آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


-
18- ومما يتعرض له الكندى الأحمق مسألة إعجاز القرآن، الذى يسخر من قوله تعالى بشأنه: "قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا" (الإسراء/ 88)، والذى يروح فى مناقشته مناقشة نظرية ساذجة كتلك التى راح فيها عند كلامه عن ألوان الشرائع كما رأينا قبل قليل، إذ يقول: "فأخبِرْني، أصلحك الله، عن قول صاحبك: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (سورة الإسراء/ 88). أفتقول: أفصح ألفاظًا منه؟ فجوابنا لك في هذا: نعم. أفصح منه كلام اليونانية عند الروم، والزوبة عند أهل فارس، والسريانية عند أهل الرها والسريانيين، وعبرانية بيت المقدس عند العبرانيين، فإن كل لسان له كلام فصيح عند أهله من سائر الألسن، ولهم ألفاظ فصيحة يتخاطبون بها، وهي عندك كلها أعجمية. كما أن لسانك العربي الفصيح أعجمي عندهم. هذا إذا أطلقنا قولك إن كتابك أفصح ألفاظًا بالعربية، فصاحب فصاحة الألفاظ هو الذي لا يحتاج إلى استعارة ألفاظ غيره، ولا يستعين بها في خُطَبه وكلامه، بل يكون مستغنيًا بمعرفته وفصاحته عن لسان غيره. ونحن نرى صاحبك قد افتقر في كتابه إلى استعمال كلمات غيره، وهو القائل: إنا أنزلناه قرآنًا عربيًّا، ولكنه استعان من الفارسيّة بــ"الإستبرق وسندس وأباريق ونمارق"، ومن الحبشيّة "المشكاة" وهي الكُوّة، ومثل هذا كثير قد استعمله في كتابه، فنقول إن العربية ضاقت عليه فلم يكن فيها من الاتساع ما ألجأه إلى لسان غيره في هذه الأشياء، سيما وأنت ترى أنها مُنزَّلة من عند رب العالمين على يد جبريل الملك الأمين. فأنت تُوقِع النقص بالمرسِل أو بالرسول. فإن كان من عند صاحبك فوقع النقص به لأنه لم يكن يعرف هذه الأسماء بالعربية، فلذلك أعجزته. فهذه ألفاظ امرئ القيس وغيره من الشعراء والفصحاء المتقدمين والمتأخرين الذين لا يُحْصَى عددهم، وكلام الخطباء والبلغاء الذين كانوا قبل مجيء صاحبك أفصح ألفاظًا منه وأرقّ وأدقّ معان بإقراره لأهلها حيث حاجّوه فقطعوه فقال: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (سورة الزخرف/ 58) لأنهم خصموه فكانوا خصمًا بأصحّ حجة، وكانوا أبلغ في الخطابة منه، وهو القائل إن من البيان لسحرًا. فلا يخلو إذًا أمر هذا الكتاب مما وُضِع فيه من الألفاظ الأعجمية من أن يكون قد ضاق على صاحبك اللسان العربي، مع علمنا أن لساننا العربي أوسع الألسن كلها. أو أن يكون قد أُدْخِلَتْ فيه الزيادة من قوم آخرين، كما ذكرنا لك في أصل خبره، وأن الأيادي الكثيرة قد تداولته. فأخبرني أيّ القولين أحببت، فإنه لا محيص لك من أن تقول بأحدهما، وأنت عارف بنتيجة ذلك إذا قلتَه. فإن قلتَ إنهم لا يقدرون أن يأتوا بمثل تنضيده وترصيعه، قلنا لك إن تنضيد الشعراء لشعرهم ووزنهم له الوزن الصحيح الذي هو أصعب وأدق معنى، واختيار الألفاظ النقية الصافية العربية الخالصة مع اتساق المعنى الحسن أكمل في الأحكام وأصح في الصنعة، لأن كتابك كله سجعٌ منكسر وكلام مختلف وتكبير معانٍ لا معنى لها. فإن قلتَ: بل هو أصح معاني، سألناك: أي معنى جديد ظفرت به فيه نتعلمه منك؟ وأي معنى صحيح وجدته فيه، فأوقفنا عليه! وأي خبرٍ لم نسمعه على غاية التمام والكمال من الشرح والصحة في الكتب المتقدمة، أَفِدْنا منه".
وردنا على ذلك كله يتلخص فى كلمة واحدة هى أن القرآن لا مثيل له فعلا فى تحريك الهمم الخامدة وإحيائه النفوس الميتة، فها هم أولاء العرب بعد أن جاءهم القرآن وآمنوا به قد تغيروا من حال إلى حال أخرى غير التى كانوا عليها، فأَضْحَوْا سادة وأصحاب إمبراطورية فى غضون عدة عقود من السنين قلائل بعد أن كانوا أمة متخلفة فى كل مناحى الحياة، وهو ما لم يحدث من قبل ولا من بعد. وهم حين فعلوا ذلك لم يفعلوه فى مواجهة أمم متخلفة مثلهم بَلْهَ أقلَّ منهم، بل مع أمم ذات حضارة وتاريخ وعلوم ونظام إدراى وعسكرى وسياسى ليس لهم منه قليل ولا كثير، وأكثر عددًا وأقوى عُدّةً منهم بما لا يقاس. وما زال دينهم قائما فى نفوس أهل تلك البلاد حتى الآن، وكذلك لغتهم وتاريخهم. بل إن من أهل تلك البلاد من تفوق على العرب الأصلاء فى معرفة العربية والإبداع بها، وفى دراسة الإسلام والتعمق فيه. فهذا ما لم يستطعه كتاب آخر قبل القرآن ولا بعد القرآن، وهذا هو إعجازه أولا وقبل كل شىء. أما قوله إن العرب قد خَصَموا النبى، أى انتصروا عليه، فلا أدرى كيف تواتى هذا الكذابَ نفسُه لقول ذلك، والعرب جميعا قد انتهى أمرهم معه عليه الصلاة والسلام بالخضوع التام له بعقولهم وقلوبهم وضمائرهم، وفى عاداتهم وتقاليدهم وسلوكهم وأذواقهم، بما يعنى أنه هو الذى انتصر عليهم كلهم. أما كلام صاحبنا فلا معنى له إلا أن الرسول عندما مات قد مات معه دينه لفشله فى أن يقنع قومه بنبوته، وهذا لا يقول به إلا رقيع سخيف العقل! والعجيب أنه قال قبل هذا إنه عليه السلام قد ضحك على العرب وأقنعهم بنبوته لأنهم قوم سذَّج، فلماذا عاد فقال إنهم قد خصموه، أى حاجوه وهزموه ولم يقتنعوا بدينه؟ إنه هنا يذكرنى بطه حسين، الذى رفض الشعر الجاهلى وأنكر صحته لأنه لا يعكس الرقى العقلى الذى يشير إليه القرآن حسب زعمه حين وصفهم بأنهم قوم خَصِمون، ثم حين أراد أن ينكر الخطابة الجاهلية أيضا لجأ إلى حجة مضادة قائلا إنهم كانوا من التخلف الفكرى بحيث لا يمكنهم الخطابة. فهذا من هذا، وهو ما يدل على أن أعداء محمد ينزعون عن قوس واحدة! ثم إن الخَصِم لا يعنى من ينتصر عليك بالحجة والفصاحة، بل من يظل يجادلك ولا يقبل التسليم برأى غير الذى يراه مهما تتابعت البراهين على سخف ما يرى وحماقة ما يقول. كما أن كلمة "قومٌ خَصِمون" إنما يراد بها هنا سفلة العرب ومتعصبتهم غلف القلوب، وإلا فلدينا علىٌّ وزيدٌ وأُبَىٌّ وسعدُ بن أبى وقاص وسعدُ بن معاذ وأبو موسى الأشعرى وحمزةُ وسعيدُ بن زيد وأبو بكر وعمرُ وعثمانُ وخالدٌ وعمرُو بن العاص وخديجةُ وعائشةُ وحفصةُ وزينبُ وأم رومان... إلخ إن كان لهذا من آخر! ثم إن وصفه تعالى لهؤلاء الكفار المتصلبى شرايين الذهن والقلب بأنهم "قوم خصمون" هو نفسه ما تكرر مرارا فى الكتاب المقدس منسوبا إلى الله عز وجل من أن بنى إسرائيل "شعبٌ صُلْبُ الرقبة". فهل نقول كما قال الغبى المتخلف إن بنى إسرائيل أفصح منه سبحانه وأبرع فى الحجة وأصدق؟ أم ماذا؟ أَجِبْ يا عقل العصفور، أَجِبْ! كذلك ينبغى، بناء على هذا، أن نقول إن اليهود قد أحرزوا انتصارًا ساحقًا مستحَقًّا على المسيح عند محاكمته وصلبه، ومن ثم فهو يستأهل ما جرى له لأن حجتهم هى التى انتصرت واكتسحت! أليس كذلك أيها الخنزير النجس؟ ألم تسمع بذلك القول الحكيم: "حاججتُ عاملا فغلبته، وحاججتُ جاهلا فغلبنى"؟
وأما أن فى القرآن ألفاظا أجنبية رغم قول القرآن عن نفسه إنه نزل بلسان عربى مبين، فهو كلام يدل على جهل لا يليق بصاحبه أن يتصدى لمثل تلك القضايا. ذلك أنه ما من لغة فى الدنيا إلا وفيها ألفاظ من لغات شتى، فلماذا تشذ العربية عن ذلك؟ وهذه الألفاظ التى أخذتها كل لغة عن غيرها لا تنفى عنها صبغتها القومية، وإلا ما صح أن نقول: لغة إنجليزية، أو فرنسية، أو عبرية، أو فارسية... إلخ لأن فى كل من الإنجليزية والفرنسية والفارسية والعبرية ألفاظا من لغات كثيرة منها العربية. والدليل على ما نقول فيما يخص القرآن هو أن تلك الكلمات موجودة فى العربية قبل ذلك، ومع هذا كان اسمها "اللغة العربية"، فبأى سبب يريد هذا الحمار أن ينفى عنها العروبية بعد مجىء الإسلام؟ والواقع أن تحديد هوية العربية لا يعتمد على الألفاظ وحدها، بل يعتمد قبل هذا على الاتساع الهائل فى معجمها اللفظى وكثرة مترادفاتها وخضوع صيغ كلماتها لقوانين دقيقة والمرونة العجيبة فى تركيب جملها وعبقرية نظامها الإعرابى وحلاوة أسجاعها وجناساتها وتورياتها وموازناتها وسهولة استحداث كلماتها الجديدة اشتقاقا أو نحتا أو ترجمة أو تعريبا وحرصها على سلاسة ألفاظها بحيث لا يتجاور حرفان متنافران أو تبدأ الكلمة بساكن أو يتتابع ساكنان مثلا، فضلا عن كثرة اللغات الأجنبية التى استعارت من ألفاظها الكثير الكثير كالفارسية والتركية والأوردية والسواحلية والإسبانية والمالطية وقلة الألفاظ الأجنبية التى تتضمنها نظرا لميل أهلها إلى ترجمة المستعار الأجنبى، أو على الأقل تعريبه، أى إعطائه شكلا عربيا كـــ"تلفاز" بدلا من "تليفزيون" مثلا. أما الاستعانة بألفاظ أعجمية فهو أمر طبيعى حين يدل هذا اللفظ على حيوان أو نبات أو فاكهة لا تعرفها البيئة العربية كحيوان "الرَّنّة" مثلا أو فاكهة "الباباظ" أو ثمرة "الأفوكادو"، أو اختراع سُبِق العرب إليه كــ"الأوتوموبيل"، الذى سرعان ما زال وأخلى مكانه لـ"السيارة"، و"الموتور"، الذى نسميه الآن: "المحرك"، و"الوابور"، الذى نقول عنه منذ وقت جد بعيد: "القطار"... وهكذا. والآن ألا يرى القارئ مدى العناد والغباء لدى هذا المسكين؟ ثم إن العرب لم يستعجم عليهم شىء فى القرآن، وإلا فكيف تجاوبوا معه وآمنوا به وجاهدوا فى سبيله وحفظوه وصانوه فى بؤبؤ عيونهم وشغاف قلوبهم؟ أما ادعاؤه بأن الشعر أفصح من القرآن فلا رد عليه أنجع من أن نقول إن الشعراء جميعا قد آمنوا بمحمد، ولم يؤمن محمد بالشعراء، وكانوا كلهم فى خدمته ينافحون عن دعوته ويجلّونه ويبجلونه ويهجمون على أعدائه يمزقونهم بألسنتهم تمزيقا. وليس هناك كتاب فى الدنيا قد أثار العقول وأنارها كما صنع القرآن، ووُضِعَت حوله الدراسات كما وُضِعت الدراسات حول القرآن، وكان سببا فى ظهور علوم كثيرة كما كان القرآن. فما قول الغبى الأحمق فى هذا؟ ثم إننا نقرأ شعر الشعراء ونثر الناثرين، ونقرأ القرآن فنشعر أن هذا القرآن هو من عند الله، ولا نحس بشىء من ذلك فى قراءتنا للشعر. ثم كيف يسوّى ذلك الكائن الحقير بين القرآن فى جلاله ونبل مبادئه وسمو معانيه وعظمة تشريعاته وبين غزل المتعزلين وعهر العاهرين وهجاء الهجائين وفحش السكيرين وفخر الفاخرين ووصف البقر والجمل والحصان والأطلال عند الوصّافين؟ ويبقى قوله إن القرآن قد زيد فيه ونُقِص، ولن أتعب قلبى فى تفنيد هذا الغثاء بأزيد من التنبيه إلى حقيقة تفقأ عين كل مكابر وتشرم دبر كل منحط جاهل، وهى أن القرآن من أوله إلى آخره ماء واحد ليس بين بعضه وبعض أى تفاوت سواء من ناحية فخامة الأسلوب وجلاله أو من ناحية ألفاظه وتراكيبه وعباراته وصُوَره وإيقاعه أو من ناحية الروح الذى يرفرف عليه أو من ناحية موضوعاته ومضامينه. وأخيرا يقول الوغد الزنيم إنه لو كان قد قُدِّر لمسيلمة وطلحة وسائر الأنبياء الكذابين أصحاب كالذين أتيحوا لمحمد لكانوا قد نجحوا مثله. والسؤال: ولماذا لم يتح لهم ما أتيح لرسولنا الكريم؟ السبب ببساطة هو أنه نبى عبقرى، أما هم فأشباه رجال حقراء مثلك! أفهمت أيها الكافر اللئيم؟ والواقع أن كل ذلك العناد الكافر مبعثه أن محمدا عليه الصلاة والسلام قد أراد للبشر أن يفكروا بعقولهم وأن يخلعوا عن عقائدهم بشاعة الوثنية وأن يُخْلِصوا إيمانهم لله وحده فلا يشركوا معه واحدا من عباده المتبولين الخارئين؟ أرجو أن يرى القارئ مدى تهافت المنطق عند ذلك الكائن الرذيل! ألا لعنة الله على كل كفار زنيم!
19- وهنا نراه وقد ركبته الجلالة واندمج فى الدور فأخذ يعطينا دروسا فى التوحيد، وهو الوثنى المرتكس، فقال: "وأما قولك إنه مكتوب على العرش: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" فلقد كثُر تعجُّبي منك. كيف أمكن أن تتصور مثل هذا أنه صحيح حتى ترويه وتكتب به إلى مثلي من أهل اليقين وصحة الانتقاد، لأنك في حكمتك لم تترك شيئًا لليهود الذين يحدّون الله ربَّهم أنه جالس على عرشٍ محدود، فلم ترض أن أجلسته على عرش محدود حتى تكتب على العرش اسمه واسم آخِرِ من خَلْقه". وقبل أن أذكر رأى أهل الحديث فى ذلك الحديث أود أن أقف بالقارئ قليلا أمام الحُمَّى التى أصابت صاحبنا عند ذكر تجسُّد الله، وكأنه من أهل التوحيد والتجريد، وليس يعبد عبدا يأكل ويشرب ويبول ويخرأ ويمرض ويقلق وينفعل ويشتم ويتفوه بألفاظ مسيئة، ثم يقول عنه إنه الله متجسدا. وعجيب أن يسخر من اليهود، وهو أشد منهم إغراقا فى التجسيد! ثم إن هذا الحديث ليس بالحديث الصحيح، بل حدد العلماء درجته بأنه "كذب موضوع". ومن ثم فلا داعى لكل تلك الضجة التى لو صح الحديث مع ذلك لما كان ثمة داع لإحداثها، لأن ما فى دين الوغد من التجسيد يربو ملايين المرات على ما فى ذلك الحديث، إن كان فيه تجسيد حقا، ولم يكن الكلام فيه رمزيا استعاريا كما هو الحال فى كثير من العبارات المشابهة كما يعرف كل من له أدنى مُسْكة من عقل!
20- ثم ينتقل بكلامه إلى موضوعات أخرى منها غسل الأيدى من أجل الصلاة الذى يسخر به ويتهكم مؤكدا أنه لا قيمة له، إذ العبرة بطهارة القلب كما فى النص الإنجيلى الذى استشهد به، وهو ما يذكرنا بكلام العوام عندنا من أن "ربك رب قلوب"، يعنون أنه لا تهمّ الصلاة ولا الصيام ولا الحج، بل المهم أن يكون الإنسان مؤمنا بالله، مع أن الصلاة والصيام والحج هى بعض من أدلة ذلك الإيمان، وإلا فكيف يكون إيمان بالله فى الوقت الذى لا يريد مُدَّعُو ذلك الإيمان أن يؤدوا الصلاة أو الصيام أو الحج له سبحانه طبقا لما أمرنا به عز وجل؟ ثم ما حكاية أن الذى ينجّس حقا ليس ما يدخل الفم والبطن، بل ما يخرج منه؟ مرة أخرى هذا الكلام هو بكلام العوام وأفكارهم أشبه، لأن الشخص الذى لا يغسل يديه قبل الطعام يكون عرضة للإصابة بالمرض تبعا لطبيعة الجرثومة أو المكروب أو الفيروس الذى يلوثهما. وكنت أتوقع أن يشدد المسيح على هذا المعنى لتجنيب البشر أمراضا كثيرة، لكن ذلك الكلام المنسوب له صلى الله عليه وسلم قد خيب أملى وظنى تخييبا شديدا، ولا أظن أبدا أن الله سبحانه يمكن أن يكلف رسولا من رسله بإشاعة مثل هذا التوجه ولا ذلك الفهم بين العباد، وإلا كانت فضيحة أن يكون الإله عديم الوعى الصحى إلى هذا الحد المخزى! وقد قال المسيح ذلك طبقا لمؤلفى الأناجيل حين رأى اليهود يهتمون بغسل الأيدى قبل تناول الطعام ونبهوه إلى أنه ينبغى عليه حذو ما يفعلون. ولا يصح أن تحملنا كراهيتنا للنفاق اليهودى عند الفريسيين على العناد ورفض النظافة وغسل الأيدى من جذورها. ذلك أن نفاق الفريسيين شىء، والحرص على النظافة شىء آخر. وحتى لو كان اهتمامهم بالنظافة مبعثه التمسك الشكلى بالطقوس لقد كان أحجى بالمسيح أن يرفض نفاقهم، ولكن مع الحرص فى ذات الوقت على الاهتمام بالنظافة رغم ذلك، إذ ليس هناك أدنى تعارض بين الأمرين. كذلك يضحكنا فى الكلام المنسوب للمسيح صلى الله عليه وسلم قوله إن التبول والتبرز يطهر الإنسان من نجاسة اللحم الممنوع، إذ ما علاقة هذا بذاك؟ واضح أن من كتب هذا الكلام كان يتصور أن الأكل إنما يمر من الفم إلى البطن إلى الخارج دون أن يعرج فى طريقه على مكان آخر، وهى فكرة خاطئة تماما، إذ الطعام لا يخرج إلى الخلاء إلا بعد أن تكون عناصره الغذائية قد امْتُصَّتْ فى الدم وخالطته وأصبحت بعد هذا جزءا لا يتجزأ من الجسم. ثم إن معظم ما عدّه المسيح (طبقا لما نسبه له مؤلفو الأناجيل) "أفكارا" ليس من الأفكار فى شىء. ترى هل الزنا فكرة؟ هل السرقة فكرة؟ هل القتل فكرة؟ إن كل شىء من هذا إنما هو سلوك لا فكرة. كما أن الأفكار من قبيل الكبر والطمع والعهارة وما إلى ذلك، إن عددناها أفكارا، إنما تأتى من الخارج وتغزو الداخل. ذلك أن الشهوة مثلا إنما تثور فى النفس حين يرى الإنسان امرأةً فاتنةً مِغْنَاجًا، والكِبْر إنما يصيب القلب عندما يجد الشخص أمامه ناسا ضعفاء أذلاء جبناء يغرونه بالتجبر بمنصبه أو ماله عليهم. لهذا ولذاك فإننا لا نوافق على ما يقوله النص التالى: "لَمَّا دَخَلَ مِنْ عِنْدِ الْجَمْعِ إِلَى الْبَيْتِ، سَأَلَهُ تَلامِيذُهُ عَنِ الْمَثَلِ. فَقَالَ لَهُمْ: أَفَأَنْتُمْ أَيْضًا هكَذَا غَيْرُ فَاهِمِينَ؟ أَمَا تَفْهَمُونَ أَنَّ كُلَّ مَا يَدْخُلُ الإنْسَانَ مِنْ خَارِجٍ لا يَقْدِرُ أَنْ يُنَجِّسَهُ، لأنَّهُ لا يَدْخُلُ إِلَى قَلْبِهِ بَلْ إِلَى الْجَوْفِ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الْخَلاءِ، وَذلِكَ يُطَهِّرُ كُلَّ الأَطْعِمَةِ . ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإنْسَانِ ذلِكَ يُنَجِّسُ الإنْسَانَ. لأنَّهُ مِنَ الدَّاخِلِ، مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ، تَخْرُجُ الأفْكَارُ الشِّرِّيرَةُ: زِنىً، فِسْقٌ، قَتْلٌ، سِرْقَةٌ، طَمَعٌ، خُبْثٌ، مَكْرٌ، عَهَارَةٌ، عَيْنٌ شِرِّيرَةٌ، تَجْدِيفٌ، كِبْرِيَاءُ، جَهْلٌ. جَمِيعُ هذِهِ الشُّرُورِ تَخْرُجُ مِنَ الدَّاخِلِ وَتُنَجِّسُ الإنْسَانَ". أما وصف الوقح صلاة الإسلام بأنها مظاهر مبهرجة، فأين ذلك، وصلاة المسلمين هى أبسط الصلوات، فلا موسيقى ولا طقوس غريبة ولا أسرار ولا وثنيات ولا عبادة للبشر ولا ضرورة لأن يقودها رجل دين أصلا؟ إنه لم يجد فى الورد عيبا فقال له: يا أحمر الخدّين!
21- وفى هذا السياق يؤكد صاحبنا أن "السبب في تحريم الخنزير والجمل وغيرهما على بني إسرائيل... أنهم عندما كانوا مقيمين بمصر كان المصريون يعبدون الأصنام التي تشبه الثيران والبقر والكِبَاش وسائر الغنم. ألا ترى كيف قال موسى لفرعون: لا يجوز أن نقرّب لله قرابين تُجَاه المصريين، لأننا نريد أن نقرِّب القرابين التي يعبدونها، فإذا فعلنا ذلك أمامهم يرجموننا إذا قربنا آلهتهم وذبحناها؟ ودليل آخر: أن موسى لما أقام في طُور سيناء طلب بنو إسرائيل من هارون أخيه أن يصنع لهم عِجْلاً يعبدونه لأن موسى أبطأ عليهم، فصنع لهم صنمًا على صورة العجل على منهاج ما كانوا يَرَوْنَ من عبادة أهل مصر". هذا ما ذكره شبيه الرجال، ولكن من قال إن سبب تحريم الخنزير والجمل على بنى إسرائيل هو أنه، أثناء إقامتهم بمصر، "كان المصريون يعبدون الأصنام التي تشبه الثيران والبقر والكباش وسائر الغنم"؟ أرجو أن يأتينا ذلك البكاش (أو من ينشرون تدليساته هذه فى المواقع المشباكية) من العهد القديم بهذا التفسير المضحك الذى لو كان هو التفسير الصحيح لحرّم الله لحوم جميع الحيوانات التى يعبدها المصريون ولقال إنها إنما حُرِّمت لهذا السبب. بل إنه سبحانه، رغم صنع هارون العجل وعبادة بنى إسرائيل له، لم يحرم أكله، فى الوقت الذى حرم الخنزير والجمل رغم عدم عبادة المصريين ولا بنى إسرائيل له، وهو ما يدل على أن الكندى يكذب ويدلّس ويقول أى كلام، والسلام.
وهذا هو ما جاء فى سفر "الخروج" خاصا بذلك الموضوع بدءا من الإصحاح الثامن: "25فَدَعَا فِرْعَوْنُ مُوسَى وَهَارُونَ وَقَالَ: «اذْهَبُوا اذْبَحُوا لإِلهِكُمْ فِي هذِهِ الأَرْضِ». 26فَقَالَ مُوسَى: «لاَ يَصْلَحُ أَنْ نَفْعَلَ هكَذَا، لأَنَّنَا إِنَّمَا نَذْبَحُ رِجْسَ الْمِصْرِيِّينَ لِلرَّبِّ إِلهِنَا. إِنْ ذَبَحْنَا رِجْسَ الْمِصْرِيِّينَ أَمَامَ عُيُونِهِمْ أَفَلاَ يَرْجُمُونَنَا؟ 27نَذْهَبُ سَفَرَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْبَرِّيَّةِ وَنَذْبَحُ لِلرَّبِّ إِلهِنَا كَمَا يَقُولُ لَنَا». 28فَقَالَ فِرْعَوْنُ: «أَنَا أُطْلِقُكُمْ لِتَذْبَحُوا لِلرَّبِّ إِلهِكُمْ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَلكِنْ لاَ تَذْهَبُوا بَعِيدًا. صَلِّيَا لأَجْلِي». 29فَقَالَ مُوسَى: «هَا أَنَا أَخْرُجُ مِنْ لَدُنْكَ وَأُصَلِّي إِلَى الرَّبِّ، فَتَرْتَفِعُ الذُّبَّانُ عَنْ فِرْعَوْنَ وَعَبِيدِهِ وَشَعْبِهِ غَدًا. وَلكِنْ لاَ يَعُدْ فِرْعَوْنُ يُخَاتِلُ حَتَّى لاَ يُطْلِقَ الشَّعْبَ لِيَذْبَحَ لِلرَّبِّ».30فَخَرَجَ مُوسَى مِنْ لَدُنْ فِرْعَوْنَ وَصَلَّى إِلَى الرَّبِّ. 31فَفَعَلَ الرَّبُّ كَقَوْلِ مُوسَى، فَارْتَفَعَ الذُّبَّانُ عَنْ فِرْعَوْنَ وَعَبِيدِهِ وَشَعْبِهِ. لَمْ تَبْقَ وَاحِدَةٌ. 32وَلكِنْ أَغْلَظَ فِرْعَوْنُ قَلْبَهُ هذِهِ الْمَرَّةَ أَيْضًا فَلَمْ يُطْلِقِ الشَّعْبَ..."، فأين كلام مؤلفى سفر "الخروج" عن عبادة المصريين للخنزير والجمل؟ إن الكلام إنما هو عن العجل، فهذا هو رجس المصريين. وحتى لو افترضنا أن ما قاله الكندى الكذاب صحيح، لقد كان المنطقى أن يأمر الله بنى إسرائيل أمرا صارما (على الأقل بعد أن تركوا مصر ولم يعودوا يتعرضون لأذى المصريين بسبب ذلك) أن يذبحوا هذه الحيوانات وأن يأكلوها كى يقر فى أذهانهم وقلوبهم وضمائرهم أنها ليست آلهة، بل مجرد حيوانات تُذْبَح وتُؤْكَل. ثم لو افترضنا مرة أخرى أن تحريم الخنزير والجمل راجع لعبادة المصريين لهذين الحيوانين، لقد كان المنتظر والمنطقى أن يمتد التحريم لسائر الحيوانات المعبودة لديهم حسبما قلنا. لكن شيئا من هذا لم يحدث، كما أن الخنزير والجمل لم يكونا من تلك الحيوانات المعبودة فى مصر كما سلف القول. وفوق ذلك لقد كان المنطقى، طبقا لذلك التفكير السخيف المتهافت، أن يتم تحريم الخنزير والجمل فى مصر خوفا أن يثير ذبحهما ثائرة المصريين رغم سماح الفرعون لبنى إسرائيل بذبح رجس المصريين، بيد أننا نفاجأ بأنه إنما تم فى شبه جزيرة سيناء بعد أن ترك بنو إسرائيل مصر ونجاهم الله من أيدى فرعون مصر. ليس ذلك فقط، بل لا بد أن نضيف أن خوف الإسرائيليين من ذبح رجس المصريين (الذى لم يكن من بينه الخنزير والجمل كما قلنا) إنما كان مقتصرا على ذبحه قربانا لله لا لأكله. ثم لو كان تحريم الخنزير يرجع للسبب المضحك الذى ذكره الكندى، فلماذا يا ترى لم يُحِلّ المسيحُ لَحْمَه؟ إن الذى أحلّه إنما هو بولس نزولا على ذوق الوثنيين وشهواتهم كيلا يخسرهم، فأباحه حتى يغريهم بالدخول فى النصرانية، التى كانت تقدم التنازل تلو التنازل على يديه مما أبعدها عن الدعوة التى دعا بها عيسى عليه السلام.
وعلى أية حال هذا هو النص الخاص بتحريم لحم الإبل والخنزير وغيرهما من الحيوانات فى شريعة موسى، ومنه يتبين أنه لا علاقة لتحريمه بديانة المصريين البتة خلافا لما يزعم الكندى المدلِّس، وبخاصة أنهما إنما حُرِّما بعد خروج موسى وقومه من مصر حسبما أشرنا آنفا: "1وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى وَهَارُونَ قَائِلاً لَهُمَا: 2«كَلِّمَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلَيْنِ: هذِهِ هِيَ الْحَيَوَانَاتُ الَّتِي تَأْكُلُونَهَا مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ الَّتِي عَلَى الأَرْضِ: 3كُلُّ مَا شَقَّ ظِلْفًا وَقَسَمَهُ ظِلْفَيْنِ، وَيَجْتَرُّ مِنَ الْبَهَائِمِ، فَإِيَّاهُ تَأْكُلُونَ. 4إِلاَّ هذِهِ فَلاَ تَأْكُلُوهَا مِمَّا يَجْتَرُّ وَمِمَّا يَشُقُّ الظِّلْفَ: الْجَمَلَ، لأَنَّهُ يَجْتَرُّ لكِنَّهُ لاَ يَشُقُّ ظِلْفًا، فَهُوَ نَجِسٌ لَكُمْ. 5وَالْوَبْرَ، لأَنَّهُ يَجْتَرُّ لكِنَّهُ لاَ يَشُقُّ ظِلْفًا، فَهُوَ نَجِسٌ لَكُمْ. 6وَالأَرْنَبَ، لأَنَّهُ يَجْتَرُّ لكِنَّهُ لاَ يَشُقُّ ظِلْفًا، فَهُوَ نَجِسٌ لَكُمْ. 7وَالْخِنْزِيرَ، لأَنَّهُ يَشُقُّ ظِلْفًا وَيَقْسِمُهُ ظِلْفَيْنِ، لكِنَّهُ لاَ يَجْتَرُّ، فَهُوَ نَجِسٌ لَكُمْ. 8مِنْ لَحْمِهَا لاَ تَأْكُلُوا وَجُثَثَهَا لاَ تَلْمِسُوا. إِنَّهَا نَجِسَةٌ لَكُمْ" (لاويين/ 12)، وهو نفسه ما جاء فى الإصحاح الرابع عشر من سفر "التثنية": "3لاَ تَأْكُلْ رِجْسًا مَّا. 4هذِهِ هِيَ الْبَهَائِمُ الَّتِي تَأْكُلُونَهَا: الْبَقَرُ وَالضَّأْنُ وَالْمَعْزُ 5وَالإِيَّلُ وَالظَّبْيُ وَالْيَحْمُورُ وَالْوَعْلُ وَالرِّئْمُ وَالثَّيْتَلُ وَالْمَهَاةُ. 6وَكُلُّ بَهِيمَةٍ مِنَ الْبَهَائِمِ تَشُقُّ ظِلْفًا وَتَقْسِمُهُ ظِلْفَيْنِ وَتَجْتَرُّ فَإِيَّاهَا تَأْكُلُونَ. 7إِلاَّ هذِهِ فَلاَ تَأْكُلُوهَا، مِمَّا يَجْتَرُّ وَمِمَّا يَشُقُّ الظِّلْفَ الْمُنْقَسِمَ: الْجَمَلُ وَالأَرْنَبُ وَالْوَبْرُ، لأَنَّهَا تَجْتَرُّ لكِنَّهَا لاَ تَشُقُّ ظِلْفًا، فَهِيَ نَجِسَةٌ لَكُمْ. 8وَالْخِنْزِيرُ لأَنَّهُ يَشُقُّ الظِّلْفَ لكِنَّهُ لاَ يَجْتَرُّ فَهُوَ نَجِسٌ لَكُمْ. فَمِنْ لَحْمِهَا لاَ تَأْكُلُوا وَجُثَثَهَا لاَ تَلْمِسُوا". وعبثا نبحث فى هذين النصين عن شىء يربط بين تحريم الإبل والخنزير وبين عبادات المصريين، إذ لا يوجد فيهما ولا فى غيرهما من نصوص العهد القديم أو الجديد ما يُفْهَم منه ولو بالتأويل المتعسف أن ذلك التحريم يرجع إلى تلك العلة!
وفى مادة "خنزير" من "دائرة المعارف الكتابية" نقرأ الفقرة التالية التى تُعَدّ أبلغ رد على الوقح الكذاب المتستر باسم الكندى فيما ذهب إليه من أن الخنزير حلال، وأنه إذا كان قد حُرِّم وقتا ما فما ذلك إلا فى حياة موسى من أجل أن المصريين كانوا يعبدونه، وهو عَتَهٌ ما بعده عَتَهٌ، وإن كنا لا نوافق أيضا على قول كاتب المادة من أن تحريمه قديما إنما كان بسبب العجز عن طهى لحمه طيها كافيا، وكأن النار كانت تنقص البشر آنذاك أو أنه سبحانه كان يُعْجِزه أن يأمر عِبَاده بإحسان طهيه تجنبا لما فيه من أذى. تقول "دائرة المعارف الكتابية": "وكثيرا ما كان يعجب البعض لتحريم الشريعة أكل لحم الخنزير، ولكن الاكتشافات العلمية الحديثة أثبتت أن الخنزير يحمل في جسمه عدوى بعض الأمراض التي ينقلها للإنسان، ولعل أهمه "الدودة الشريطية" التي تتحوصل، في أحد أطوارها، في عضلات الخنزير. فإذا أكلها إنسان أو حيوان آخر تتحول في جسمه إلى دودة بالغة تسبب أذى بليغا لعائلها، بل قد تودي بحياته. ولأنه لم يكن في الإمكان قديما طهيها طهيا يقضي على هذه الحويصلات أصبح تحريمها كليّةً هو أسلم طريق للوقاية مما تنقله من أمراض، علاوة على أن الخنزير يقتات بكل ما يجده من فضلات حيوانية أو نباتية، وكذلك بالقمامة التي لا تخلو من ميكروبات يمكن أن تنقلها إلى الإنسان، وبخاصة أنها تعيش بين المساكن المأهولة". وهذا نص آخر فى منتهى الأهمية يبين السبب فى استنجاس الخنزير وغيره من الحيوانات التى لا تُعَدّ طاهرة فى العهد القديم، إذ يشير بكل وضوح إلى أن هذا الاستنجاس لم ينتظر إلى عهد موسى، بل كان معتمَدًا قبل ذلك بوقت طويل. وهذا النص متاح فى "دائرة المعارف الكتابية" تحت عنوان "طهارة": "يرجع التمييز بين الحيوانات الطاهرة وغير الطاهرة إلى أقدم العصور، فقد قال الله لنوح: "من جميع البهائم الطاهرة تأخذ معك سبعةً ذكراً وأنثى" (تك 7: 2). ويرى البعض أن التمييز بين الحيوانات الطاهرة وغير الطاهرة كانت تعتبر مقدسة عند بعض الشعوب الوثنية مثلما كان يعتبر الخنزير مثلاً في كريت وبابل. ويبنون هذا الظن على القول: "ولا تسلكون في رسوم الشعوب الذين أنا طاردهم من أمامكم لأنهم قد فعلوا كل هذه فكرهتهم" (لا 20: 23). ولكن يبدو أن التمييز بين الحيوانات الطاهرة التي كانت الشريعة تسمح بأكلها والحيوانات غير الطاهرة المـَنْهِيّ عن أكلها كان مبنيا على الأسباب الآتية:- (1) أسباب صحية: كانت الحيوانات التي تتغذي على القمامة تعتبر غير طاهرة لأنها تعيش على القاذورات والجيف المنتنة. وكذلك كانت الأسماك التي لا قشور لها ولا زعانف والتي هي أشبه بالحيات. وكثيرا ما تكون الصدفيات والقشريات سببا في حدوث تسمم غذائي. (2) الحيوانات المفترسة والطيور الجارحة: لأنها تأكل لحوم ودم فرائسها. وكان أكل الدم محرما تحريما قاطعا لأن نفس كل جسد هي دمه (تك 9: 4، لا 3: 17، 17: 10- 14، تث 12: 16 و 23- 25، 15: 23). (3) الحيوانات التي كان يستخدمها الوثنيون في عبادتهم أو في سحرهم اعتبرت نجسة مثل الخنازير والكلاب والفئران والثعابين والحشرات مثل الخنافس وغيرها. (4) الحيوانات التي تثير الاشمئزاز، والتي توصف بالقول: " كل دبيب يدب على الأرض فهو مكروه للأكل. كل ما يمشي على بطنه، وكل ما يمشي على أربع مع كل ما كثرت أرجله" (لا 11: 41 و42)". وجلىٌّ أنه لا يوجد شىء يقول إن تحريم لحوم تلك الحيوانات تحريم مؤقت، وهو ما يهمنا فى هذا كله.
ولأن الرجل يتنفس الكذب تنفسا نراه يزعم أن تحريم لحم الخنزير وتحليل لحم الجمل إنما أخذه الرسول من وهب بن منبه وعبد الله بن سلام اليهوديين، اللذين ضحكا عليه وخدعاه فانصاع لما قالاه دون تفكير. ومن هنا نراه يصطنع نبرة العدل والعقل فيعزو العيب فى هذا إلى الرجلين لا إلى رسول الله. لا والله فيك الخير والبركة أيها المدلس الكذاب! وبادئ ذى بدء نقول إنه لو كان هذان اليهوديان هما المسؤولَيْن عن ذلك الحكم فى شريعة الإسلام لرأيناهما يحرّمان الجمل أيضا ولا يقتصران فى تحريمهما على الخنزير. وثانيا فإن تحريم الخنزير فى القرآن يرجع إلى الفترة المكية، أى قبل هجرته عليه السلام إلى يثرب والتقائه باليهود هناك، ومنهم عبد الله بن سلام. وهذان هما النصان اللذان يشتملان على تحريمه، وهما مأخوذان من سورة "الأنعام" و"النحل" على الترتيب، وهما مكيتان: "قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)"، "وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115) وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118)". وثالثا ما رأى قرائى الأعزاء إذا ما قلت لهم إن الرسول لم ير وهب بن منبه البتة ولا كانت له به أية صلة، بل إن وهبًا لم يكن له وجود أصلا أيام النبى عليه السلام، لسبب بسيط هو أنه لم يولد إلا عام 34 من الهجرة فى صنعاء باليمن على عهد عثمان، أى بعد وفاة النبى بزمن طويل، فهو إذن من التابعين؟ كما أنه فارسى الأصل لا عربى. لكن هل تظن أيها القارئ العزيز أن الكندى كان يخجل لو سمع ذلك؟ لا إخال أبدا، فأمثاله إنما هم قوم كاذبون جامدو الوجه ثخينو الجلد كأن أبشارهم قُدَّتْ من نعال الصُّرَم القديمة! ثم مَنْ عبد الله بن سلام أو وهب بن منبه بجانب القامة السامقة المهيبة الجليلة للنبى عليه الصلاة والسلام؟ لقد تركا دينهما من أجله، لكن الأقرع الأجرب يتهرأ قلبه حقدا لهذا السبب فتراه يقلب الحقائق رأسا على عقب للتنفيس عن ذلك الحقد. يا كندى، هل جرى لعقلك شىء خَبَّله؟ أين ذُهِب بعقلك النجس النتن؟ لقد دانت الدنيا كلها بدين محمد، فماذا يمثل أىٌّ مِنْ ذَيْنِك الرجلين بالنسبة لهذا الدين العظيم؟ إن قصة إسلام ابن سلام لهى حكاية تُرْوَى وتُرْوَى وتُرْوَى، وإنها لتفضح اليهود واليهودية، فكيف لا تخجل من نفسك بدلا من أن تروح فتزيف القصص والأكاذيب الخرافية؟ ألا لعنة الله على سحنتك الكاذبة الخاطئة!
وهذه قصة إسلام عبد الله بن سلام رضى الله عنه كما وردت فى "سيرة ابن هشام"، وكان اسمه قبل أن يسلم هو "الحصين بن سلام": "قال بن إسحاق: وكان من حديث عبد الله بن سلام كما حدثني بعض أهله عنه وعن إسلامه حين أسلم، وكان حبرًا عالمًا، قال: لما سمعتُ برسول الله صلى الله عليه وسلم عرفتُ صفته واسمه وزمانه الذي كنا نتوكف له فكنت مسرًّا لذلك صامتًا عليه حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة. فلما نزل بقُبَاء في بني عمرو بن عوف أقبل رجل حتى أخبر بقدومه وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها، وعمتي خالدة ابنة الحارث تحتي جالسة. فلما سمعتُ الخبر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم كبَّرْتُ، فقالت لي عمتي حين سمعتْ تكبيري: خيّبك الله! والله لو كنتَ سمعتَ بموسى بن عمران قادما ما زِدْتَ. قال: فقلت لها: أيْ عمة، هو والله أخو موسى بن عمران وعلى دينه، بُعِث بما بُعِث به. فقالت: أَيِ بن أخي، أهو النبي الذي كنا نُخْبَر أنه يُبْعَث مع نفس الساعة؟ قال: فقلت لها: نعم. قال: فقالت: فذاك إذًا. قال: ثم خرجتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت، ثم رجعت إلى أهل بيتي فأمرتهم فأسلموا. قال: وكتمت إسلامي من يهود، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: يا رسول الله، إن يهود قوم بُهُتٌ، وإني أحب أن تُدْخِلني في بعض بيوتك وتغيّبني عنهم ثم تسألهم عني حتى يخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا بإسلامي. فإنهم إن علموا به بهتوني وعابوني. قال: فأدخلني رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض بيوته ودخلوا عليه فكلموه وساءلوه، ثم قال لهم: أيّ رجلٍ الحصين بن سلام فيكم؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا وحبرنا وعالمنا. قال: فلما فرغوا من قولهم خرجتُ عليهم فقلت لهم: يا معشر يهود، اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به، فوالله إنكم لتعلمون إنه لرسول الله، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة باسمه وصفته، فإني أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأومن به وأصدقه وأعرفه. فقالوا: كذبتَ. ثم واقعوا بي. قال: فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألم أخبرك يا رسول الله أنهم قومٌ بُهُتٌ أهل غدر وكذب وفجور؟ قال: فأظهرتُ إسلامي وإسلام أهل بيتي، وأسلمتْ عمتي خالدة بنت الحارث فحَسُنَ إسلامها".
21- ومما تناوله أيضا شبيه الرجال بالتخطئة والتهكم من دين محمد عليه الصلاة والسلام شعيرة الحج، إذ قال للهاشمى المتوهَّم: "أما دعوتك لي إلى حج بيت الله الذي بمكة ورمي الجمار والتلبية وتقبيل الركن والمقام، فسبحان الله! كأنك تكلم صبيًّا أو تخاطب غبيًّا! أليس هو الموضع الذي عرفناه جميعًا حق معرفته، ووقفنا على أصول أسبابه، وكيف كانت القصة في ثباته، وكيف جرى أمره إلى هذه الغاية؟ أَوَلاَ تعلم أن هذا فعل الشمسية والبراهمة الذي يسمّونه: "النُّسْك" لأصنامهم بالهند؟ فإنهم يفعلون في بلدهم ما يفعله المسلمون اليوم من الحَلْق والتعري الذي يسمونه الإحرام والطواف ببيوت أصنامهم إلى هذا الوقت على هذه الحالة، فلم تزد عليه أنت شيئًا ولا نَقَصْتَ منه ذرة، فإنك أخذته بذلك الفعل الذي سمَّيْتَه: "النُّسك"، إلا أنك تفعله في السنة مرة واحدة في وقت مختلف، وأولئك يفعلونه في السنة مرتين: عند دخول الشمس أول دقيقة من الحمل (وهو الربيع)، وفي دخولها أول دقيقة من الميزان (وهو الخريف). ففي الأول لدخول الصيف، وفي الثاني لدخول الشتاء. فهم يضحّون كما تضحّي أنت، ويَنْسِكون كنُسُكك. وأنت وأصحابك تعلمون أن العرب كانت تنسك هذه المناسك وتفعل هذه الأفعال منذ بَنَتْ هذا البيت. فلما جاء صاحبك بالإسلام لم نره زاد في هذه الأفعال ولا أنقص منها شيئًا، غير أنه لبُعد المشقة وطول المسافة وتخفيف المؤونة جعله حجة واحدة في السنة، وأسقط من التلبية ما كان فيه شناعة. وإني أستصوب قولاً لعمر بن الخطاب وقد وقف على الركن والمقام فقال: والله لأعلم أنكما حجران لا تنفعان ولا تضرّان، ولكني رأيت رسول الله يقبّلكما، فأنا أقبّلكما كذلك. فإن كان الرواة الصادقون الذين رَوَوْا هذه الرواية عنه كذبوا عليه أوْ لم يكذبوا، فقد صدقوا في ما حَكَوْه عن هذين الحجرين، وإن كانوا صدقوا عنه أنه قال ذلك، فلقد قال قولاً حقًّا".
يتبــــع
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة عبد الله المصرى في المنتدى المنتدى الإسلامي
مشاركات: 5
آخر مشاركة: 26-10-2007, 07:55 PM
-
بواسطة الليزر في المنتدى حقائق حول التوحيد و التثليث
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 19-10-2006, 04:48 AM
-
بواسطة احمد العربى في المنتدى الرد على الأباطيل
مشاركات: 8
آخر مشاركة: 10-07-2006, 02:19 AM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات