

-
وهنا كلمة لا بد من قولها، ألا وهى أنه لو كان محمد نبيا كذابا يخترع القرآن اختراعا ويزعم أنه يوحَى إليه من السماء وبرّأ عائشة كذبا كما يزعم الخنزير المستتر تحت اسم الكندى فلا بد أن يكون له من بين أتباعه من يعرفون حقيقته ويتفاهمون معه ويتعاونون على أساس من هذه المكاشفة، إذ لا يعقل أن يقوم وحده بهذه الكذبة الكبيرة دون أن يكون معه من يساعدونه أو دون أن يكتشف حقيقة أمره أحد من أولئك الأتباع الذين كانوا يُعَدّون فى آخر حياته بعشرات الألوف! ومن ثم لقد كان التصرف المنتظر من مثل هذا النبى الكذاب أن يكلف واحدا من هؤلاء أن يقتل ابن المعطل انتقاما مما لوث به شرفه. بيد أنه عليه السلام لم يفعل، فما معنى ذلك؟ كذلك لو كان ابن المعطل قد ارتكب ما اتهمه به المنافقون الأوساخ ثم برّأه القرآن، أفكان يظل على إسلامه وتصديقه بمحمد؟ أو كان يستمر بعد ذلك فى الغزو وتعريض نفسه للقتل فى سبيل ذلك الرجل الذى يعرف أنه كذاب، إذ برأه هو وعائشة مع أنهما قد ارتكبا الفاحشة التى برأهما منها؟ لكننا ننظر فنجد عجبا عجيبا، إذ قد ظل ابن المعطل يشترك فى الغزوات مجاهدا فى سبيل الله تصديقا بمحمد وحبا لدينه وتحمسا لنشره فى العالمين، وبقى كذلك حتى كتب الله له الشهادة فى فتح الجزيرة سنة سبع عشرة أو تسع عشرة كما جاء فى "تاريخ الرسل والملوك" للطبرى وفى "تاريخ الإسلام" للذهبى وغيرهما، أو إلى أن تُوُفِّىَ سنة ستين كما قرأت فى "كتاب معرفة الصحابة": "حدثنا أبو عبد الله الأصبهاني ثنا الحسن بن الجهم ثنا الحسين بن الفرج ثنا محمد بن عمر قال وكان صفوان بن المعطل يكنى أبا عمرو، وأسلم قبل غزوة المريسيع، وشهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها الخندق والمشاهد كلها، وكان مع كرز بن جابر الفهري في طلب العُرَنِيّين الذين أغاروا على لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الجدر. ومات صفوان بن المعطل بشمشاط سنة ستين". وفى "الاستيعاب فى معرفة الأصحاب" لابن عبد البر: "يقال: إنه أسلم قبل المريسيع وشهد المريسيع. قال الواقدي: شهد صفوان بن المعطل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق والمشاهد كلها بعدها، وكان مع كرز بن جابر الفهري في طلب العُرَنِيّين الذين أغاروا على لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو عمر: كان يكون على ساقة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتخلف بَعْدُ عن غزوةٍ غزاها. وقال سلمة عن ابن إسحاق: قُتِل صفوان بن المعطل في غزوة أرمينية شهيدًا، وأميرهم يومئذ عثمان بن أبي العاص سنة تسع عشرة في خلافة عمر. وقيل إنه مات بالجزيرة في ناحية شمشاط ودفن هناك، والله أعلم. ويقال إنه غزا الروم في خلافة معاويه فاندقت ساقه ولم يزل يطاعن حتى مات، وذلك سنة ثمان وخمسين، وهو ابن بضع وستين. وقيل: مات سنة تسع وخمسين في آخر خلافة معاوية". فماذا يقول الخنزير الكندى والذين يفرحون بالكتاب المنسوب له فى الهجوم على رسول الله وتكذيبه؟ لن يقولوا شيئا لأن أمثالهم من الخنازير الأدناس لا يبحثون عن الحق، بل كل همهم هو تلويث الشرفاء الذين يفضحون خرافاتهم وأساطيرهم ووثنياتهم! أما عائشة أفكانت تظل على تصديقها بزوجها، الذى انكشف أمره حين برّأها، وهى تعرف أنها ليست بالبريئة؟ أفكانت تسارع إلى الإعلان عن تمسكها به عندما خيّرها هى وبقية زوجاته بالبقاء فى عصمته على خشونة العيش أو تسريحهن سراحا جميلا ليتمتعن بالدنيا وزينتها بعيدا عنه؟ ألم تكن تلك فرصة العمر لتتخلص عائشة من رجلها البغيض الذى لا يملأ عينيها وتقترن بآخر يشبع عواطفها؟ افكانت تظل على وفائها له وتقبل أن تبقى طول عمرها الذى امتد لعشرات السنين دون زواج كما يأمرها القرآن الذى كانت تعرف أنه قرآن مزوَّر فلا تهرب وتلحق بالروم أو فارس مثلا وتمارس حياتها الطبيعية هناك كما فعل جبلة بن الأيهم حين لم تعجبه مبادئ الإسلام فى المساواة فلحق بالروم فى عهد الفاروق؟ رُدَّ أيها الخنزير! أما والله إنك لست برجل، لا أنت ولا من يبتهجون بولوغك فى أعراض النبلاء الكرام فى كتابك النجس مثلك! أستغفر الله أنْ نزلتُ إلى هذا الدرك الأسفل كى أناقش مثل هذا الحلوف ذى الخطم الوسخ الذى لا يعرف إلا تشمم أكوام القمامة! هذا، ولن أذكر أن صفوان بن المعطل كان رجلا حصورا كيحيى بن زكريا عليه السلام، أى ليس له أرب فى النساء! ثم أكان رسول الله يُبْقِى لحظة على رأس الضلال والنفاق ابن سلول، الذى تولى كِبْر الإفك عليه لعنات الله، ولا ينتهز فرصة عَرْض ابنه المسلم المخلص عليه أن يقتل أباه ويخلّص المسلمين من شره؟ لكننا ننظر فنجده عليه السلام يرد هذا الاقتراح ويخبر الابن الكريم أنه سيحسن صحبة أبيه. ومرة أخرى لا يقف نبل رسول الله عند هذا الحد، إذ نعرف أنه عندما مات ذلك الوغد تقدم رسول الله ليصلى عليه (بعد أن أرسل له عباءته ليكفَّن فيها بناء على طلبه وهو يُحْتَضَر) لولا أن القرآن نزل حاسما ينهاه عليه الصلاة والسلام أن يصلى على مثل ذلك المجرم. أفلو كان الرسول نبيا كذابا وزوجا مغموزا فى عِرْضه، أكان يتصرف هذا التصرف العجيب فى نبله وتسامحه وشموخه تجاه من فضحه بين الناس وسبب له القلق الفظيع لمدة شهر حتى نزلت آيات سورة "النور" التى تبرئ عائشة، أو فلنقل: حتى فكر فى أن يذيع بين الناس الآيات التى زوّرها فى تبرئة عائشة؟ وأخيرا فإنه ما من أحد ممن سئلوا فى هذه الفتنة قال فى حق الصديقة بنت الصديق شيئا ينال منها، بل كلهم شهدوا لها بالخير والنقاء كما رأينا، وأقصى ما قاله على بن أبى طالب، كى يريح النبى من قلقه، أن النساء كثيرات، وأن من الممكن سؤال الجارية التى كانت تخدم عائشة، وهذا كل ما هنالك. ثم هل رأى أحد من الذين أثاروا الفتنة وطيروا الشائعات شيئا مما أفاضوا فيه؟ أهكذا تهون أعراض الناس، فضلا عن أن تكون الأعراض المنتهكة هى أعراض صفوة الكرام الطيبين؟ خِزْى الله عليكم أيها الكلاب!
12- وهنا يتكلم الكذاب المدلِّس عن تعدد زوجات النبى، وسوف نتريث من هذا الموضوع أمام نقطتين: الأولى زعمه أشياء يظن أنها تسىء إلى النبى عليه السلام لم تحدث أصلا، والثانية قوله إنه ما من نبى قبل محمد قد عدد زوجاته. فأما الأولى فمنها قوله إن أم سلمة، عندما عرض عليها الرسول الزواج، قد تحججت بأن أهلها لن يَرْضَوْا به زوجا. وهو افتراء رخيص يؤكد مع غيره من الافتراءات التى لا تنتهى من جانبهم عليه صلى الله عله وسلم أن القوم كَذَبَةٌ جامدو الوجه غليظو الجلد لا يستحون ولا يحسّون على دمهم. ذلك أن شيئا من هذا لم يحدث على الإطلاق. ثم مَنْ مِنَ المسلمين فى ذلك الوقت لم يكن يشعر بأن إصهاره إلى النبى عيه السلام هو الشرف كل الشرف؟ أويظن عاقل أنه كان هناك مسلم وقتذاك يمكن أن يرى نفسه أفضل من رسول الله؟ لقد أتى أبو سفيان ابنته أم حبيبة أم المؤمنين فى بيتها بالمدينة يحاول أن يخرج من المأزق الذى وجد نفسه فيه بعد كسر قريش لعهد الحديبية، فما كان منها إلا أن طوت عنه فراش رسول الله، ثم جبهته بالسبب الذى حداها أن تصنع هذا، إذ تظاهر بأنها قد تكون فعلت ذلك لأنها تَرْبَأ به أن يمسّه فراش الرسول، بيد أنها صكته فى وجهه قائلة إنها بالعكس تربأ بفراش رسول الله أن يمسه هو. وهذا مجرد مثال. وقد رأينا كيف أن أمهات المؤمين، حين عرض عليهن رسول الله أن يخترن الله ورسوله والدار الآخرة أو يخترن الدنيا والتوسعة فى النفقة ويسرّحهن سراحا جميلا، كان اختيارهن جميعا دون تلجلج أو إبطاء هو الله وسوله والدار الآخرة. الوحيدة التى أساءت فى ردها على رسول الله حين عرض عليها الزواج طبقا لإحدى الروايات هى أسماء بنت النعمان الجونية، التى ندمت وبقيت طول عمرها نادمة على هذا الموقف الأحمق الذى اتخذته، وكانت شؤما على قومها الذين آسفهم ذلك التصرف منها. ومع هذا فإن رسول الله لم يمسها بأى سوء ولا حقن فى قلبها بسبب ذلك الموقف منها شيئا، بل متّعها وسرّحها بإحسان وردّها إلى أهلها معززة مكرمة. ولو كان طالب دنيا أو قليل الشخصية لنكّل بها وبقومها وأنزل بهم من التعذيب ما يجعل منهم عبرة للناس جميعا. وهذه إحدى روايتى الحديث الخاص بزواجه بها، وهى عن أبى أُسَيْد، وتجرى هكذا: "تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أسماء بنت النعمان الجونية فأرسلني فجئت بها، فقالت حفصة لعائشة: اخضبيها أنت، وأنا أمشطها، ففعلتا. ثم قالت لها إحداهما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه من المرأة إذا دخلت عليه أن تقول: أعوذ بالله منك. فقال بكمّه على وجهه فاستتر به، وقال: عُذْتِ بمعاذ، ثم خرج عليَّ فقال: يا أبا أسيد، ألحقها بأهلها ومتِّعْها برازقيين. فكانت تقول: ادعوني الشقية". أما الرواية التى قالت له فيها: "وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟" والتى لم يورد الكندى سواها فيُفْهَم منها بكل وضوح أنه عليه السلام كان قد تزوجها، فكيف يقول لها رغم ذلك كما جاء فى تلك الرواية: هبينى نفسك؟ أيطلب منها أن تهبه نفسها، وقد كانت زوجته فعلا؟ وكيف يقول لها: هبينى نفسك، وقد كان بمستطاعه تدبير مهر لها، إذ كانت المهور آنذاك، وبخاصة مهور النبى، قليلة لا تكلف صاحبها عنتا؟ ثم هل كان الرسول عليه السلام من السُّوقة؟ وهل كانت الجونية ملكة؟ فملكةً على من؟ الحق أنه لم يكن هناك ملكات عربيات آنذاك أصلا، فكيف تكون هى ملكة؟ بل هل كان أبوها ملكا؟ كلا، إذن فكيف تقول له إنها ملكة، ثم لا تقف عند هذه الدعوى، بل تضيف إليها أنه سوقة؟ بل كيف يمكن أن تخطئ فى حقه عليه السلام، وقد كان العرب، أو جزء كبير منهم، يطيعونه حاكما عليهم؟ وهل بلغ بها الجهل أو الحماقة أن تغفل عن هذا كله وتقول إنه سُوقَة، اللهم إلا إذا كانت جلافة البداوة قد استولت عليها استيلاء؟ لكن هل هذا ممكن، وبخاصة أن أحدا من العرب، رجلا كان أو امرأة، لم يقل فى حقه عليه السلام شيئا من ذلك؟ ولكن من هى فى نهاية المطاف حتى تشعر تجاه رسول الله بما لم يشعر به أبو بكر ولا أبو سفيان ولا عمر أو بناتهن؟ خلاصة الكلام أن فى النفس من هذه الرواية أشياء لا يسهل الرد عليها بحال، وبخاصة أنها تناقض الأولى التى تقول إن بعض أمهات المؤمنين قمن على تهيئتها للرسول، أما هنا فإنه عليه السلام يراها فى أحد البساتين بعيدا عن نسائه. أى أن الأمر لم يكن قد وصل إلى درجة تهيئتها له صلى الله عليه وسلم. كما أن صاحب "فتح البارى" يورد رواية لابن سعد بأنه عليه السلام "اتفق مع أبيها على مقدار صداقها وأن أباها قال له: إنها رَغِبَتْ فيك وخُطِبَتْ إليك". وقد وجدتُ فى "البداية والنهاية" لابن كثير أنه عليه الصلاة والسلام "فارق أخت بني الجون الكندية من أجل بياض (أى بهاق) كان بها". وبالمناسبة فهناك اختلافات حول اسمها، وحول بعض التفاصيل الخاصة بقصتها، وقال ابن الأثير فى حوادث السنة الستين للهجرة فى كتابه: "الكامل": "وفيها توفيت الكلابية التي استعاذت من النبي صلى الله عليه وسلم، حين تزوجها ففارقها، وكانت قد أصابها جنون". وهذا كله لا يساعد على الاطمئنان إلى ما تشبث به الكندى الكلب فى شأنها من رواية هى مجرد رواية واحدة بين رواياتٍ أُخَر كما نرى.
أما الظروف التى أحاطت بزواجه من أم سَلَمة فإليكها أيها القارئ، ومنها يتبين أن الكندى كذابٌ أَشِرٌ. يقول ابن الجوزى فى "زاد الميعاد": "ثم تزوج أمَّ سلمة هند بنت أبي أمية القرشية المخزومية، واسم أبي أمية حذيفة بن المغيرة، وهي آخر نسائه موتا. وقيل: آخرهن موتا صفية. واختُلِف فيمن وَلِيَ تزويجها منه: فقال ابن سعد في "الطبقات": وَلِيَ تزويجَها منه سلمةُ بن أبي سلمة دون غيره من أهل بيتها. ولما زوج النبيُّ صلى الله عليه وسلم سلمةَ بن أبي سلمة أمامةَ بنت حمزة، التي اختصم فيها علي وجعفر وزيد، قال: هل جزيتُ سلمة؟ يقول ذلك لأن سلمة هو الذي تولى تزويجه دون غيره من أهلها. ذكر هذا في ترجمة سلمة، ثم ذكر في ترجمة أم سلمة عن الواقدي: حدثني مجمع بن يعقوب عن أبي بكر بن محمد بن عمر بن أبي سلمة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب أم سلمة إلى ابنها عمر بن أبي سلمة فزوّجها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وهو يومئذ غلام صغير. وقال الإمام أحمد في "المسند": حدثنا عفان حدثنا حماد بن أبي سلمة حدثنا ثابت قال: حدثني ابن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أم سلمة أنها لما انقضت عِدّتها من أبي سلمة بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: مرحبا برسول الله صلى الله عليه وسلم. إني امرأةٌ غَيْرَى، وإني مُصْبِيَة، وليس أحد من أوليائي حاضرا... الحديث. وفيه: فقالت لابنها عمر: قم فزوِّجْ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فزوَّجه. وفي هذا نظر، فإن عمر هذا كان سنّه لما تُوُفِّيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين. ذكره ابن سعد، وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال سنة أربع، فيكون له من العمر حينئذ ثلاث سنين، ومثل هذا لا يزوِّج. قال ذلك ابن سعد وغيره. ولما قيل ذلك للإمام أحمد: قال من يقول إن عمر كان صغيرا؟ قال أبو الفرج بن الجوزي: ولعل أحمد قال هذا قبل أن يقف على مقدار سنه. وقد ذكر مقدارَ سنّه جماعةٌ من المؤرخين: ابن سعد وغيره. وقد قيل: إن الذي زوجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنُ عمها عمر بن الخطاب. والحديث: قم يا عمر فزوِّجْ رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونَسَبُ عمر ونَسَبُ أم سلمة يلتقيان في كعب، فإنه عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب وأم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب، فوافق اسمُ ابنِها عمر اسْمَه، فقالت: قم يا عمر فزوِّج رسول الله صلى الله عليه وسلم. فظن بعض الرواة أنه ابنها فرواه بالمعنى وقال: "فقالت لابنها"، وذهل عن تعذر ذلك عليه لصغر سنه. ونظيرُ هذا وَهْمُ بعض الفقهاء في هذا الحديث وروايتهم له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا غلام فزوج أمك. قال أبو الفرج ابن الجوزي: وما عرفنا هذا في هذا الحديث. قال: وإن ثبت فيحتمل أن يكون قاله على وجه المداعبة للصغير، إذ كان له من العمر يومئذ ثلاث سنين، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها في سنة أربع، ومات ولعمر تسع سنين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفتقر نكاحه إلى وَلِيّ". وفى "الإصابة" لابن حجر: "عن أم سلمة قالت: لما انقضت عِدّة أم سلمة خطبها أبو بكر فلم تتزوجه فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطبها عليه، فقالت: أَخْبِرْ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم أني امرأة غَيْرَى وأني امرأة مُصْبِية، وليس أحد من أوليائي شاهد. فقال: قل لها: أما قولك: "غَيْرَى" فسأدعو الله فتذهب غيرتك، وأما قولك: "إني امرأة مُصْبِيَة" فستُكْفَيْنَ صبيانك، وأما قولك: "ليس أحد من أوليائي شاهد" فليس أحد من أوليائك، شاهد أو غائب، يكره ذلك. فقالت لابنها عمر: قم فزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فزوَّجَه". وفى "نصب الراية" للزيلعى: "قالت أم سلمة: لما انقضت عِدّتي من أبي سلمة أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمني بينه وبيني حجاب فخطب إليّ نفسي، فقلت: يا رسول الله، إني امرأة أدبر مني سني، وإني أم أيتام، وإني امرأة شديدة الغيرة. فقال عليه السلام: أمّا ما ذَكَرْتِ من غيرتك فسيدفعها الله، وأما ما ذكرت من أيتامك فعلى الله وعلى رسوله. قالت: فأذنتُ له في نفسي فتزوجني". هذا ما جاء فى زواجه صلى الله عليه وسلم بأم سلمة، فأين تعللها بأن أهلها لا يوافقون على أن يكون عليه السلام لها زوجا؟ وكيف تقول له صلى الله عليه وسلم ذلك، وهى التى كانت تتوق أن تكون من أهل البيت كما روت بنفسها؟ ففى "شرح السنة" للبغوى مثلا: "عن أم سلمة قالت: في بيتي أُنْزِلَتْ "إنما يريد الله ليُذْهِب عنكم الرِّجْسَ أَهْلَ البيت". قالت: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فاطمة وعليّ والحسن والحسين، فقال: هؤلاء أهل بيتي. قالت: فقلت: يا رسول الله، أمَا أنا من أهل البيت؟ قال: بلى إن شاء الله". وفى "صحيح الترمذى" عن عمر بن أبي سلمة: "لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما يريد الله ليُذْهِب عنكم الرِّجْسَ أهلَ البيت ويطهِّركم تطهيرا" في بيت أم سلمة فدعا فاطمة وحسنا وحسينا فجلّلهم بكساء، وعليٌّ خلف ظهره فجلله بكساء، ثم قال: اللهم، هؤلاء أهل بيتي، فأَذْهِبْ عنهم الرجس وطهِّرْهم تطهيرا. قالت أم سلمة :وأنا معهم يا نبي الله؟ قال: أنتِ على مكانك، وأنتِ على خير".
وبالنسبة لزينب بنت جحش فقد زعم الكندى الكلب أن رسول الله "بعث إليها نصيبها من اللحم ثلاث مرات، فردَّته في وجهه فهجرها وهجر نساءه بسببها". ولا ندرى من أين له بهذا الكلام، فإنه لم يحدث بتاتًا، والملعون إنما يجرى على سنة قومه فى التزوير والتزييف. كما ذكر أن هذه الحادثة كانت سببا فى أن رسول الله قد حلف ألا يدخل على زوجاته شهرًا، "فلم يصبر فدخل لتسعة وعشرين يومًا"، متعمدا هذا الكلب تجاهل أن الشهر كان فعلا تسعة وعشرين يوما، فالشهور القمرية تتراوح بين تسعة وعشرين وثلاثين يوما كما هو معروف، لكن الكلب الكذاب يتجاهل ذلك لغرض فى نفسه خبيث. وعلى أية حال فلا داعى أيها الكذاب أن تكون حنبليا إلى هذا الحد، فذمتك تبلع الجمل، فلماذا تتظاهر كذبا بالغيرة على اسم الله وتتهم رسول الله بالحنث فى قسمه؟ وهَبْه حنث فى قسمه، إن له فى الكفّارة لمخرجا. وها هى ذى بعض الأحاديث التى تلقى الضوء على زينب رضى الله عنها ومدى تعلقها برسول الله واستمساكها بالدين الذى جاء به والقِيَم التى دعا إليها، أما ما يتقايؤه هذا الخنزير فمكانه مواسير المجارى. جاء فى "تخريج الكشاف" للزيلعى "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب زينب بنت جحش بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله فنزلت "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخِيَرة..."، فقالا: رضينا برسول الله. فأنكحها إياه وساق إليها مهرها ستين درهما وحمارا وملحفة ودرعا وإزارا وخمسين مُدًّا من طعام وثلاثين صاعا من تمر". وفى "صحيح البخارى" عن أنس رضى الله عنه: "نزلت آية الحجاب في زينب بنت جحش، وأطعم عليها يومئذ خبزا ولحما، وكانت تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت تقول: إن الله أنكحني في السماء". وفى "صحيح الترمذى": "نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش: "فلما قضى زيد منها وطَرًا زوَّجناكها". قال: فكانت تفتخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم تقول: زوّجكن أهلوكن، وزوّجني الله من فوق سبع سماوات". وفى"البحر الزَّخّار" للبزار "أن عُمَر كبَّر على زينب بنت جحش أربعًا، ثم أرسل إلى أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يُدْخِل هذه قبرها؟ فقلن: من كان يدخل عليها في حياتها. ثم قال عمر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أسرعكن بي لحوقا أطولكن يدا. فكن يتطاولن بأيديهن، وإنما كان ذلك لأنها كانت صَنَاعًا تعين بما تصنع في سبيل الله". وفى "فتح البارى": "عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأزواجه: أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا. قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم نمد أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى تُوُفِّيَتْ زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بطول اليد الصدقة. وكانت زينب امرأة صناعة باليد، وكانت تدبغ وتخرز وتتصدق في سبيل الله". وفى "الترغيب والترهيب" للمنذرى عن أبى هريرة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنسائه عام حِجّة الوداع: هذه (أى هذه الحِجّة) ثم ظهور الحُصُر. قال: وكن كلهن يحججن إلا زينب بنت جحش وسودة بنت زمعة رضي الله عنهن، وكانتا تقولان: والله لا تحركنا دابة بعد إذ سمعنا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم". وفى "صحيح الترمذى": "وكانت عائشة تقول: أما زينب بنت جحش فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرا (تقصد أنها لم تقل أثناء فتنة الإفك إلا خيرا، ولم تسمح لمنافسة الضرائر أن تتغلب على دينها وصدقها)".
ولكى يعرف القراء مدى عراقة الكندى الخنزير فى الكذب والبهتان وأنه لم يكن هناك لحم ولا دجاج فى هجر الرسول لأمهات المؤمنين، ولا خصوصية لزينب فى الأمر كما زعم الأفّاك الأفّاق، أسوق لهم ما رواه البخارى فى تلك الواقعة، فعن ابن عباس قال: "لم أزل حريصا على أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، اللتين قال الله تعالى : "إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما" حتى حجَّ وحججتُ معه، وعدل وعدلت معه بإداوة فتبرز ثم جاء فسكبت على يديه منها فتوضأ، فقلت له: يا أمير المؤمنين، من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله تعالى: "إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما؟ قال: واعجبا لك يا ابن عباس! هما عائشة وحفصة. ثم استقبل عمر الحديث يسوقه قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهم من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي صلى الله عليه وسلم فينزل يوما وأنزل أنا، فإذا نزلتُ جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم من وحيٍ أو غيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك. وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فصخِبْتُ على امرأتي فراجعتني، فأنكرتُ أن تراجعني. قالت: ولـِمَ تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل. فأفزعني ذلك وقلت لها: قد خاب من فعل ذلك منهن. ثم جمعتُ عليَّ ثيابي، فنزلت فدخلت على حفصة فقلت لها: أيْ حفصة، أتغاضب إحداكن النبي صلى الله عليه وسلم اليوم حتى الليل؟ قالت: نعم. فقلت: قد خِبْتِ وخَسِرْتِ! أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم فتهلكي؟ لا تستكثري النبي صلى الله عليه وسلم ولا تراجعيه في شيء ولا تهجريه، وسليني ما بدا لك، ولا يَغُرّنّكِ أنْ كانت جارتك أوضأ منك وأَحَبَّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم. يريد عائشة. قال عمر: كنا قد تحدثنا أن غَسّان تنعل الخيل لغزونا، فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته، فرجع إلينا عِشَاءً فضرب بابي ضربا شديدا، وقال :أثَمَّ هو؟ ففزعتُ فخرجتُ إليه، فقال: قد حدث اليوم أمر عظيم. قلت: ما هو؟ أجاء غَسّان؟ قال: لا، بل أعظم من ذلك وأَهْوَل. طلّق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه. فقلت: خابت حفصة وخسرت. قد كنت أظن هذا يوشك أن يكون. فجمعتُ عليَّ ثيابي، فصليت صلاة الفجر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم مشربة له واعتزل فيها، ودخلتُ على حفصة فإذا هي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟ ألم أكن حذرتك هذا؟ أطلَّقكن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت: لا أدري. هاهو ذا معتزل في المشربة. فخرجت فجئت إلى المنبر، فإذا حوله رهط بيكي بعضهم، فجلست معهم قليلا، ثم غلبني ما أجد فجئت المشربة التي فيها النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت لغلام له أسود: استأذن لعمر. فدخل الغلام فكلم النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع فقال: كلمت النبي صلى الله عليه وسلم وذكرتُك له فصَمَتَ. فانصرفتُ حتى جلستُ مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد فجئت فقلت للغلام: استأذن لعمر. فدخل ثم رجع فقال: قد ذكرتك له فصَمَتَ. فرجعتُ فجلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد، فجئت الغلام فقلت: استأذن لعمر. فدخل ثم رجع إليّ فقال: قد ذكرتك له فصمت. فلما ولّيْتُ منصرفا إذا الغلام يدعوني، فقال: قد أذن لك النبي صلى الله عليه وسلم. فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو مضطجع على رمال حصير، ليس بينه وبينه فراش، قد أثّر الرمال بجنبه، متكئا على وسادة من أدمٍ حَشْوها ليف. فسلمتُ عليه ثم قلت وأنا قائم: يا رسول الله، أطَلّقْتَ نساءك؟ فرفع إليّ بصره فقال: لا. فقلت: الله أكبر! ثم قلت وأنا قائم أستأنس: يا رسول الله، لو رأيتَني وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة إذا قوم تغلبهم نساؤهم. فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قلت : يا رسول الله، لو رأيتَني ودخلتُ على حفصة فقلتُ لها: ولا يَغُرَّنّكِ أنْ كانت جارتك أوضأ منك وأَحَبّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم. يريد عائشة. فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم تبسُّمةً أخرى، فجلست حين رأيتة تبسَّم، فرفعت بصري في بيته، فوالله ما رأيت في بيته شيئا يردّ البصر غير أُهُبٍ ثلاثة، فقلت: يا رسول الله، ادع الله فلْيوسِّع على أمتك، فإن فارس والروم قد وُسِّع عليهم وأُعْطُوا الدنيا، وهم لا يعبدون الله. فجلس النبي صلى الله عليه وسلم، وكان متكئا فقال: أو في هذا أنت يا ابن الخطاب؟ إن أولئك قوم عجّلوا طيباتهم في الحياة الدنيا. فقلت: يا رسول الله، استغفر لي. فاعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة تسعا وعشرين ليلة، وكان قال: ما أنا بداخلٍ عليهن شهرا، من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله. فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل على عائشة فبدأ بها، فقالت له عائشة: يا رسول الله، إنك قد أقسمت ألا تدخل علينا شهرا، وإنما أصبحت من تسع وعشرين ليلة أَعُدّها عَدًّا. فقال: الشهر تسع وعشرون. فكان ذلك الشهر تسعا وعشرين ليلة. قالت عائشة: ثم أنزل الله تعالى آية التخيير، فبدأ بي أول امرأة من نسائه فاخترتُه، ثم خير نساءه كلهن فقلن مثل ما قالت عائشة".
ومما يتعلق بتعدد زوجات النبى صلى الله عليه وسلم قول الخنزير يتساءل على سبيل الإنكار والاستنكار: "إذا كان صعبًا على الرجل أن يخدم امرأة واحدة ويرضيها ولا يُسخِط خالقه، فكيف يكون حال من يريد أن يصرف عنايته إلى رضى خمس عشرة امرأة وأَمَتين، مع ما أنت عارف من شغله من تدبير الحروب وتوجيه الطلائع لشنّ الغارات؟ فمتى يتفرغ للصوم والصلاة والعبادة وجمع الفكر وصرفه إلى أمور الآخرة، وما شاكل ذلك من أعمال الأنبياء؟". ثم يضيف قائلا: "ولست أشك في أنه لا نبي قبله ابتدع مثل هذا!". وهذا وذاك كذب مفضوح وسخف ورقاعة، لماذا؟ أولا لأن تساؤله لا معنى له إلا أن النبى لم يكن عنده وقت للصلاة والصيام والجهاد وما إلى ذلك، مع أن حياته كلها ذكر لربه وصلاة ومناجاة وصيام وجهاد واشتغال بأمور المسلمين. وله فى هذا الباب عجائب مدهشة، إلا أن الرقيع الكندى يريد أن يتجاهل حقائق التاريخ التى لا تقبل المماراة. ثم من قال إن المرأة عدوة بطبيعتها لله وللدين بحيث إنه لا يمكن المتزوج أن يرضى ربه؟ ومن قال إن الرجال لا يستطيعون إلا أن يخضعوا لنسائهم ولا يمكنهم أن يستقلوا بشخصياتهم؟ أهذه نظرة رجل طبيعى للمرأة؟ إن المرأة لكالرجل فى أنها يمكن أن تكون مؤمنة متدينة أو لا. كذلك فمن الممكن أن تكون مطيعة لزوجها بارة به أو عاصية له ناشزة عليه. أما فى النقطة الثانية فليس له عندنا إلا أن نقول: يا كذاب يا قرارى، لقد كان لكل من إبراهيم ويعقوب وداود مثلا أكثر من زوجة، وسليمان كانت له عشرات النساء. وأنت بكل تأكيد تعلم ذلك كما تعرف نفسَك الخبيثة النجسة، فكيف تزعم أنك لا تظن أن ثمة نبيا قبله كان يصنع هذا؟ ألا إنك لكذابٌ وقح! ثم لقد كان محمد، كما قلنا، صوّاما قوّاما رحيما كريما وصّالا للرحم لا ينسى أبدا من كانت له به علاقة ذات يوم، مثل مرضعته ثويبة وابنها ومرضعته حليمة السعدية وابنتها وصواحب خديجة، كما كان دائم الجهاد والنَّصَب فى سبيل الله. وفوق ذلك كان يقوم بواجباتٍ ألزم بها نفسه لا تُصَدَّق لنبلها السامق الشاهق. ومن هذه الواجبات أنه، وهو الحاكم الأعلى والرسول الأعظم، كان ينزل القبر ليدفن بيده الكريمة الفقراء من موتى المسلمين. لقد كان صلى الله عليه وسلم المثال الأعلى لأصحابه والمسلمين من بعدهم فى ميدان الخُلُق والسلوك والتقوى والمشاعر الكريمة المرهفة. وهنا يتحجج الخنزير الكندى بالرهبانية الكاذبة التى كان من أثرها أن انتشر الزنا والفجور بين الرهبان والراهبات، وكذلك لواط القساوسة بالغلمان فى الأديرة والكنائس حسبما نسمع ونقرأ عن تلك الفضائح التى انفجرت فى السنين الأخيرة فى أوربا وغير أوربا. ثم متى كان الزواج مذمة إلا إذا كان الشخص شاذا؟ وإلا فلم خلق الله النساء؟ ألكى نضعهن فى أصص الورد ونشمهن؟ فالزواج هو هذا الشم لهن والاستمتاع بهن. فدعك من رهبانيتك الكاذبة الخاطئة التى دفعت بابوات روما إلى الخنا حتى بأخواتهن، لعنة الله على كل عُتُلٍّ زنيم!
13- ويعود خنزيرنا مرة أخرى لإثارة موضوع العلامات التى على أساسها تتميز النبوة الصادقة من النبوة الزائفة، حاصرًا تلك المهمة العظيمة فى الإنباء بالغيب، وبذلك يقلب المائدة على سطحها ويرفع أرجلها إلى الأعلى متصورا بحماقته وجهله وحقده وضيق عطنه أنه يعدل المائل. ولقد سبق أن بينا أن النبى، أىَّ نبى، ليس ضارب ودع أو قارئ فنجان، بل هو مُرَبٍّ ومصلحٌ وقائدٌ وهادٍ، وهذا ما نفهمه من سيرة نبينا والتاريخ الجليل الخطير الذى تركه خلفه، أما إذا كان هناك نبوة من نوع آخر، نوع لا فرق بينه ولا بين الكهانة والعرافة وفتح المندل و"نبيّن زين" فهذا أمر لا صلة له بما نحن فيه، وليبحث ذلك الخنزير عن ناس آخرين يحدثهم بحديثه ذاك المتخلف مثله! ومع هذا فإن نبينا الكريم، وإنْ تكرر فى القرآن تأكيده بأنه لا يعلم الغيب، قد أخبر أصحابه وأمته فى القرآن والحديث كليهما بكثير من الغيوب التى وقعت كما قال، لكنها غيوب تاريخية ذات شأن خطير فى مسيرة الأمم والحضارات، وليست مسائل تافهة كضياع حمار أو سرقة بقرة. ألم يقل إن الروم سوف ينتصرون على الفرس فى بضع سنين؟ ألم يقل إن المسلمين سيفتحون القسطنطينية؟ ألم يقل إن دينه سوف ينتصر على الأديان كلها وإنه سيُزْوَى له ما بين المشرق والمغرب وإن راعى الغنم فى بلاد العرب سوف يسير بها فى البادية لا يخشى عليها إلا الله والذئب، وإن المسلمين سوف يدخلون المسجد الحرام رغم كل ما كان بينهم وبين قريش حامية حمى الوثنية ومانعتهم من الحج والعمرة؟ ألم يقل حين رأى فى إحدى غزواته شبح إنسان من بعيد: كن أبا ذر...إلخ فكان ذلك الشخص هو أبا ذر فعلا؟ ألم يقل إنه سيأتى على أمته يوم يكونون فيه غُثَاءً كغثاء السيل وإن الأمم سوف تتداعى عليهم كأنهم قصعة طعام؟ ولقد قال ذلك، والإسلام فى عنفوان مده وقوته مما لم يكن يخطر معه على بال أحد أنه بعد أن يصبح أتباعه سادة أقوياء يسيطرون على العالم سوف يحورون ضعفاء يسربلهم الخزى والهوان كما هو حادث منذ بضعة قرون؟ ألم يذكر ما فى عسل النحل من شفاء وعلاج؟ ألم يتكلم عن تاريخ الكعبة والبيت الحرام بما لم يأت فى الكتب الأخرى كتابية أو غير كتابية؟ ألم يحك كيف أن إبراهيم وإسماعيل قد جددا الكعبة ورفعا قواعدها بما لم يأت فى العهد القديم؟ ألم يقل إنه ابن الذبيحين بما يدل على أن إسماعيل وليس إسحاق هو الذبيح، وهو ما يناقض كذب مؤلفى العهد القديم الذين لم يستطيعوا مع ذلك أن يصنفروا كذبهم فقالوا إن إسحاق هو ابنه وحيده، مع أن إسحاق لم يكن وحيد أبيه يوما بل إسماعيل؟ ومع ذلك لم تكن هذه هى المهمة التى اصطفى الله محمدا من بين البشر جميعا للنهوض بعبئها. نعم لقد فعل محمد هذا، لكنه زاد فنقّى ما فى الكتاب المقدس من خرافات وأساطير ووثنيات وتناقضات يعرفها كل من قارن بين القرآن وبين ذلك الكتاب. ثم زاد محمد مرة أخرى فأصبحت النبوة على يديه، بفضل الله، إصلاحا اجتماعيا وفكريا واقتصاديا وعسكريا وأخلاقيا وعقيديا. ثم زاد مرة ثالثة فطبق مبادئه ونجح فى هذا التطبيق وانتشر دينه فى الآفاق فى حياته ولم يتطرق الفساد إلى الكتاب الذى أتى به لدغدغة مشاعر الجمهور وتملق ميوله ونزواته كما حدث للكتب الأخرى. أولو كان محمد نبيا كاذبا، أكان دينه ينتشر هذا الانتشار الرهيب فى كل أرجاء العالم حتى ليدخل فيه الآن، وأتباعه فى عز ضعفهم وهوانهم، كل هذه الأعداد الرهيبة من مختلف المهن والميول والأمم، وبخاصة من بين رجال الدين الكتابيين وغير الكتابيين والعلماء والفنانين والسياسيين؟ وانظر إلى دين موسى كيف وقف نموه فلم يتزحزح إلا بطلوع الروح حتى إنه لا يزيد فى العالم كله عن بضعة عشر مليونا رغم مرور كل هاتيك القرون، أما دين عيسى فلم ينتشر إلا بعد أن حوره وشوهه بولس حتى يتلاءم مع رغبات الجمهور الوثنى الذى لا يريد الالتزام بالشريعة الموسوية، فأصبح دينا سائبا لا قوام له، مع بعض التشنجات التى لا تؤكّل عيشا ولا يلتزم بها أحد، اللهم إلا فى الثرثرة ليس إلا. وللحق ما كنا نريد أن نتطرق إلى هذا الكلام لولا أن صاحبنا الأحمق قد تعدى على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فلم يدع لنا فرصة للاختيار إلا أن نرد بما نؤمن به، ولم نكن نريد أن نتحدث فيه لمعرفتنا أن كل صاحب دين لا يحب أن يتناوله أحد بانتقاد.
14- والمضحك أن الخنزير الكندى يسوق البَلَه على الشيطنة فيقول إن المسيح أكبر من أن يكون نبيا، لأنه هو باعث الأنبياء. طبعا، والدليل على هذا التنطع هو أنه ما من نبى قبله إلا وصرح بأجلى بيان بأنه مرسل من لدن عيسى بن مريم، مما يعج به أسفار العهد القديم وكل كتب الأديان الأخرى. ولا أظن القارئ إلا متنبها إلى أننى إنما أسخر هنا من هذا العلج الأحمق الذى يحسب أن الناس جميعا قد سُلِبوا عقولهم وأَضْحَوْا يستعملون بدلا منها أقدامهم وأحذيتهم. ألم يقرأ ما قاله السيد المسيح عن الله إنه إلهه، وإنه لا يمكن أن يسجد إلا له؟ هل الله يسجد لنفسه؟ فلماذا لم يقل إنه لن يسجد لأحد غير ذاته بدلا من هذه اللخبطة التى لا يمكن أن يقدم عليها سوى شخص مخمور أو معتوه؟ حاشا لله، وأستغفر الله!
يتبـــــــــــــــع
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة عبد الله المصرى في المنتدى المنتدى الإسلامي
مشاركات: 5
آخر مشاركة: 26-10-2007, 07:55 PM
-
بواسطة الليزر في المنتدى حقائق حول التوحيد و التثليث
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 19-10-2006, 04:48 AM
-
بواسطة احمد العربى في المنتدى الرد على الأباطيل
مشاركات: 8
آخر مشاركة: 10-07-2006, 02:19 AM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات