وفى الموقع المتخلف لعزت أندراوس، وعند حديثه عن نسطور، نقرأ ما يلى: "كتب صموئيل بولس فى مقالة بعنوان: نهاية أم بداية ؟: "كانت البداية عقب انتهاء مجمع أفسس، حيث أعلن أرباب النسطورية من أساقفة المشرق تحزبهم لنسطور والانشقاق عن كنيستهم السريانية الأرثوذكسية، وذهبوا إلى المناطق الخاضعة لنفوذ الفرس في المشرق، وأسسوا لأنفسهم كنيسة خاصة بهم أطلقوا عليها اسم "كنيسة الفرس النسطورية". وذهب تلميذهم النجيب الأسقف النسطوري برصوما النصيبيني المضطهِد والسفاح إلى العراق، وقطع لسان جاثليق المشرق "باباي" لرفضه قبول تعاليم نسطور ثم قتله. وقتل رهبان دير مار متى، كما قتل سبعة آلاف نفس من المسيحيين العراقيين، واستطاع بدعم من ملك الفرس الوثني تحويل جُلّ المسيحيين العراقيين الى النسطورية، وتوغلت الهرطقة النسطورية إلى كل مكان في المشرق، فتعاظم نفوذهم في منطقة ما بين النهرين. ولم تمضي سوى عدة عقود قليلة حتى أصبح لهم مركزا هاما في مملكة الحيرة، ومنها انطلقوا إلى الأراضي الحجازية نفسها، فاختلطوا بالعرب "الأحناف"، وجذبوا الكثيرين منهم لهرطقتهم، وصارت لهم مراكز هامة في الخليج، وخصوصا البحرين. ثم أوجدوا لهم مركزا خطيرا داخل مكة نفسها، وكان يترأسه أحد أقارب مؤسس الإسلام، وهو القس ورقة ابن نوفل ابن أسد، والذي رافقه منذ صباه، بجانب من رافقوه من الرهبان النساطرة الذين تعربوا أمثال: بحيرا، وعيصا، وعداس. وللأخير هذا مسجدا يحمل اسمه بمدينة الطائف بالقرب من مكة تقديرا وعرفانا من المسلمين لدوره الكبير في نصرة الإسلام! وتمدنا المصادر النسطورية نفسها بالكثير من المعلومات التي تتناول علاقة بطاركة النساطرة بمؤسس الإسلام واتصالاتهم السرية معه منذ بداية المجاهرة بدعوته: كان الفطرك "البطريرك" ايشوعياب الثاني يكاتب صاحب الشريعة الإسلام ويهدي له ويسأله الوصية برعيته في نواحيه، فأجابه محمد إلى ذلك، وكتب إلى أصحابه كتبا بليغة مؤكدة، وبرَّه صاحب الشريعة عليه السلام ببرٍّ كان فيه عدّة من الإبل وثياب عدنية. وتأدَّى وبلغ ذلك إلى ملك الفرس فأنكر على الفطرك فعله ومكاتبته، وخاصة عند ورود هداياه، فداراه ايشوعياب حتى سلم منه. وعاش ايشوعياب إلى أيام عمر ابن الخطاب عليه السلام (!) فكتب له كتابا مؤكدا بالحفظ والحيطة وأن لا يؤخذ من إخوانه وخدمه الجزية وأشياعه "النساطرة" أيضا. وهذا الكتاب محتفظ به لهذه الغاية" (انظر: ماري في المجدل، أخبار بطاركة المشرق، روما 1899 ص 62). ويقول صاحب "تاريخ السعردي": "كان ايشوعياب قد أنفد هدايا إلى النبي عليه السلام! وفي جملتها ألف أستار فضة، مع جبريل أسقف ميشان، وكان فاضلاً عالمًا، وكاتبه وسأله الإحسان إلى النصارى. ووصل الأسقف إلى يثرب، وقد توفي محمد، فأوصل ما كان معه إلى أبي بكر، وعرّفه ما الناس عليه من ملك الفرس، وأنهم يخالفون الروم. فسمع قوله وقبل ما كان معه، وضمن له ما يحبه، وعاد إلى الجاثليق ايشوعياب مسرورا" (التاريخ السعردي ج 2 ، ص 618- 619). ويقول صليبا بن يوحنان الموصلي: "وفي أيامه (أي أيام أيشوعياب) بدأ يظهر أمر العرب بني إسماعيل. ولما كشف الله لهذا الأب (!) ما يؤول إليه هذا الظهور من السلطان والملك والقوة وفتح البلاد جمع رأيه وسابق بعقله وحكمته إلى مكاتبة صاحب شريعتهم، وهو بعد غير متمكن، وأنذره بما يصير إليه أمره من القوة، وقدم له هدايا جميلة. فلما قوي أمره وتمكن عاد فكاتبه واخذ منه العهد والزمام لجميع النصارى النساطرة في كافة البلدان التي يملك عليها هو وأصحابه من بعده، وأن يكونوا في حمايته آمنين على جاري عادتهم في إقامة الصلوات والبِيَع والأديرة". (أنظر: صليبا في المجدل، ص 54- 55 ). ويذكر السعردي أيضا إن بطريرك النساطرة أيشوعياب الثاني قد التقي وجها لوجه مع عمر ابن الخطاب، فيقول: "وتوفى أبو بكر ووَلِىَ الأمر بعده عمر ابن الخطاب.. ولقيه ايشوعياب وخاطبه بسبب النصارى النساطرة، فكتب له عهدا" (أنظر: التاريخ السعردي ج 2 ، ص 620 وماري في المجدل ص 62). ويذكر عن هذا البطريرك النسطوري أيضا أنه قدم دفاعا حارا عن أترابه المسلمين قائلاً عنهم: "إن المسلمين ليس فقط لا يهاجمون الديانة المسيحية (!!!) بل انهم يوصون بإيماننا خيرا (!!!)، ويكرمون الكهنة وقديسي الرب، ويحسنون إلى الكنائس والأديرة (!!)" (أنظر الأب ألبير أبونا: تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية. ج 2 ص 67). وهذا الكلام لا يمكن أن يكون قد خرج إلا من است من كتبه مع ما يخرج منها، وله ذات الصفات التى لهذا الذى يخرج منها، وإلا فأين تمت كل تلك اللقاءات بين الرسول أو عمر من جهة وبين مبعوثى النساطرة من جهة أخرى؟ هل كانا يتقابلان فى سرداب يوصل ما بين البلدين؟ أم هل كانا يلبسان طاقية الاستخفاء؟ وكيف سكت كتاب السِّيَر والمغازى والتاريخ عن هذا كله؟ وهل يوجد بين النسطورية والإسلام أى نقاط التقاء؟ ومن قال إن ورقة كان نصرانيا أصلا، فضلا عن القول بأنه نسطورى؟ لقد أسلم الرجل ونبه النبىَّ إلى أن قومه سوف يعادونه وسوف يلقى منهم عنتا شيدا وعناء. وكذلك الأمر فى عداس، إذ كل ما ذكرته كُتُب السيرة والتاريخ أنه التقى بالنبى فى بستان ابنى ربيعة بالطائف اللذين كان يشتغل لديهما خادما، فلم يكن إذن راهبا من الرهبان كما يكذب الكاتب المدلس، بل كان مجرد خادم، وأنه أكب على قدميه ويديه ورأسه صلى الله عليه وسلم يقبلها تبجيلا وإجلالا. ومن الواضح أنه آمن بالنبى عليه الصلاة والسلام. أى أن الكلب الذى اتهم النبى عليه السلام بما اتهمه به قد نكس الدنيا رأسا على عقب وسَقْلَب حالها، فبدلا من أن يذكر إسلام ورقة وعداس يحاول أن يقنع القراء بأنهما قد علّما النبى محمدا الدين الذى أتى به، جاعلاً التلميذ بذلك أستاذا، والأستاذ تلميذا. هذا، وقد سبق الكلام عن بحيرا بما يغنى عن إعادته هنا، أما عيصا فلا أدرى من أى اسْتٍ أخرى كريهة الرائحة خرج، إلا أن تكون است زيكو، لعنة الله على زيكو وعلى الذين خلّفوا زيكو! كما أنه لم تكن هناك علاقة أيا كانت بين ورقة وعداس وبحيرا، ودعونا من عيصا إلى أن نعرف من أى اسْتٍ أخرى منتنة جاء كما قلنا آنفا. فورقة من أشراف مكة، أما عداس فغلام أجنبى من أهل نينوى كان يخدم ابنى ربيعة فى الطائف، وبحيرا كان ينزل أرض الشام، وهو غير عربى، فضلا عن قول الزهرى (وهو من أقدم كتاب السيرة) إنه "حبر من يهود تميم" كان يسكن تيماء (المغازى النبوية" لابن شهاب الزهرى/ تحقيق د. سهيل زكار/ دار الفكر بدمشق/ 1401هــ- 1981م/ 40، وهو ما نقله عنه النويرى فى "نهاية الأرب فى فنون الأدب"). وعلى هذا لم يكن بحيرا نصرانيا بل يهوديا. ثم إن النبى قد لقيه فى حضرة عمه أبى طالب، وكان ذلك بطلبٍ من بحيرا نفسه، وكان محمد قد ناهز الحُلُم حسب قول الزهرى، وإن كان النويرى قد حدد سنّه باثنتى عشرة سنة. وكل ما جرى هو أن بحيرا أبدى خوفه على النبى المنتظر من أذى يهود لو علموا أنه هو الذى بشرت به الكتب، وحذر عمه من المضى به أبعد من ذلك، فما كان منه إلا أن عاد به حفاظا على سلامته. ثم أليس من اللافت للنظر أن يفكر نساطرة فارس فى التودد إلى محمد، الذى لم يكن له سلطان إلا على العرب وحدهم، خارجين بذلك على إرادة عاهلهم كسرى دون أن يكون فى الأفق ما ينبئ بأن محمدا سيفتح فارس وتكون له السيادة فى الأرض وأن كسرى سيكون فى خبر "كان"؟ اللهم إلا إذا قلنا إنه كان يعرف من بشارات الكتب أنه هو النبى المنتظَر وأن الدنيا ستدين له!
بقيت كلمة مهمة، وهى أن السعردى من أهل القرن الثانى عشر الميلادى، أى أنه أتى بعد الهجرة بقرون عدة، أما صليبا بن يوحنان الموصلي فيزيد عليه بقرنين، إذ هو من أهل القرن الرابع عشر، فأين كانت هذه الحواديت والحكايات اللذيذة المسلية طوال تلك القرون؟ وقد يعطى القارئ فكرة عن قيمة مثل هذين الكتابين ما وجدته فى موقع "http://www.alitijahalakhar.com: كل الاتجاهات" لرشيد الخيون تحت عنوان "المذاهب والأديان في العراق: المسيحية والإسلام"، إذ أشار إلى رأى بعض المؤرخين فى هذين الكتابين وقيمتهما العلمية: "أما "تاريخ السعردى" (القرن الثاني عشر الميلادي) فيذكر أن رسول الجاثليق قد التقى أبا بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأخذ من الأخير العهد لأهل دينه. ويذكر مؤرخ آخر يدعى صليبا بن يوحنان الموصلي (القرن الرابع عشر الميلادي)، في سياق تعرضه لسيرة الجاثليق ايشوعياب: "وفي أيامه... كان قد بدأ يظهر أمر العرب بني إسماعيل سنة خمس وثلاثين وتسعمائة للاسكندر، ولما كشف الله لهذا الأب ما يؤول إليه هذا الظهور من السلطان والملك والقوة وفتح البلاد جمع رأيه وسابق بعقله وحكمته إلى مكاتبة صاحب شريعتهم، وهو بعد غير متمكن، وانذره بما يصير إليه أمره من القوة، وسيّر ذلك له مع هدايا جميلة. فلما قوي أمره وتمكن عاد كاتبه وأخذ منه العهد والزمام لجميع النصارى في كافة البلدان التي يملك عليها هو وأصحابه من بعده، وأن يكونوا في حمايته آمنين على جاري عادتهم في إقامة الصلاة والبِيَع". يذهب الرأي، في حالة اختلاق هذه الروايات، إلى أن المؤرخين المسيحيين قد عمدوا إلى كتابة ذلك محاولة منهم للتخفيف من وطأة الجزية (ضريبة الرأس) والضغوط الأخرى عليهم، ومنها ما شرعه عمر بن الخطاب ونُسِب إلى عمر بن عبد العزيز أو بالعكس في شأن لباسهم وكنائسهم ومعاملتهم. فحسْب الأب أبونا تفسَّر كثرة العهود المحفوظة في الكنائس الشرقية بتذرع المسيحيون بعهود خيالية يستنبطونها للذود عن كيانهم والحفاظ على دينهم وتقاليدهم". هذا، ولا ينبغى أن ننسى أن القوم الذين يسخّمون الأوراق بهذا الكلام هم فى الواقع إما معاتيه وإما كذابون مدلسون. لقد طنطن أندراوس فى مقال آخر له بأن ألفرد بتلر المستشرق الإنجليزى وسميكة باشا مدير مصلحة الآثار بمصر فى ثلاثينات القرن الماضى قد شهدا بصحة طيران جبل المقطم، مع أن كل ما قاله بتلر فى كتابه عن الكنائس القبطية القديمة فى مصر: " The Ancient Coptic Churches of Egypt" هو أنها مجرد شائعات ترددها الأجيال دون تمحيص، كما وصفها هو نفسه مرارا بأنها أسطورة، وهو ما حرفه مترجم الكتاب الأمين المحترم واصفا إياها بأنها "قصة" بدلا من "أسطورة"، مع تجاهله لكلمة "شائعات"، وبالمثل أقر سميكة بأن القصة كلها ليست إلا خرافة من الخرافات وأنه لا يصدّق منها شيئا على الإطلاق، وكتب هذا فى "الأهرام" بتاريخ العشرين من أغسطس سنة 1931م.
ثم ماذا فى القرآن من عقائد نسطورس هذا، ربنا يحميه لأمه؟ إلى القارئ ما قالته "دائرة المعارف الكتابية" عن عقيدة نسطورس، الذى يدعى الكندى أن سرجيوس كان على مذهبه: "بدعة نسطوريوس بطريرك القسطنيطينة بين عامي 428- 431، في الصلة القائمة بين اللاهوت والناسوت في يسوع المسيح، فبدل أن يَنْسُب إلى أقنوم الكلمة المتجسّد الواحد الطبيعةَ الإلهيةَ والطبيعةَ البشريّةَ، وبالتالي خواصّ هاتين الطبيعتين وأعمالهما، قال بأنّ المسيح مكوّن من شخصين: شخص إلهيّ هو الكلمة، وشخص بشريّ هو يسوع. لم يكن هناك في نظره اتّحاد بين طبيعة بشريّة وأقنوم إلهيّ، بل مجرّد صلة بين شخص بشريّ واللاهوت. فكان يرفض كلّ مشاركة في الخواصّ ويأبى أن يطلق على مريم لقب "والدة الإله". ذلك بأنه حسب اعتقادهِ قد وَلَدَتِ الإنسان فقط. شجب مجمع أفسس في 431 مذهب النسطوريّة وثبّت في الوقت نفسه لقب "والدة الإله"، كما نفى نسطوريوسَ وأعلن هراطقةً جميعَ أتباعهِ. انتشرت البدعة النسطورية في بلاد فارس، الهند، الصين ومنغوليا، وذلك بتأسيس الكنيسة النسطوريّة". ثم إلى القارئ أيضا هذين المقالين الآخرين عن الرجل ونحلته أنقلهما من "الثيوبيديا: Theopedia ": "Nestorius (c.386 – c.451) was Patriarch of Constantinople from 10 April 428 to 22 June 431. He received his clerical training as a pupil of Theodore of Mopsuestia in Antioch and gained a reputation for his sermons that led to his enthronement by Theodosius II as Patriarch following the death of Sisinius I in 428 A.D. Nestorius is considered to be the originator of the Christological heresy known as Nestorianism, which emerged when he began preaching against the new title Theotokos or Mother of God, beginning to be used of the Virgin Mary. His immediate antagonist was Cyril, bishop of Alexandria. Although Nestorius did deny theVirgin birth of Jesus, he did not in fact maintain the heresy which bears his name. "
"Nestorianism is basically the doctrine that Jesusexisted as two persons, the man Jesus and the divine Son of God, rather than as a unified person. This doctrine is identified withNestorius (c.386-451), Patriarch of Constantinople, although he himself denied holding this belief. This view of Christ was condemned at theCouncil of Ephesusin 431, and the conflict over this view led to the Nestorian schism, separating the Assyrian Church of the East from the Byzantine Church. The motivation for this view was an aversion to the idea that "God" suffered and died on the cross, be it the divinity itself, the Trinity, or one of the persons of the Trinity. Thus, they would say, Jesus the perfect man suffered and died, not the divine second person of the Trinity, for such is an impossible thought -- hence the inference that two "persons" essentially inhabited the one body of Jesus. Nestorius himself argued against calling Mary the "Mother of God" (Theotokos) as the church was beginning to do. He held that Mary was the mother of Christ only in respect to His humanity. The council at Ephesus (431) accused Nestorius of the heresy of teaching "two persons" in Christ and insisted that Theotokos was an appropriate title for Mary. The problem with Nestorianism is that it threatens the atonement. If Jesus is two persons, then which one died on the cross? If it was the "human person" then the atonement is not of divine quality and thereby insufficient to cleanse us of our sins."
فهذه عقيدة نسطورس، وهى نفسها ما يقول به النصارى المثلثون، اللهم إلا فيما يتعلق بالصلة بين الناسوت واللاهوت فى المسيح: هل هما متحدان أو منفصلان؟ أما فيما عدا هذا فكلامه فى التثليث والخطيئة والصلب هو تقريبا ما يقوله سائر النصارى المثلثين، والقرآن (كما هو معروف) حملة مدمدمة على عقائد التثليث والخطيئة والموت على الصليب، والرهبانية فوق البيعة من أجل خاطر راهبنا سرجيوس، فكيف يقال إن محمدا قد تأثر خُطَا سرجيوس النسطورى؟ قد يقول الكندى إن القرآن فى البداية كان يتبع عقيدة سرجيوس أو نسطوريوس، ثم غُيِّر وبُدِّل. إلا أن هذا كلام من تعودوا على تحريف كتبهم، فهم يظنون أن المسلمين يسيرون على ذات الوتيرة. أيًّا ما يكن الحال، فأين القرآن القديم؟ أثمة نسخة ورقية منه يمكنكم أن تُرُوها لنا؟ أثمة قرص إليكترونى مصوَّر عليه ذلك القرآن؟ أتحت أيديكم شريط صوتى استطعتم أن تلتقطوه من الأثير يثبت أن القرآن الأول كان قرآنا نسطوريا يؤله المسيح ويقول بأنه صُلِب ومات على الصليب؟ أهناك رواية عن مسلم أو نصرانى أو يهودى أو وثنى أو عابد بقر أو حجر أو فرج أو ذكر تذكر شيئا من آيات ذلك الكتاب الأول؟ أم تراكم تظنون أن افتراءاتكم يمكن أن تقنع أىّ ذى عقل؟ لكن العلم، والحمد لله، لا يقبل مثل ذلك الأسلوب! أما ما يقوله عن التلاعب فى القرآن وعبث أبى بكر وعمر وعلى والحجاج فيه فهو كلام شخص بلغت به البلاهة أن يحسب الناس جميعا بُلْهًا مثله، فهو يخبص ويخبط ولا يبالى بشىء، وهذا صنيع من فقد عقله وحياءه معا! ترى أين القرآن الأصلى؟ لو كان الأمر كما يقول هذا الأحمق لاحتفظ كل حزب بما يدين الآخر. فهَبْ أن أبا بكر وعمر وعثمان قد تلاعبوا بالقرآن لمصلحتهم وللإساءة إلى حق على بن أبى طالب، فلماذا لم يُعِدْ علىٌّ الأمور إلى نصابها الأول؟ وإذا كان الأمويون قد تلاعبوا بالقرآن لمصلحتهم وللإساءة إلى العلويين، فهل كان هوى المسلمين جميعا مع الأمويين؟ يقينًا لقد كان هناك مَنْ هواهم مع خصومهم، فلماذا لم يأتونا بالنسخة الأصلية التى تخلو من التلاعب حذفًا وزيادة؟ ثم أين فى القرآن يا ترى تلك النصوص التى تحابى الأمويين إذا كانوا قد عبثوا بالقرآن؟ بل أين ذلك فى السيرة النبوية نفسها، وهى (كما نعرف) ليس لها شىء من القداسة التى للقرآن؟ ولقد جاء العباسيون بعد الأمويين، فلماذا لم يفضحوا ما صنعه الأمويون بالقرآن؟ وحتى لو قام الفريق المتلاعب بكتاب الله بالتخلص من النسخ المخالفة التى تحت يده، فكيف يتخيل متخيل أن من الممكن لأى شخص بالغة ما بلغت سطوته أن يتتبع جميع النسخ المخالفة لما يريد فيدمرها كلها فى أرجاء العالم الإسلامى نسخةً نسخةً، ويمحو فوق هذا ما كان محفوظا فى صدور الأفراد فردًا فردًا؟ لكننا ننظر فلا نجد إلا سورة يتيمة هى سورة "النورين" (أو "الولاية" فى رواية أخرى)، حاول فيها مدلسها فى عصر متأخر جدا أن يقلد القرآن الكريم. لكن على من؟ لقد وضعتُ هذه السورة المزيفة على محك التحليل الأسلوبى والمضمونى، فإذا ببصمات السورة تصرخ بملء فمها أنها ليست من القرآن فى شىء، وأن القرآن ليس منها فى شىء ولا حتى فى جملة واحدة. وبالمناسبة فعلماء الشيعة ينكرون أن يكون القرآن قد زِيدَ فيه أو نُقِصَ منه. وحتى لو اتهمهم متّهِمٌ بأنهم يمارسون التقية، فهذه حجة للقرآن لا عليه، لأن الشخص الصادق لا يلجأ إلى هذا السلاح الذى لا يليق إلا بالمتآمرين لا بأصحاب القضايا المستقيمة الواضحة، وبخاصة أن الشيعة اليوم فى أقصى درجات اطمئنانهم وثقتهم بأنفسهم، ولا داعى من ثم لاتخاذهم هذا الموقف المريب. وعلى كل فمن يُرِدْ أن يرى ما كتبناه فى هذا الموضوع يمكنه الرجوع إلى كتابى: "سورة النورين التى يزعم فريق من الشيعة أنها من القرآن- دراسة أسلوبية تحليلية" فى موقعى: "http://awad.phpnet.us". وحتى أزيد كلامى وضوحا أنبه إلى أن التاريخ قد احتفظ لنا بعدد غير قليل من الأناجيل المعتمَدة وغير المعتمَدة رغم كل الحظر الذى مارسته الكنائس على الأناجيل التى لا تعترف بها. بل إن بين الأناجيل الرسمية المقبولة عند الكنيسة كثيرا من الاختلافات. فكيف لم يحدث مثل هذا أو ذاك بالنسبة للقرآن الكريم ويصل إلينا قرآنات مختلفة بنفس الطريقة؟
وبمناسبة ما قاله الكلب الكندى عن التأثير النسطورى على رسول الإسلام أود أن أشير هنا إلى ما كان كتبه الكاتب الأمريكى واشنطن إرفنج فى كتابه: "Mahomet and His Successors" (طبعة:The University of Wisconsin Press, 1970, PP. 100- 101) من أن النجاشى لم يرجع المسلمين إلى قريش بل بسط عليهم ظل حمايته لأنه كان نسطوريا فلم يجد فيما قاله القرآن عن السيد المسيح ما يخالف عقيدته. وهو كلام لا معنى له كما بينت فى كتابى: "مصدر القرآن- دراسة فى شبهات المستشرقين والمبشرين حول الوحى المحمدى" (مكتبة زهراء الشرق/ 1417هـ- 1997م/ 28- 29 بالهامش)، وإلا فإذا كان ما يقوله إرفنج صحيحا فلم هاج القساوسة الأحباش فى المجلس الذى عقده ذلك العاهل الكريم للاستماع إلى عقيدة المسلمين اللاجئين إلى بلاده عندما أمّن على ما تَلَوْه عليه من قرآن؟ كما أن النساطرة، حسبما جاء فى معجم "Hook's Church Dictionary" يعتقدون أن المسيح شخصان أحدهما إلهى هو ابن الله، فأين هذا مما تلاه جعفر بن أبى طالب على النجاشى فى ذلك المجلس من آيات سورة "مريم" التى تنص على أنه "ابن مريم" وأنه "عبد الله" وأن الله قد جعله "نبيًّا"... إلخ؟ أما التفسير الصحيح فهو أن النجاشى قد أسلم، إذ وجد أن ما يقوله القرآن فى المسيح عليه السلام هو ما يتفق مع المنطق والعقل وما يجب لله سبحانه من توحيد وتنزيه عن الشريك والتجسيد. وقد أقر بإسلام النجاشى كل المستشرقين الذين كتبوا فى السيرة المحمدية، ومنهم على سبيل المثال الكاتبان الفرنسيان Dezobry & Bachelet، صاحبا معجم "Dictionnaire de Biographie, d'Histoire, des Antiquités et des Institutions"، فى المادة التى خصصاها لرسول الله صلى الله عليه وسلم (Librairie Ch. Delagrave, Paris, 1883, T. 2, P. 1683). بيد أن إرفنج لا يحب أن يذكر هذه الحقيقة، فلذلك يلجأ إلى هذا السلاح المفلول الذى يستعين به المبشرون الضيقو العَطَن والذين يسمحون لتعصبهم الأعمى أن يطغى على عقولهم وعلى ضمائرهم فيَكْذبون ويتهمون سيد الأنبياء بما يعلمون هم قبل غيرهم أنه عليه الصلاة والسلام منه براء! كذلك لو كان النساطرة قد وقفوا إلى جانب النبى فلم كل هذا الهجوم والسفالة من جانب هذا النسطورى الخنزير صاحب الرسالة التى بين أيدينا؟ ولم وقف النساطرة إلى جانب التتار وحرّضوهم على غزو العالم الإسلامى مستغلين نفوذهم فى البلاط التتارى فى هذا التحريض الذى كان من نتيجته أن اتجه الغزو المغولى إلى العالم العربى والإسلامى بدلا من اتجاهه إلى أوربا كما كان مخططا له أوّلاً حسبما هو معروف لدارسى التاريخ؟ (انظر محمد على الغتيت/ الغرب والشرق من الحروب الصليبية إلى حرب السويس/ مج 76/ 71- 74). ولقد وضعوا أيديهم فى أيدى النصارى الكاثوليك فى أوربا من أجل تحقيق هذا الهدف، وهو ما يدل على صدق ما قلناه قبلا من أنه لا فرق ذا بال بين النساطرة وسائر النصارى المثلثين، وأن كل ما زعمه هذا الخنزير هو كذب رخيص لا قيمة له فى دنيا العلم والتحقيق.
17- ونصل إلى دعوى ذلك الوغد بأن القرآن هو كلام الرسول، وهنا نذكر أن لى كتابا كبيرا من ستمائة صفحة بينتُ فيه بالدراسة الأسلوبية الإحصائية أن القرآن شىء، وأحاديث الرسول شىء آخر، وهذا الكتاب موجود بذات الموقع الذى أشرت إليه من قبل، وهو: "http://awad.phpnet.us". وهناك أيضا كتابى: "مصدر القرآن- دراسة المستشرقين والمبشرين حول الوحى المحمدى"، الذى ناقشت فيه كل النظريات التى يطرحها هذان الفريقان تفسيرا للوحى القرآنى من أنه عليه السلام كاذب مخادع، أو واهم مخدوع فى حقيقة أمره، أو مريض بمرض عصبى كالصرع والهلاوس والهستيريا. وتتبعت فوق ذلك كل الأشخاص الذين زعم المستشرقون والمبشرون المفترون الكذابون أنهم هم الذين علموا محمدا، فوجدت أنهم إما آمنوا به، أو إذا كانوا قد ماتوا قبل نزول الوحى على سيدنا رسول الله فقد آمن به أولادهم وأقاربهم. وحتى فى حالة أمية بن أبى الصلت وأبى عامر الراهب نجد أنه قد آمن بالرسول الكريم أخت أمية وأولاده وكل أفراد قبيلته، وحنظلة ابن أبى عامر، الذى عادى أباه أشد معاداة، واسْتُشْهِد فى معركة أحد، فى الوقت الذى وقف أبوه فيها إلى جانب المشركين وحفر الحُفَر لإيقاع خيول المسلمين أثناء القتال. ليس ذلك فقط، بل إن أحدا من هؤلاء الذين اتُّهِم محمد بأنه أخذ قرآنه منهم أو تعلم على أيديهم لم تُؤْثَر عنه أية كلمة يمكن أن يُفْهَم منها شىء من هذا. فكيف تواتى ذلك المخبولَ نفسُه للكلام بلسان من لم ينيبوه عنهم فى اتهام محمد بأنه أخذ القرآن منهم؟ هل أنابه نسطورس مثلا؟ طبعا لا، فما معنى ذلك إذن؟ كذلك حلّلتُ فى الكتاب المذكور المضمون القرآنى فوجدت أن الروح التى تسود القرآن لا يمكن أن تكون روحا بشرية، وقدّمت البراهين على ذلك. ثم إن النبوءات التى يتضمنها كتاب الله قد تحققت كلها، فضلا عن أن الإشارات العلمية التى تعرّض لها تنسجم مع المقطوع به من حقائق العلم بعد أن تقدم فى عصرنا هذا خطوات هائلة، وأن العقائد والأخلاق والتشريعات التى يدعو إليها تختلف مع ما فى الأديان الأخرى بما لا يمكن اتهامه معه بأنه أخذ دينه منها. وهذا الكتاب يقع فى نحو ثلاثمائة وخمسين صفحة، وهو متاح أيضا فى ذات الموقع السابق: "http://awad.phpnet.us". ثم إن المسألة لا تحتاج إلى كتابى هذا أو ذاك، فأى شخص يتمتع بشىء من الفهم والتمييز يستطيع فى التو واللحظة أن يقول بكل يقين إن القرآن وكلام الرسول شيئان مختلفان تمام الاختلاف فى الأسلوب والروح رغم اتفاقهما فى المضمون العقيدى والأخلاقى والتشريعى بطبيعة الحال. أما فى الروح والأسلوب فها هنا إله يتحدث، أما هناك فرسول يتكلم، ولا يمكن الخلط بين الكلامين إلا لمن فى قلبه مرض، ومثل هذا الشخص المريض القلب لا يقاس عليه ولا يؤخذ ما يقول مأخذ الجِدّ. يقول الكلب الكندى إن محمدا (الذى يصفه ذلك الكلب بــ"صاحبك الأعرابي الجِلْف") قد ضحك على البدو المتخلفين بأسجاعه التى سماها: "قرآنا". ونحن بدورنا نسأل: وكيف ضحك، يا كلب يا ابن الكلب، على الفُرْس الذين لم يكونوا بدوا متخلفين؟ أو على أهل الشام؟ أو المصريين؟ أو الترك؟ أو الهنود؟ أو الصينيين؟ أو الأندونيسيين؟ أو الأوربيين والأمريكان الذين يدخلون كل يوم فى عصرنا هذا فى دينه ويؤمنون بقرآنه؟ أو القساوسة والرهبان والأحبار الذين تركوا كتابهم المقدس كله إلى دينه وتوحيده على مدى كل تلك العصور؟ وهذا لو أن البدو قد آمنوا بسهولة كما يزعم الكلب! ذلك أن الذين آمنوا به فى أول الأمر إنما هم أهل مكة ثم أهل يثرب، وهؤلاء وأولئك حضريون لا بداة. فما رأى ذلك الكلب؟ ثم لو كان أتباع محمد عليه السلام بهذه السذاجة وذلك التغفيل على النحو الذى يزعمه ذلك المغفل الغبى أفكانوا يستطيعون فتح البلاد بامتداد الكرة الأرضية ويقيمون فى غضون بضعة عقود من السنين إمبراطورية عظيمة الشأن تشع بالعلم والأدب والإبداع الفكرى والأخوّة الإنسانية والتضامن الاجتماعى والنشاط الاقتصادى، وتحترم الأديان الأخرى وحرية معتنقيها، ولا تعرف ذلك النوع من التعصب الدينى المقيت الذى لا يطيق التعايش مع الآخر بل يسعى إلى القضاء عليه مما كان منتشرا بين النصارى أنفسهم آنذاك؟
18- ومن تنطع ذلك الكلب زعمه أنه اطلع على مصحف لمسيلمة الكذاب يضارع القرآن بل يتفوق عليه، وهذا كلامه بنصه: "وأشهد أني قرأت مصحفًا لمسيلمة لو ظهر لأصحابك لردَّ أكثرهم، إلا أنه لم يتهيأ لهؤلاء أنصارٌ مثلما تهيّأ لصاحبك". ولا أدرى عن أى مصحف يتحدث هذا الكذاب القرارى، أو كيف وصل إليه هو وحده ذلك المصحف دون خلق الله جميعا، ودون العرب بخاصة. أرأيت أيها القارئ الكريم كيف يلجأ هؤلاء الأوغاد إلى سلاح الكذب والافتراء؟ وهل ما بلغنا من كلام مسيلمة يسمى مصحفا؟ وهل حقٌّ أن ذلك الكلام لو كان وصل إلى أصحاب النبى لحوّلهم عن الإسلام؟ فقد وصلهم إذن هذا الكلام أيها الكذاب وعلق عليه أبو بكر متعجبا من سخفه بقوله لوفد أهل اليمامة إليه بعد إيقاع خالد بالمتنبئ الكذاب وقضائه عليه: ما كان يقول صاحبكم؟ قالوا: أَعْفِنا يا خليفة رسول الله؛. قال: لا بد أن تقولوا. قالوا: كان يقول: يا ضفدع، كم تنقين! لا الشراب تمنعين، ولا الماء تكدرين. لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكنْ قريش قوم لا يعدلون. فقال لهم أبو بكر: وحيكم! ما خرج هذا من إلٍّ ولا بِرّ، فأين ذُهِب بكم؟"، كما تهكم به الأحنف بن قيس قائلا إنه "ليس بنبى صادق ولا متنبئ حاذق"، وقال فيه ثمامة بن النعمان:
دعانا إلى ترك الديانة والهدى* مسيلمة الكذاب إذ جاء يسجعُ
فيا عجبا من معشرٍ قد تتابعوا* له في سبيل الغَيّ، والغي أشنعُ
وهذه مجرد أمثلة قليلة، وإلا فهناك غيرها كثيرٌ جِدُّ كثيرٍ، وهو ما يشى باحتقار المسلمين لمسيلمة و"مصحفه" احتقارا هائلا. ثم من يا ترى الذين قتلوا مسيلمة؟ أليسوا مسلمين سمعوا ما فى "مصحفه" فكفّروه وقتلوه، ولم يتأثروا به كما زعم الكندى الكذاب أنهم فاعلون لو سمعوه؟ ثم أليس ينبغى أن يكون قتله برهانا كافيا عند الكذاب النجس على أنه مدلس مثله كذاب وأنه من ثم من طينة غير الطينة التى منها محمد عليه السلام؟ أليس هذا هو المقياس الذى يقيس به الكلبُ النجسُ صدقَ الأنبياء أو كذبَهم؟ وأرجو ألا يضحك القراء من تسميتى هذا الكلام الخارج من دبر مسيلمة: "مصحفا"، فإنى إنما أجارى الوغد المداور وآخذه على قدر عقله التافه الصغير! ولقد كذّب مسيلمة نفسه وكذّب أيضا هذا الكذابَ الحقيرَ حين عرض على النبى أن يقتسما الأرض بينهما، بما يدل على أنه يعترف بنبوة النبى، وأن كل ما كان يريده هو اعتراف النبى به بدوره، وهو ما حَرَمه منه النبىُّ، لأنه نبى صادق، وليس مثل مسيلمة الكذاب يريد أن يكون نبيا والسلام! كما أن شريكته فى هذا الهراء، وهى النبية الكاذبة سجاح، قد تخلت عنه ورجعت إلى الإسلام، فكذّبت بذلك نفسها وشريكها الأحمق الذى أورد نفسه موارد التلف والهلاك فى الدنيا وموارد الجحيم فى الدار الآخرة! أوبعد ذلك كله ما زال الكندى الكذاب يقول إن عنده مصحفا لمسيلمة لو اطلع عليه أصحاب محمد لبدلهم تبديلا؟ ومع هذا فعندى شىء يمكن أن يستعمل فيه هذا الوغد مصحف مسيلمة ما دام لا يستطيع أن يضحك به على أحد من المسلمين، ألا وهو أن يمسح فيه دبره بعد قضائه الحاجة بدلا من أن يترك الفضلات على حوافه كعادة أشباهه الأنتان، ثم يمسحه فى فمه القذر بعد ذلك حتى يزداد استمتاعا وابتهاجا، شأن أى خنزير قذر دنس يأكل الفضلات ويلعق العذرة!
وعلى أى حال لا بأس أن نرفه عن أنفسنا وعن القراء بإيراد قصة مسيلمة وسجاح، التى تنبأت كما تنبأ، ثم رجعت إلى رشدها وفاءت إلى الإسلام. قال أبو هلال العسكرى فى كتابه: "الأوائل": "أول امرأة نُبِّئَتْ سجاح بنت سويد بن خالد: أخبرنا أبو أحمد عن رجل نسيت اسمه قال: قال عمر بن بكير عن هشام بن الكلبي عن عوانة أو غيره قال: كان من حديث سجاح بنت سويد بن خالد بن أسامة بن العنبر بن يربوع التميمية، وتُكْنَى: أمّ صادر، وأخوها عتبان، وكانوا من بني تغلب، فلما قُبِض النبي صلى الله عليه وسلم، واستخلف أبو بكر، وكانت الردة، نبئت سجاح وخرجت من بني تغلب، فتبعها أناس كثيرون من النمر بن قاسط وإياد، ومن بني تغلب الهذيل بن عمران، فخرجت تسير بهم إلى بلاد بني تميم، فلقيها بنو حنظلة فقالت: أنا امرأة منكم، والملك ملككم، وقد بُعِثْتُ نبية. قالوا: مُرِينا. قالت: إن رب السماء والتراب، يأمركم أن توجهوا الركاب، وتستعدوا للنهاب، ثم تغيروا على الرباب، فليس دونهم حجاب. فسارت بنو حنظلة إلى بني ضبة، وهم من الرباب، وسارت سجاح ومن معها من بني تغلب والنمر بن قاسط إلى حفر التيم، وعليه من الرباب بنو عدي وثور. فأما بنو حنظلة فلَقُوا بنى ضبة فهزمتهم، ولقيت سجاح ومن معها تيما وعديا وثورا فقاتلوهم قتالاً شديدًا. وجاءتهم وفود بني تغلب والنمر وإياد، وأرسلت بنو ضبة يطلبون إلى حنظلة أن يُودُوا قتلاهم ويصالحوهم، فقالت: لا تعجلوا على الرباب، فإنهم يحثّون نحوكم الصعاب. ثم قالت: عليكم باليمامة، فإنها دار إقامة، نلقى أبا ثمامة، فإن كان نبيا ففي النبي علامة، وإن كان كذوبا فله ولقومه الندامة، ولا يلحقكم بَعْدُ ملامة. فخرجوا نحوها، ومعها عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس بن زيد وعمرو بن أهثم والأقرع بن حابس وشبيب بن ربعي، وهو مؤذنها، فساروا حتى نزلوا الصمان. فبلغ ذلك مسيلمة الكذاب، وكان قد تنبأ، فتجسس أهل اليمامة لها، فقال مسيلمة: دعوني ورأيي. فأهدى لها وكتب إليها أن موعدنا يوم كذا نلتقي فيه ونتدارس. فإن كان الحق بيدك بايعناك، وإن كان في أيدينا بايعتنا. فخرجت في أربعين، فلما جلسوا أحصاهم ثم قال: ليقم من ها هنا عشرة، ومن ها هنا عشرة، ومن ها هنا عشرة، ومن ها هنا عشرة، حتى ننظر من صاحب الأمر. فقاموا، فقال مسيلمة لغلامه: عَثِّنْ لها لتذكر الباه (والعثان الدخان)، أي بَخِّرْ لها بشيء من الطيب. فقال مسيلمة: لنا نصف الأرض، ولقريش نصفها، ولكن قريشا لا يعدلون. رحم الله من سمع، ومازال أمره في كل ما شاء مجتمع، وأطمع في الخير فطمع. أراكم الله محياكم، ومن رجزٍ خلاكم، ويوم القيامة نجّاكم. علينا صلوات من معشر أبرار، لا أشقياء ولا نجار، يصلون بالليل ويصومون بالنهار، ولربهم الكبار، رب النور والأمطار، ولما رأيت وجوههم حسنت، وأبشارهم صفت، وأيديهم انبسطت، النساءَ يأتون، والخمرَ يشربون. أنتم معشر الأبرار، سبحان ربي كيف يَحْيَوْن، وإلى رب السماء يَرقَوْن، لو أنها حبة من خردلة في جندلة لقام عليها شهيد يعلم ما في الصدور، أكثر الناس يومئذ المبثور. قالت: أشهد أنك نبي. وآمنتْ به، فقال: إنكن معشر النساء خُلِقْتُنّ لنا أفراجا، وخُلِقْنا لكم أزواجا، فإذا ملكناكن أرتجن لنا إرتاجا، فنولجه فيكن إيلاجا، فتخرجن أولادا إنتاجا. قالت: صدقت. ثم قال:
ألا قومي إلى البيت* فقد هُيِّي لك المضجعْ
فإن شئتِ بثلثيه* وإن شئتِ به أجمع
وإن شئتِ سلقناك* وإن شئتِ على أربع
قالت: بذلك أُوحِيَ إليّ. قال: هل لك أن تزوجيني نفسك، فيكون الملك بيننا، ونخفف من عشيرتنا؟ قالت: نعم. فتزوجها وانطلق إلى اليمامة، وتركت الجمع الذي كان معها بالصمان، ورفع مسيلمة عن بني تميم صلاة الغداة والظهر والعشاء، وقال: إن بني تميم لقاح لا أتاوة عليهم (يعني الخراج). فعامة بني تميم لا يصلون هذه الصلوات إلى اليوم، فلم تزل عند مسيلمة إلى أن قُتِل، فهربت فلم توجد، ثم أسلمت فتزوجها رجل من قومها، فولدت له ثلاثة وماتت بالبصرة. قالوا: ولما وقع عليها مسيلمة خرجت إلى قومها وهي تَنْطُف عرقا. قالوا: ما عندك؟ قالت: وجدتُه أحق بالأمر مني فبايعته وزوجته نفسي. قالوا: ومثلك لا يتزوج بغير مهر؟ فقال مسيلمة: جعلت مهرها أن رفعتُ عنكم صلاة الغداة والعتمة، فقد أُوحِيَ إليّ بذلك. قالوا: وما هو؟ قال: ضفدع بنت ضفدعين رأسك في الماء ورجلك في الطين، لا ماء تكدرين، ولا شارب تنفضين، سجاح بنت الأكرمين، قومي ادخلي التيطون، فقد وضعنا عن قومك صلاة المعتمين، فرَضُوا. فلما عرف قومها حالها قال عطارد بن حاجب بن زرارة:
أضحت نبيتنا أنثى يطاف بها* وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا
فلعنة الله رب الناس كلهم* على سجاح ومن بالإفك أغوانا
أعني مسيلمة الكذاب لا سقيت* أصداؤه غيث مزن حيثما كانا"

يتبـــــــــــع