مسرعين فوجدوا المولود في مِذْوَدٍ كما أخبرهم الملاك، فصدّقوا وآمنوا وأخبروا بخبرهم وما عاينوه من أجناد الملائكة وما سمعوه من التسبيح العجيب، وقصّوا قصة مجيئهم، فتعجب من ذلك كل من سمع. فهذه قصة البشارة والميلاد على غاية الاقتصار من القول". هذا ما قاله الكندى المزعوم، وأما نحن فنقول: أولا: هذه الحدوتة اللطيفة التى تعجب العيال الصغار وتسرّهم لم ترد إلا فى الإنجيل المنسوب إلى متى، أما الأناجيل الأخرى المقبولة عند الكنيسة وغير المقبولة عندها فلا تعرفها. وثانيا: إذا كان الرعاة، رغم كل شىء، قد عاينوا ذلك وقصوه على الناس وآمن هؤلاء بما قالوه لهم، فلماذا يا ترى كان الناس جميعا بعد ذلك ينادون عيسى عليه السلام بــ"ابن يوسف"؟ إن هذا لا يعنى إلا واحدا من أمرين: إما أن تكون الحكاية لا أصل لها، ولْيَبُلّها الكندى إذن ويشرب ماءها (قبل الأكل، أو بعد الأكل، أو أثناء الأكل: فهذا أمر متروك له)، وإما أن المعجزة قد وقعت، لكن لم يكن لها أى أثر، فكأنك يا أبا زيد لا رحت ولا جئت! وأنا أرجح الأولى، وإلا فلم الرعاة وحدهم؟ اللهم إلا إذا قيل إن المسيح إنما بُعِث إلى الرعاة ليس إلا، وهذا ما لا يقول به أحد. ثم أين الرعاة فى الأناجيل بعد ذلك؟ الحق أنهم لا وجود لهم، بل لا وجود إلا للصيادين والعشّارين والكهنة والجنود الرومانيين، فضلا عن الممسوسين والعُمْيَان والبُرْصَان، أما الرعاة فكلا ثم كلا ثم كلا! ويبقى المجوس، وما أدراك ما المجوس؟ إن صاحبنا يقول بوجود البشارة به صلى الله عليه وسلم فى كتبهم، فأين هى يا ترى؟ وما الفائدة من مجىء المجوس لرؤية عيسى عليه السلام؟ أوقد آمنوا به؟ فما أسماؤهم إذن إن كان لهؤلاء الوفد وجود تاريخى؟ ام هى مجرد حواديت ظريفة، والسلام؟ لكننا لسنا فى مجال الحواديت! بل أين أثر تلك الزيارة فى أمة الفرس؟ المعروف أن الفرس لم يتحولوا هم بالذات إلى النصرانية، فالزيارة إذن زيارة من النوع الفِشِنْك. وهذا إن صَحّتْ، ولا أظنها تصحّ. ومَنِ الذين نقلوا خبر تلك الزيارة يا ترى لمؤلف إنجيل لوقا، وهو المؤلف الوحيد الذى ذكرها دون سائر مؤلفى الأناجيل، أو بالأَحْرَى: ملفّقيها؟ فأما المسيح فلا يمكن أن يكون هو الناقل لأنه كان رضيعا آنذاك لا يدرى من أمر نفسه ولا أمر الدنيا من حوله شيئا. وكذلك لا يمكن أن يكون الناقل مريم أو يوسف، وإلا لنسب كتبة الأناجيل ذلك إليهما، وهو ما لم يحدث. كما أن هناك سؤالا مهما لو عصرنا على عقولنا ليمونة وابتلعنا تلك الحدوتة، وهو: كيف يا ترى استطاع الطرفان: المجوس من جهة، ومريم ويوسف من جهة أخرى، أن يتفاهما، ولم تكن بينهما لغة مشتركة؟ اللهم إلا إذا قيل إن الأمم المتحدة كانت قد كلفت بعض تراجمتها الفوريين بحضور هذا اللقاء والترجمة بين الطرفين! ولكن هل يعقل أن يتم لقاء مثل هذا وينتهى فلا يلفت الأنظار؟ ألم يتساءل سكان المكان عن سر مجىء هؤلاء الفرس الذين يرطنون بلسان عجيب ويلبسون ملابس أعجب؟ وكيف عرفوا موضع المذود الذى كان فيه الرضيع المبارك عليه السلام؟ أترى النجم يقف فى السماء دون حركة إلى أن يتعرفوا، ولا أدرى كيف، إلى الموضع المذكور؟ أم تراه نزل من عليائه فوق الحظيرة التى فيها المذود فطربقها وسهدمها، وبذلك عرف المجوس أن المكان الـمُسَهْدَم هو المكان الذى يبحثون عنه؟ لكن هذا لم يحدث، وإلا لكان مؤلف إنجيل لوقا وكل المؤلفين لكل الكتب الأخرى قد ذكروه. بل ترى هل من الممكن أن يبطئ النجم من سيره، على طريقة "تاتا تاتا خط العتبة"، أو على طريقة "حابا حابا مين يجينى؟" أو على طريقة "عم أيوووووب": "أنا كاىّ أَهُهْ" (فى مسرحية محمد صبحى الشهيرة)، كى يستطيع الفريق المجوسى مسايرته لمدة ما لا أدرى كم من الشهور منذ تركوا بلاد فارس إلى أن بلغوا مدينة الناصرة مشيا على القدم أو على أكثر تقدير: ركوبا على الحمار (يعطينى الله وإياكم أيها القراء طول العمر حتى يصلوا بالسلامة)، فضلا عن أن يقف فى مكانه فلا يتحرك كلما توقفوا للنوم أو للاستراحة أو للأكل أو لقضاء الحاجة، ويأخذ هو بدوره غفوته أو يتناول وجبته أو يقضى حاجته (غثاثة منه طبعا بحجة أن له نَفْسًا هو الآخر، ومن حقه أن يستريح ويقضى الحاجات، والمحتاجات أيضا)؟ اللهم إلا إذا قيل إنه كان بطيئا فعلا لدرجة أنه كان يسقط من مداره كل ثانية فيمد المجوس أيديهم ويعيدونه إلى موضعه، فيعود هو ويسقط، ليعودوا هم ويرجعوه... وهلم جرا، والجمهور سعيد بهذه الحركات والبركات، إلى أنْ "توتة توتة، فرغت الحدوتة"، وبدلا من أن يقوم النجم بإرشاد المجوس قاموا هم بالحفاظ عليه وإرشاده كل لحظة إلى مداره! يعنى على رأى المثل: "جئتك يا عبد المعين تعيننى"! ثم إن ما يفرسنى بعد ذلك كله هو بجاحة الكندى وتصوره أنه جاء بالذئب من ذيله!
28- ولأن الكذاب يرد على شخص موهوم لا وجود له، نراه ينطلق فيفترى عليه الافتراءات التى يحسب أن أحدا لا يمكنه الرد عليها، فنراه يزعم أن الهاشمى كان يستعيذ بالصليب فى الملمات فكان الصليب يعيذه ويحميه، إلا أنه يا للأسف قد تنكر للصليب وأفضاله. شف ازاى! وهذا ما قاله نَصًّا فى الرد على اتهام الهاشمى له ولأهل ملته بتبجيل الصليب وعبادته: "فنحن على هذه السنّة أيضا في تعظيم الصليب، ونجري فيها على ما جرى عليه الأنبياء الأبرار. فلِمَ غلب عليك النسيان في هذا الموضع، وكأنك نسيتَ ما جرَّبْتَ من القوة الحالّة في الصليب حين استعذت به عند سقوطك عن الدابة، وحين هربت ممن هربت منه، وحين لقيت الذي لقيت في طريقك وأنت ماضٍ إلى عمر الكرخ، وحين تلقاك الأسد وقاربت ساباط المدائن؟ فإن كنت أنت نسيتها فنحن ذاكرون لها، فلِمَ تكفر بالنعمة وتكافي بالشر وتنكر المعروف؟ أي ضررٍ نالك عند تعوُّذك بالصليب وأنت تعلم أننا معشر النصارى لا نعبد الصليب، وإنما نُجِلُّ القوة الحالّة في الصليب، والتأييد الذي أيَّدنا به، والخلاص الذي أُوتيناه بسببه؟". لكن لو كان الهاشمى يستعيذ بالصليب كما يزعم هذا الكذاب، أكان يكفِّر الكندى وقومه جميعا لاعتقادهم فيه؟ وكيف سكت عنه الكندى طوال تلك المدة منذ سمعه ورآه يستعين ويستعيذ بالصليب فلم ينتهزها فرصة ويَدْعُه إلى النصرانية؟ كذلك هل من المعقول أن يستعين بالصليب ويَكْفُر من ثَمّ رجل كهذا قوى الإسلام صليب الاعتقاد فيه والافتخار به حتى إنه لا يكتفى بأن يكون مسلما، بل يريد للنصرانى أن يسلم هو أيضا ويكفّره لاعتقاده فى الصليب؟ وهذا لو أن الصليب له بركة أصلا، وإلا فلماذا لم يستعن به الكندى ومئات الملايين مثل الكندى على مدى أربعة عشر قرنا لتدمير المسلمين وشطب الإسلام من خريطة الدنيا؟ الحق أن الكندى، أو بالأحرى: من تسمى باسم الكندى، هو كائن عريق فى الكذب والتدجيل، ولكنه كذب وتدجيل من الدرجة المنحطة العاشرة. أهذا كلام تقوله يا كندى؟ إن مخرج كلامك هذا لهو نفسه مخرج نُفَايات القمّص النُّفَاية الذى يقول فى رسائله لى عبارة من مثل: "أصلّى لك ليشرق قلبك بنور المسيح"، أو "أنا متأكد أن المسيح يعمل عمله الآن فى قلبك"، وهو ما يستحق أن يكون الرد عليه هو: "وأنا متيقن أن ما لا أدرى مَنْ يعمل عمله الآن فى دبرك".
29- وبعد فقد تنبهت منذ القراءة الأولى إلى أن الأسلوب فى الرسالتين ماؤه واحد حتى لكأنه خارج من ذات القلم، فانقدح فى خاطرى أنه لا بد من تحقيق هذه النقطة، فكانت الفقرات التالية التى أقمتها على المقارنة بين الرسالتين من تلك الناحية: فمما يلاحظه الناظر فى كلام الهاشمى ورد الكندى عليه تكرر كلمة "المحبة" فى الرسالتين بدلا من "الحب"، وهى كلمة تشيع بين النصارى أكثر من شيوعها بين المسلمين كما هو معروف. وبالمثل تكرر استعمال كلمة "الديانة" فى موضع "الدين" عدة مرات هنا وهناك. يضاف إلى هذا أن كلا من الكاتبين تكلم عن الخلود فى الجنة على أنها "الحياة": يقول الهاشمى: "يأخذون كل ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، ولهم فيها الكرامة والحياة والجلوس على الأسرَّة، متكئين على الأرائك"، وهو ما نجده عند الكندى فى قوله: "معناه موت الخطيئة الذي هو عبادة الأصنام وانقطاع الرجاء من موعد الحياة الدائمة التي بشر بها المسيح مخلصنا أنه يعطينا إياها يوم القيامة"، وهذه شنشنة نصرانية. ومما يلفت النظر أيضا فى الرسالتين تكرر لجوء الكاتبين إلى صيغ جمعية غريبة، كــ"المناكح" و"الصيامات" فى رسالة الهاشمى، و"الأشفية، والعوافى، والتماجيد، والمآثم، والملاحمات، والمِرَار" لدى الكندى. وينضاف إلى هذا توارد كل من الكاتبين على القول بــ"ارتفاع المسيح إلى السماء" بهذا النص تعبيرا عن مفارقته الدنيا، وكذلك إشارة كل منهما إلى أن هناك من يمكن أن يقرأ رسالته إلى الآخر مع أن المفروض أنها رسالة شخصية حساسة، فنجد الهاشمى يقول: "ليعلم من وقع في يده كتابي هذا أني عالم بالقضية"، وعلى نفس الوتيرة يقول الكندى: "وأرجو أن يكون هذا الجواب مقنعا لك وللناظر في كتابنا هذا"، "أما أنا فقد بلغتُ جهد طاقتي في النصيحة لك ولكل من نظر في كتابي". ويمكن أن نلحق بذلك استعمال كل منهما صيغة الطلب من الفعل "وَدَع "، فعند الهاشمى: "فدَعْ ما أنت عليه من الكفر والضلال والشقاوة والبلاء"، "فدَعْ ما أنت فيه من تلك الضلالة وتلك الحمية الشديدة الطويلة المتعبة، وجهد ذلك الصوم الصعب والشقاء الدائم الذي أنت منغمس فيه"، وعند الكندى: "ولكن فلْنَدَعْ الآن ذكر هذا ونأخذ في ذكر أعلام النبوة".