15- ويستمر الخنزير فى المداورة الضالة فيتساءل: "هل أجرى محمد معجزات باهرات؟"، ثم يجيب قائلا إننا "نسمعه يقول: وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالإيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأوَلُونَ (سورة الإسراء 17:59). أي لولا أن يكذبوا بآياتك كما كذبوا بالآيات التي جاءهم بها الأولون من قبلك، لأعطيناك الآيات! وأنت تعلم أن هذا جواب مرفوض، لا يقنع أحدًا"! ولا أدرى كيف يكون مثل هذا الجواب مرفوضا، وهذا هو الكتاب المقدس يتحدث عن معجزات لموسى وعيسى أمام الجماهير، فماذا كانت النتيجة؟ ألم يشغب بنو إسرائيل على موسى عليه السلام ويتمردوا على ما جاءهم به ويرتكسوا فى أوحال الوثنية كلما تاحت الفرصة؟ ألم يختف، عندما جدّ الجِدّ وقبض الرومان على السيد المسيح لصلبه كما يزعم مؤلفو الأناجيل، كل أولئك الذين شفاهم المسيح والذين شاهدوه يشفيهم، وكذلك الذين أشبعهم من الطعام فى العراء مع أنه لم يكن فى يده إلا خمس سمكات ليس إلا، وكأنهم فص ملح وذاب؟ هل نفعت تلك المعجزات قضية الإيمان؟ كلا ثم كلا، وهذا ما قاله القرآن، فما وجه الخطإ إذن؟ وبالمناسبة فقد قال ذلك للمشركين الذين كانوا يقترحون المعجزات على سبيل التحدى لا لكى يؤمنوا به، وإلا فقد صنع الرسول عددا من المعجزات للمسلمين دون أن يطلبوها منه أو يتعنتوا بها عليه ذكرتْها كتب السيرة والأحاديث. وهذا أيضا ما قاله السيد المسيح عليه الصلاة والسلام حين تحداه بنو إسرائيل بأن يعمل لهم آية، إذ قال لهم بنفس النبرة: "جيل شرير وفاسق يطلب آية، ولا تُعْطَى له آية إلا آية يونان النبى" (متى/ 12/ 39، 46، و16/ 4، ولوقا/ 11/ 29)! أما بالنسبة لمحمد فانظر كيف آمن به عليه السلام كل تلك الملايين المُمَلْيَنَة من النصارى واليهود بدءا من عصره حتى الآن، ومن مختلف قطاعات الشعوب، ومنهم الأحبار والقساوسة والملوك والرؤساء والعلماء وكبار رجال القوم حتى من أمريكا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا فى العصر الحديث، وهو ما لم يحدث فى الجهة المعاكسة مثله! فهذا ما يقوله العقل والمنطق والفهم السليم المستقيم لا الذى يهرف به كل سخيف أقرع العقل والقلب والضمير! ثم ماذا تعنى المعجزة لمن لم يشاهدها، وهم الناس جميعا ما عدا القلة القليلة التى كانت حاضرة ساعة وقوعها؟ الحق أنها لا تعنى شيئا، إذ من السهل القول بأن الأمر لم يتم كما قال الرواة، وأن شيئا غير عادى لم يقع، وأن المسألة لا تعدو أن تكون تخرصات كذابين. كذلك فإن رسالة سيدنا محمد كانت تدشينا لعصر جديد من عصور الحضارة البشرية، ألا وهو عصر العلم والتثبت العقلى دون الاعتماد فى الأساس على المعجزات، وهو العصر الذى نعيش فيه الآن وسوف تظل البشرية تعيش فيه بمشيئة الله، وهذا ما يميز رسالة النبى محمد عليه الصلاة والسلام، إذ يمتلئ القرآن من أوله إلى آخره بالحث على استخدام العقل واطراح التعصب والابتعاد عن صوت العواطف المضللة وإقامة الإيمان على التفكير المجرد المستقيم والتأمل فى سنن الله وعجائبه التى تبدو لأصحاب العقول الصغيرة أمورا معتادة لا تستحق عناء الوقوف إزاءها ولا التبصر فى دلالتها على القدرة الإلهية المعجزة. وفى هذا يقول الدكتور نظمى لوقا فى الصفحة التاسعة والستين بعد المائة من الطبعة الأولى من كتابه: "محمد- الرسالة والرسول"، وكأنه يرد على الكندى الرقيع: "لا دعوى ولا ادعاء، ولا مظاهرة من الخوارق والبوارق، وإنما الهداية إلى ما تطمئن به النفس ويستريح إليه العقل"، وصدق ابن لوقا!
14- ولا يشاء المنكوس الفطرة إلا أن يضيف كذبة أخرى إلى أكاذيبه التى لا تنتهى والتى يتنفسها من فمه الأبخر المنتن، فهو يدعى أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول للمسلمين في حياته ويوصيهم إذا مات ألاّ يدفنوه لأنه سيُرْفَع إلى السماء كما ارتفع المسيح، إذ هو أكرم على الله أن يتركه على الأرض أكثر من ثلاثة أيام! لكن متى قال الرسول الكريم ذلك، وهو الذى كان حريصا دائما على التشديد على بشريته وأنه ميت مثلما الناس جميعا ميتون وأن الشمس التى كسفت يوم موت ابنه إبراهيم لم تكسف مشاركة له فى الحزن على الغلام الميت، بل جريا على نواميس الله الأزلية؟ وها هو ذا القرآن، وها هى تلك الأحاديث بين أيدينا، فليدلنا الكذاب على أى نص فيهما يقول هذا الذى يزعم! إن ذلك الوغد يكذب بكل برود ووقاحة جريا على سنة قومه فى الكذب والتزييف! وفى موت الصحابى الذى أكل من الشاة المسمومة فى خيبر يتساءل الكندى: "لماذا لم يَدْعُ محمد ربه فيجيبه كعهدنا بالأنبياء المشفعين في إحياء الموتى؟ فإن إيليا النبي قد أحيا ابن الأرملة بصرفة (1ملوك 17)، وهكذا أليشع تلميذ إيليا أقام ابن الشونمية من الموت (2ملوك 4)". ونجيبه بأن عيسى إذن ليس أفضل من هذين النبيين، ومن ثم لا معنى للقول بأنه إله لأنه أحيا الموتى، وإلا فهما أيضا إلهان مثله. وثانيا لماذا لم يصنع عيسى ذلك أيضا عندما مات يحيى بن زكريا؟ كذلك فمن بين النصارى الملاحدة من يتهمون عيسى بأنه قد دبر مع من يقال إنه أعادهم إلى الحياة أن يتماوتوا فيتظاهر هو بأنه يحيى الموتى. أى أن معجزاته عليه السلام لم تحسم الأمر. وأخيرا ما الحكمة الخطيرة التى تعود بالنفع على البشرية فى أن نحيى ميتا دون سائر الموتى؟ وهل أدت تلك المعجزة إلى أية نتيجة كما قلنا؟ والإجابة هى: كلا، فها هو ذا المسيح عندما صُلِب حسب اعتقاد القوم قد انفض عنه، أوّلَ ما انفضّ، تلاميذه والموتى الذين أحياهم والبُرْص والعُمْى والممسوسون الذين شفاهم، لم ينفعه من ذلك شىء. ثم لماذا لم يحي نفسه؟ بل لماذا لم يُعْمِ عيون أعدائه عنه كما أعمى الله عيون أعداء نبيه محمد عند الهجرة وعند قيامهم عند فوّهة غار ثور؟
15- ونأتى الآن إلى كلام الخنزير عن الجانب التشريعى الذى يتخذه تعلةً لتكذيب النبى محمد عليه الصلاة والسلام، إذ يقول لخصمه المسلم الموهوم: "دعني أناقشك في ما جاء به صاحبك من الشرائع والأحكام، فنقول إن الشرائع والأحكام لن تخرج عن ثلاثة أوجه: وذلك إما أن يكون الحكم حكمًا إلهيًّا، وهو حكم التفضُّل الذي هو فوق العقل والطبيعة ويليق بالله جل اسمه لا بغيره، ولا يشبهه سواه. وإما أن يكون حكمًا طبيعيًّا قائمًا في العقل مولودًا في الفكر يقبله التمييز ولا ينكره، وهو حكم العدل. وإما أن يكون حكمًا شيطانيًّا، أعني حكم الجور، وهو ضد الحكم الإلهي وخلاف الحكم الطبيعي. فأما الحكم الإلهي الذي هو فوق الطبيعة فهو التفضُّل الذي جاء به المسيح مخلص العالم سيد البشر الذي شهد له صاحبك إذ يقول: وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (سورة المائدة/ 46). وذلك أن المسيح قال في إنجيله الطاهر: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الإشْرَارِ والصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الإبْرَارِ والظَّالِمِينَ (متى 5:44 ، 45). فهذا هو الحكم الإلهي، وشرائعه فوق الطبيعة وأعلى من العقل الإنساني، وهو حكم التفضّل والرحمة والعفو والتشبُّه بفعل الله الرؤوف الرحيم. والنحو الثاني هو الحكم الطبيعي والشريعة القائمة في العقل الجاري مع الغريزة، وهو ما جاء به موسى النبي بقوله في حكمه ما معناه العين بالعين، والسن بالسن، والنفس بالنفس، والضربة بالضربة، والجراح قصاص. فهذا حكم الطبيعة الداخل في قانون العقل، وهو حكم العدل والنصفة: أن تأتي الناس بمثل ما أَتَوْا به إليك، وتفعل بهم كما فعلوا بك: إنْ خيرًا وإنْ شرًّا. وليس ذلك مضاهيًا للحكم الإلهي. والنحو الثالث هو الحكم الشيطاني الذي هو الجور والشر بعينه. فأي هذه الأحكام الثلاثة وأي شريعة جاء بها صاحبك؟ فإن قلت إنه جاء بالأحكام الإلهية قلنا لك قد سبقه المسيح إليها بستمائة سنة. وإن قلت إنه جاء بالأحكام الطبيعية وشرائع العقل وسنن العدل قلنا قد سبقه إلى ذلك موسى النبي. فهذان حكمان قد عرفنا أصحابهما وأقررنا بهما. بقي الحكم الثالث الذي هو حكم الشيطان وشريعة الجور. فهل تقول إنه جاء بالحكمين معًا (يعني حكم المسيح وحكم موسى) وشرحهما في كتابه قائلاً: النفس بالنفس والعين بالعين والسن بالسن... إلخ كما قال موسى ثم أَتْبعه بقول المسيح: وإن غفرتم فإنه أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى (سورة المائدة/ 8)؟ فأنت تعلم أن هذا كلام متناقض، كقول القائل: "قائم قاعد"، و"أعمى بصير"، و"صحيح سقيم" في حال واحدة. وإن أقررت كل واحد من هذين الحكمين وادَّعيته فلا يدعك أصحابهما لأنهم ورثوه فصار في أيديهم حقًّا مسلَّمًا لهم، ويقولون لك إنك متعدٍّ ظالم تروم أخذ إرثنا من أيدينا، مع إقرارك أنت أنه لنا. فإن حاولت أخْذه فأنت غاصبٌ لا حقَّ لك، بل آتِنا أنت بما في يدك وعندك مما ليس في أيدينا ولا عندنا لنعلم أنك صادق في ادّعائك. ولا أظنك ترضى لصاحبك أن يكون تابعًا للمسيح وموسى، وأنت تزعم فيه وتدَّعي من الحظوة والقدر والمنزلة عند رب العالمين، وتجترئ على الله وتقول: لولا صاحبك ما خُلِق آدم ولا كانت الدنيا"!
هذا ما قاله الخنزير السفيه: فأما عن النوع الأول من التشريع فتعليقنا عليه هو: أين كان ذلك الحكم طوال عمر البشرية قبل إتيان عيسى؟ أكان الله ناسيه ثم تذكره؟ أم كان الله لا يبالى بالبشر وشرائعهم إلى أن جاء عيسى؟ أم ماذا؟ ثم كيف يمكن تطبيق ذلك الكلام الذى لا يزيد عن أن يكون "طَقّ حَنَك"؟ إنه غير قابل للتنفيذ، ولم يطبَّق يوما قَطّ. ومن أقرب الأدلة على ذلك هذا الهجوم السفيه على الرسول. فلنفترض أنه عدو للنصارى، فكيف يشتمونه ويتطاولون عليه؟ ولماذا لا يحبونه ويباركونه ويُولُونه الخد الأيسر كما تقضى شريعتهم؟ الحق أننا لم نسمع يوما بأن نصرانيا قد صنع ما تأمره به هذه الأحكام، فما داعيها إذن؟ إنها، لو نُفِّذت، لكفيلة بتدمير المجتمعات البشرية والإملاء للمجرمين فى إجرامهم وغَيّهم. إنها تشجيع لهم كى يبغوا فى الأرض بغير الحق ويذلوا الأخيار ويقتلوهم ويسرقوهم وينكّلوا بهم ويعتدوا على أعراضهم ويغتصبوا حقوقهم. وأما تعليقنا على النوع الثانى من التشريع حسب تصنيفه فهو أنه لا معنى له إلا أن موسى قد أتى بالحكم المذكور من عند نفسه وأن شريعة الله لا تدخل العقل وليس فيها حكمة ولا يمكن تطبيقها، وهو كلام فى منتهى الخطورة والكذب. ومعنى هذا أيضا أن الله ترك موسى يشرّع من عند نفسه تشريعات لم يُرِدْها ولا يرضاها ثم تركه ينادى بها ويدعو إلى تنفيذها ويطبقها أتباعه قرونا قبل أن يأتى بتشريعاته هو التى لا يمكن تطبيقها ولا تؤدى إلا إلى الضرر. ثم إن عيسى نفسه لم يستطع تطبيقها، فقد كان يلعن ليل نهار بنى إسرائيل، بل كان يشتم حوارييه ويتهمهم فى إيمانهم. كما أن التلاميذ والمرضى والموتى الذين شفاهم قد انصرفوا وتركوه، عندما جد الجِدّ، لمصيره الشنيع دون أن يستجيبوا لا هم ولا السماء لصياحه وآلامه وهو فوق الصليب يتعذب حسب روايات القوم.
أما الشريعة الذى أتى بها محمد فهى شريعة الله سبحانه وتعالى التى تقدم مثلا عفو أولياء القتيل عن القاتل فى مقابل الدية أو أجر الآخرة إذا أرادوا، وتُؤْثِر الستر على الزانى والزانية إلا إذا استعلنا بفاحشتهما ولم يباليا، فعندئذ لا يبالى بهما المجتمع ويطبق عليهما العقوبة... وهكذا. ولسوف نزيد المسألة بعض التفصيل فنقول إن ذلك الخنزير فى آخر كلامه السابق عند حديثه عن النوع الثالث من الشريعة يسأل الهاشمى الموهوم متعنتا متهكما: "فهل تقول إنه (أى الرسول الكريم) جاء بالحكمين معًا (يعني حكم المسيح وحكم موسى) وشرحهما في كتابه قائلاً: النفس بالنفس والعين بالعين والسن بالسن... إلخ كما قال موسى ثم أَتْبعه بقول المسيح: وإن غفرتم فإنه أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى (سورة المائدة/ 8)؟ فأنت تعلم أن هذا كلام متناقض كقول القائل: "قائم قاعد"، و"أعمى بصير"، و"صحيح سقيم" في حال واحدة. وإن أقررت كل واحد من هذين الحكمين وادَّعيته فلا يدعك أصحابهما لأنهم ورثوه فصار في أيديهم حقًّا مسلَّمًا لهم، ويقولون لك إنك متعدٍّ ظالم تروم أخذ إرثنا من أيدينا، مع إقرارك أنت أنه لنا. فإن حاولت أخْذه فأنت غاصبٌ لا حقَّ لك، بل آتِنا أنت بما في يدك وعندك مما ليس في أيدينا ولا عندنا لنعلم أنك صادق في ادّعائك". وواضح أن كلامه كلام نظرى لا علاقة له بالواقع، فأولا نحن نعرف أن السيد المسيح لم يأت بتشريع يتعلق بجريمة القتل، فلا مجال للقول إذن بأن الرسول عليه السلام قد خلط بين تشريعه وتشريع موسى من قبله كما يزعم الكندى. ومع هذا فإنه عليه السلام لم يأت بتشريع موسى القاضى بقتل القاتل ضربة لازب، بل قسم القتل إلى قتل عمد، وفيه اختيارات ثلاثة: إما القصاص، وإما الدية، وإما العفو الكامل، وكثيرا ما يأخذ أولياء القتيل بالدية أو يعفون عفوا كاملا عن القاتل ولا يصرون على القصاص منه، وهذا أمر جديد لم يكن فى تشريع موسى كما هو معروف. وفوق هذا فقد شدد الإسلام فى مسألة القتل العمد وبين أنها عند الله كبيرة من الكبائر مصير مرتكبها جهنم، وبئس المصير، وهذا أيضا شىء جديد ليس فى الشريعة اليهودية، إذ لا كلام فيها عن الآخرة وثوابها وعقابها. وأما فى مسألة الزنا فلنلاحظ أن السيد المسيح لم ينسخ الرجم، بل كل ما قاله فى الحادثة الوحيدة اليتيمة التى عُرِضَتْ عليه، وهو يشير إلى الزانية التى أحضروها أمامه: من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر. ومعنى هذا أنه لم يقل بالعفو عن الزانية، بل اشترط ألا يكون المقيمون للحد عليها قد ارتكبوا نفس الخطيئة. ومن الواضح أن أولئك المرائين القساة القلوب كانوا جميعا يمارسون تلك الفاحشة فنزل رد عيسى عليهم نزول الصاعقة فألجمهم وأشعرهم بالخزى جَرّاءَ مباغتته لهم فتركوها وانصرفوا. ولو أن واحدا أو اثنين أو أكثر ردوا على عيسى عليه السلام قائلين إنهم سوف يرجمونها لأنهم لم يجترحوا تلك الخطيئة، فماذا تراه قائلا آنذاك؟ لا أظن إلا أنه كان سيخلّى بينهم وبين تطبيق العقوبة الواردة فى التوراة، وإلا لآخذوه بكلامه، وهو أن من كان منهم بلا خطيئة فليرجمها. والعجيب أن نفرا من أمثال أولئك المرائين الأنجاس قد أَتَوُا النبى محمدا عليه الصلاة والسلام بزانيين يهوديين يريدون أن يجدوا عنده حلا آخر سوى الرجم (أى على عكس ما كانوا يريدون من عيسى!)، فسألهما عن حكم الزنا فى التوراة، فظنوا أنهم يستطيعون أن يخفوا عنه ما تقوله شريعتهم لأنهما كانا من أشرافهما ولم يكونا كالمرأة المسكنية التى أَتَوْا بها عيسى عليه السلام، بَيْدَ أن النبى أصر على أن تنفَّذ فيهما العقوبة التى تنص عليها الشريعة عندهم. جاء فى "صحيح مسلم" أن "رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء يهود، فقال: ما تجدون في التوراة على من زنى؟ قالوا: نسوّد وجوههما ونحملهما ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما. قال: فَأْتُوا بالتوراة إن كنتم صادقين. فجاءوا بها فقرأوها، حتى إذا مروا بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم وقرأ ما بين يديها وما وراءها. فقال له عبدالله بن سلام، وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: مُرْه فليرفع يده. فرفعها، فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرُجِما". وفى حديث آخر أنه "مُرّ على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمَّمًا مجلودًا، فدعاهم صلى الله عليه وسلم فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. فدعا رجلا من علمائهم، فقال: أَنْشُدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك نَشَدْتَني بهذا لم أخبرك. نجده الرجم، ولكنه كَثُرَ في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد. قلنا: تعالَوْا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع. فجعلنا التحميم والجَلْد مكان الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم، إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه. فأمر به فرُجِم، فأنزل الله عز وجل: "يا أيها الرسول لا يَحْزُنْك الذين يسارعون في الكفر... إلى قوله: إن أُوتِيتُم هذا فخذوه" (المائدة/ 41) يقول: ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا. فأنزل الله تعالى: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" (المائدة/ 44)، "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون" (المائدة/ 45)، "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون" (المائدة/ 47) في الكفار كلها".
والآن إلى ما يقوله التشريع الإسلامى فى تلك القضية بالتفصيل: لنقرأ أولاً الآيات التالية من سورة "النور": "قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33)"، ومن الواضح أن الآيات الكريمة تتناول موضوعا جديدا لم يتطرق له موسى ولا عيسى عليهما السلام، وهو سد الذرائع التى قد يكون من شأنها تميهد السبيل لارتكاب الزنا، وكذلك الإعلان عن الغفران الإلهى للفتيات المكرهات على ممارسة البغاء دون أن يكون لهن القدرة على الرفض. كذلك فإن الإسلام يؤثر الستر فى هذه المسألة، ففى "الموطإ" أن رجلا من أسلم اسمه هزال أتى إلى رسول الله يُنْهِى إليه خبر ارتكاب فلان فاحشة الزنا، وربما ظن أنه بهذه الشهادة قد أتى عملا عظيما، فما كان من النبى الكريم الرحيم إلا أن قال له: "يا هزال لو سترته بردائك لكان خيرا لك". وكان الرسول، حين يأتيه الرجل معترفا بأنه واقع الفاحشة، يعمل بكل سبيل على التثبت من ارتكابه الزنا فِعْلاً لا توهُّمًا، فيقول له مثلا: لعلك قبَّلْتَ! لعلك فاخَذْتَ! هل أنت سكران؟ هل أنت مجنون؟ أملا منه عليه السلام فى أن يرجع فيتوب إلى الله وينتهى الأمر عند هذا الحد، لكن عندما يجده مصرا على أقواله ويَثْبُت لديه أنه فعلا قد مارس الحرام لا يجد مناصا فى هذه الحالة من تطبيق العقاب عليه، وإلا تميعت الأمور وفسد المجتمع. من ذلك الحديث التالى فى "صحيح مسلم": "جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: يا رسول الله، طَهِّرْني. فقال: ويحك! ارجع فاستغفر الله وتب إليه. قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله! طَهِّرْني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك! ارجع فاستغفر الله وتب إليه. قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله! طهرني. فقال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك. حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيم أطهّرك؟ فقال: من الزنى. فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبه جنون؟ فأُخْبِر أنه ليس بمجنون. فقال: أشرب خمرا؟ فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أزنيت؟ فقال: نعم. فأمر به فرُجِم. فكان الناس فيه فرقتين: قائل يقول: لقد هلك! لقد أحاطت به خطيئته! وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز: أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده في يده ثم قال: اقتلني بالحجارة. قال: فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة. ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم جلوس، فسلم ثم جلس فقال: استغفروا لماعز بن مالك. قال: فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد تاب توبة لو قُسِّمَتْ بين أمة لَوَسِعَتْهم. قال: ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد فقالت: يا رسول الله! طَهِّرْني. فقال: ويحك! ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه. فقالت: أراك تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك. قال: وما ذاك؟ قالت: إنها حبلى من الزنى. فقال: آنت؟ قالت: نعم. فقال لها: حتى تضعي ما في بطنك. قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت. قال: فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: قد وضعت الغامدية. فقال: إذا لا نرجمها وندع لها ولدها صغيرا ليس له من يرضعه. فقام رجل من الأنصار فقال: إليّ رضاعه يا نبي الله! قال: فرجمها". ليس ذلك فحسب، إذ لا شك أن ما جاءت به الآيتان التاليتان من سورة "النور" هو أيضا شىء جديد لم تعرفه شريعة موسى حسبما وصلتنا فى العهد القديم ولا عرض لها عيسى، عليهما السلام: "الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3)".
أيمكن أن يصف آدمى عاقل قد خلا قلبه من الحقد والضلال شريعة محمد بأنها شريعة الشيطان؟ إنها شريعة الله بكل يقين، نعم شريعة الله التى لا تفرق بين مسلم وغير مسلم، وتنهى عن البدء بالعدوان والظلم حتى مع الأعداء، وتحبب الفضل والكرم وتنازُل صاحب الحق عن حقه، وتحرم الخمر والربا مع الجميع، وتدعو الناس إلى تعمير الأرض وتعلى من شأن العلم، وتحرّم عليهم ترك أعمالهم وسطْوهم على حقول الآخرين وحظائرهم، ولا ترضى بلعْنهم شجر الفاكهة لعدم إثماره فى غير موسم الثمر فى مناهضة للعقل وقوانين الطبيعة. إن الإسلام دين يقوم على احترام المنطق والعقل وسنن الكون. ومن هنا رأينا أمم النصرانية لا تتقدم ولا تقوى إلا بطرح الشرائع الإنجيلية من أولها إلى آخرها لأنها شرائع تناقض الحضارة مناقضة حادة. أما شريعة محمد فقد أوصت بالجار والقريب والفقير والمسكين والمَدِين واليتيم وقنّنت ذلك كله فى بنودٍ محدَّدة، ولم تتركه كلاما ساذجا متشنجا لا يمكن تطبيقه، بل طبقته وأقامت دولا انتعش فيها العلم والتراحم الاجتماعى والنظافة والنشاطات الاقتصادية... إلخ. وما زال الناس حتى من الدول الغربية الكبرى فى عصرنا يدخلون فى دين محمد إعجابا بمبادئه وتشريعاته وقِيَمه رغم هوان أهله وضعفهم أمام تلك القوى نفسها. فإذا ظل الكندى الموهوم على رأيه من أن شريعة محمد شريعة شيطانية، وشريعة عيسى التى تناقضها شريعة إلهية، كان معنى هذا أن شريعة الشيطان أفضل من شريعة الله، أستغفر الله. ثم إن الآية الكريمة، كما استشهد بها الوغد، خاطئة، وصوابها هو: "وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)". وبالمثل نراه يهزل حين يدعى أن الرسول محمدا قد اعترف بأن المسيح سيد العالم (أى اعترف به إلها!)، إذ ليس فى القرآن ولا فى الآية التى استشهد بها الوغد ولا فى أى حديث من أحاديثه صلى اله عليه وسلم ما يمكن أن يُفْهَم منه ذلك بتاتا، وأخزى الله كل مدلس فشّار، فالقرآن واضح فى هذا الأمر وضوحا لا يمكن تطرق اللبس إليه بحال. ومعروف أن موقف القرآن من عيسى عليه السلام وقوله بأنه ليس إلا عبدا رسولا هو ما يهيج النصارى ضد محمد ودينه، إلا أن الرجل يكذب حتى فيما لا يقبل الكذب، فما العمل؟ العمل هو ما نقوله دائما من أن أمثال الكندى المزعوم قد مَرَدُوا على الكذب، فهم لا يستطيعون التخلّى عنه او التبرّى منه. كما أن تعليقه على ما ظنه توليفا من النبى بين الشريعة التوراتية والشريعة الإنجيلية هو تعليق مضحك، إذ إن التشريع الإسلامى لا يقول فى القتل بالعقوبة والعفو فى ذات الوقت، بل يقول بالعفو إن قبل صاحب الحق هذا العفو، وإلا فمن حقه تماما تطبيق العقاب. وكثيرا ما قبل صاحب الحق وما زال حتى الآن يقبل العفو رحمةً منه وكرمًا وابتغاءً لوجه الله. وأخيرا فإن كلام المسكين يوهم أن اليهود والنصارى لم يقبلوا التشريع الإسلامى ولم يدخلوا الإسلام ولم يصدقوا محمدا. فمن أين أتت الملايين المُمَلْيَنَة التى دخلت وما زالت تدخل الإسلام؟ أليس معظمهم يهودا ونصارى؟ وكيف أصبح كاتب هذه السطور مثلا مسلما؟ أليس لأن أجداده اليهود أو النصارى قد قبلوا دين محمد؟ إن كلام الكندى لا يعنى إلا أن أحدا من غير العرب الوثنيين لم يقبل الإسلام، وأن الدنيا كلها ترفضه. صح النوم يا خم النوم! وانظر حولك لترى أن العرب جميعا قد قبلوا الإسلام عند مجيئه: نصاراهم ويهودهم ووثنيوهم، وأن عشرات الملايين من غير العرب قد قبلته مثلهم، وإلا فمن أين للإسلام بمئات الملايين الحالية إذن؟ أوقد نزلوا من السماء؟ إذن فهى معجزة، وأى معجزة! وأين ذهب الملايين من النصارى واليهود الذين كانوا موجودين عند مجىء الإسلام، وكذلك الذين كانوا موجودين منذ ذلك الحين حتى الآن ولم يعودوا موجودين، مما كان من نتيجته نقصان غير المسلمين بمقدار زيادة المسلمين؟ أنزلت نار آكلة أتت عليهم؟ إذن فهى معجزة أخرى، وأى معجزة! إن الرجل يعيش فى الأوهام ويطنطن بالاعتراضات النظرية التى لا تسمن ولا تشبع من جوع.
16- والآن إلى ما يزعمه الخنزير من أن القرآن، الذى كان ينزل به جبريل على النبى الكريم غُدُوًّا وعَشِيًّا، إنما أخذه عن راهب يقال له: سرجيوس، فما هى حكاية سرجيوس هذا؟ لنسمع أولا تلك الكذبة السخيفة التى يحكيها الوغد، إذ يقول للهاشمى: "ينبغي لك أن تعلم أولاً كيف كان السبب في هذا الكتاب. ذلك أن رجلاً من رهبان النصارى اسمه سرجيوس أحدث حَدَثًا أنكره عليه أصحابه، فحرموه من الدخول إلى الكنيسة وامتنعوا عن كلامه ومخاطبته على ما جرت به العادة منهم في مثل هذا الموقف. فندم على ما كان منه، فأراد أن يفعل فعلاً يكون له حجة عند أصحابه النصارى، فذهب إلى تهامة فجالها حتى بلغ مكة، فنظر البلد غالبًا فيها صنفان من الديانة: دين اليهود، وعبادة الأصنام. فلم يزل يتلطف ويحتال بصاحبك حتى استماله وتسمَّى عنده: نسطوريوس، وذلك أنه أراد بتغيير اسمه إثبات رأي نسطوريوس الذي كان يعتقده ويتديَّن به. فلم يزل يخلو به ويكثر مجالسته ومحادثته إلى أن أزاله عن عبادة الأصنام ثم صيَّره داعيًا وتلميذًا له يدعو إلى دين نسطوريوس. فلما أحست اليهود بذلك ناصبته العداوة، فطالبته بالسبب القديم الذي بينهم وبين النصارى. فلم يزل يتزايد به الأمر إلى أن بلغ به ما بلغ. فهذا سبب ما في كتابه من ذكر المسيح والنصرانية والدفاع عنها وتزكية أهلها والشهادة لهم أنهم أقرب مودّة، وأن منهم قسيسين ورهبانًا وأنهم لا يستكبرون (المائدة/ 82). فلما تُوُفِّيَ وارتدّ القوم وانتهى الأمر إلى أبي بكر قعد علي بن أبي طالب عن تسليم الأمر لأبي بكر، فعلم عبد الله بن سلام وكعب الأحبار اليهوديان أنهما ظفرا بما كانا يطلبان ويريدان في نفسيهما، فاندسَّا إلى علي بن أبي طالب فقالا له: ألا تدَّعي أنت النبوّة ونحن نوافقك على مثل ما كان يؤدب به صاحبَك نسطوريوسُ النصرانيُّ، فلستَ بأقلَّ منه؟ ولكن أبا بكر عرف بما كان من أمرهما مع علي، فبعث إلى علي. فلما صار إليه ذكّره الحرمة. ونظر علي إلى أبي بكر وإلى قوته، فرجع عما كان عليه ووقع بقلبه. وكان عبد الله بن سلام وكعب الأحبار قد عمدا إلى ما في يد علي بن أبي طالب من الكتاب الذي دفعه إليه صاحبه على معنى الإنجيل، فأدخلا فيه أخبار التوراة، وشيئًا من جل أحكامها، وأخبارًا من عندهما بدلها، وشنَّعا فيه وزادا ونقصا ودسّا تلك الشناعات كقولهما: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَا للَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفوُنَ (سورة البقرة 2:113)، ومثل الأعاجيب والتناقض الذي يجعل الناظر فيه يرى المتكلمين به قومًا شتى مختلفين، كلٌّ منهم ينقض قول صاحبه، ومثل سورة "النحل" و"النمل" و"العنكبوت" وشبهه. إلا أن عليًا حين يئس من الأمر أن يصير إليه، صار إلى أبي بكر بعد أربعين يومًا (وقال قومٌ: بعد ستة أشهر) فبايعه ووضع يده في يده. وسأله أبو بكر: ما حبسك عنا وعن متابعتنا يا أبا الحسن؟ فقال: كنت مشغولاً بجمع كتاب الله، لأن النبي كان أوصاني بذلك. فما معنى شغله بجمع كتاب الله، وأنت تعلم أن الحجاج بن يوسف أيضًا جمع المصاحف وأسقط منها أشياء كثيرة؟ وأنت تعلم أيضًا أنهم رَوَوْا أن النسخة الأولى هي التي كانت بين القرشيين، فأمر علي بن أبي طالب بأخذها لما اشتد عليه الأمر لئلا يقع فيها الزيادة والنقصان، وهي النسخة التي كانت متفقة مع الإنجيل الذي دفعه إلى نسطوريوس، وكان يسميه عند أصحابه: "جبريل" مرة، و"الروح الأمين" مرة".
لاحظ، أيها القارئ، كيف أن ما ذكرته بعض كتب السيرة من القصة التى تقول إن النبى، فى سفره إلى الشام رفقة عمه أبى طالب، قد قابل راهبا اسمه بحيرا حذَّر العم من كيد يهود إذا رَأَوُا الصبى الذى سيكون نبيا فى مُقْبِل أيامه، قد تحولت إلى هذا الفلم السينمائى العجيب، إذ نرى بحيرا قد أصبح نسطورس، وبدلا من أن يلقاه محمد الصغير فى مشارف الشام إذ بنسطورس هذا يأتى إلى مكة. فى أية مهمة؟ فى مهمة مضحكة، إذ أراد أن يثبت لأصحابه الذين انقضوا عليه لآرائه المنحرفة عما يقولون به أنه قادر على... على ماذا؟ على أن يحول محمدا عن دين آبائه إلى مذهب نسطورس! ولماذا محمد دون سائر عباد الله فى الشرق والغرب، وبخاصةٍ النصارى الذين يرى هذا الراهب أنهم على ضلال ووقف منه رهبانهم وقسيسوهم موقف التخطئة والتشنيع؟ ولماذا مكة دون سائر المدن والقرى فى العالم؟ واضح أن الرجل فى أعماقه يعرف أن الكتاب المقدس قد تنبأ بأن هناك نبيا سوف يظهر من بلاد العرب اسمه محمد، فهو يجرى على هَدْىٍ من هذه الفكرة التى يحاول بكل جهده أن يخنقها فى ضميره، لكنها تأبى إلا أن تشق طريقها إلى السطح، وإلا فلماذا محمد من دون العباد، ومكة من دون البلاد؟ لقد كان يستطيع أن يستمر فى طريقه إلى أن يصل إلى اليمن حيث أكبر كنيسة فى بلاد العرب، تلك الكنيسة التى بناها أبرهة وقضى أحد الأعراب فيها حاجته فكانت حرب الفيل التى ارتد فيها القائد الحبشى عن بيت الله ممزَّق الجيش والجسد جميعا، لكن خيال السينارست السقيم أبى إلا أن يأخذه إلى مكة، مكة محضن الوثنية حيث كان يقوم فى كعبتها مئات الأوثان قبل أن يحطمها الرسول الكريم إلى الأبد. ليس هذا فحسب، بل إنه بدلا من توجيه همته إلى هداية الوثنيين المكيين يركز على محمد، ومحمد وحده. لكن أين كان نسطورس يجتمع بمحمد؟ وكيف لم يلتفت إليه أهل مكة ويهتموا بهذا الراهب الغريب الذى لا يتكلم لغتهم ولا يلبس ملابسهم ويلازم محمدا لزوم الظل ولا يكف عن مناقشته؟ ثم بأية لغة يا ترى كانا يتفاهمان أثناء تلك المناقشات العميقة؟ للأسف لم تكن لغة الإسبرانتو قد اخْتُرِعَتْ بعد، وإلا قلت إنها هى. كما أن محمدا لم يكن قد درس فى معهد اللغات الشرقية، وإلا قلت إنه كان يعرف السريانية أو الآرامية أو ما شئت من لغة تحب أن ننسبها إلى نسطورسك هذا! كذلك فى أى بيت كان نسطورس ينزل فى مكة؟ لم تكن فى مكة فنادق أو لوكاندات، وإلا قلت إنه كان ينزل فى فندق الحرمين التابع للمطوِّف الفلانى أو العلانى. وهل كان هناك يهود فى مكة اشتبكوا مع محمد فى خصام ومجادلات كما يقول البكاش التافه؟ إنما كان اليهود فى المدينة لا فى مكة. ولو كان الأمر كما يقول المدلس لما نجا محمد عليه السلام من ألسنة اليهود. ثم من الذى نقل له أخبار كل تلك الوقائع؟ أتراها العصفورة؟ لكن هل تنقل العصافير أخبارا كهذه؟ فى حدود علمى وفهمى الذى على قَدّى: لا أظن! أما آيات سورة "المائدة" التى أشار إليها الكندى فهى، كما قلنا ونقول، ليست فى مدح أحد من النصارى، بل فى فريق أسلم منهم، أى ترك نصرانيته بجميع مذاهبها ودخل فى دين محمد، دين التوحيد. وهذا واضح من قوله تعالى عن أفراد هذا الفريق: "وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85)"، فضلا عن أسباب نزول هذه الآيات التى تقول إنهم وفد من النصارى فيهم القساوسة والرهبان أَتَوْا لمقابلة النبى محمد عليه السلام، فقرأ عليهم شيئا من آيات القرآن لمس أفئدتهم وحرك ضمائرهم فدمعت عيونهم وأعلنوا إيمانهم به. أهذا مفهوم أم على قلوبٍ أقفالها؟ شىء آخر: أن هذه الآيات، بل السورة كلها مدنية، وليست مكية كما يظن الكلب الكندى الحقود! ثم أين أخبار نسطورس يا ترى عند العرب أو عند النصارى على حد سواء؟ لا شىء من أخباره هنا أو هناك، اللهم إلا تلك الإشارة السريعة فى بعض كتب السيرة عن لقائه بالرسول وهو صبى صغير وتحذيره لعمه من المضىّ بابن أخيه أبعد من ذلك حتى لا تؤذيه يهود. ولماذا لم يظهر نسطورس ويتحدَّ محمدا عند ادعائه النبوة ويقل له: يا رجل، لقد دفنّاه معا، فعلى مَنْ هذا الكلام الغريب الذى تزعمه؟ عَلَى بابا؟ وإذا كانت هذه قد عَدَّت على نسطورس وقتها ولم يتنبه لها، فلماذا لم ينطّ له كعفريت العلبة عند اجترائه على هرقل وإرساله خطابا له يدعوه إلى الإسلام، ويقول له: كيف تصل الأمور إلى هذا الحد يا تلميذى العزيز فتجرؤ على دعوة إمبراطورنا إلى الدين الذى أخذته عنى؟ لم يكن هذا عشمى فيك! يخونك العيش والملح والمناقشات الطويلة العريضة التى علّمْتُك فيها الآب والابن والروح القدس، فتأتى أنت وتكفّر من يقول بها، ثم لا تكتفى بهذا، بل تدعو أكبر أهل دينى إلى بدعتك! لا لا، أنا زعلان منك. ثم ينخرط فى نوبة من البكاء والشهيق والزفير والمخاط، لعل قلب محمد "يحنّ" ويتراجع عما ينتويه من أعمال متهورة، أو يطلب منهم فى برنامج "ما يطلبه المستمعون" أن يُهْدُوه أغنية موسيقار الأجيال: "حِنّ، حِنّ"، فلعلها تحنن قلبه! والمضحك أن يعزو المعتوه وجود آيات فى القرآن تهاجم اليهود والنصارى إلى عمل كعب الأحبار وعبد الله بن سلام اليهوديين! طيب فهمنا أن يكتب هذان اليهوديان السابقان ما يسىء إلى النصارى، ولكن كيف يمكن أن نصدق أنهما يضيفان إلى القرآن كلاما يحقر اليهود ويكفرهم ويجعل مثواهم جهنم، وبئس المصير؟