

-
ثم يمضى هذا الكندى الموهوم مشيرا إلى ما جاء فى سِفْر "إِشَعْياء" من أن الله عز وجل تراءى له والملائكة حافّون به مقدِّسون له قائلين: "قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْجُنُودِ. مَجْدُهُ مِلْءُ كُلِّ الإرْضِ" (إشعياء 6:1-3)، لينتهى من ذلك إلى القول بأن تقديس الملائكة لله ثلاث مرات واقتصارهم على ذلك بلا زيادة ولا نقصان سرٌّ لتقديسهم الأقانيم الثلاثة إلهًا واحدًا وربًّا واحدًا، وهذا شأنهم منذ خُلقوا إلى أبد الآبدين. وهذا نص كلامه تقريبا. إلا أن الأبعد ينسى أن الله وصَف نفسه فى الإصحاح الثامن والعشرين من نفس ذلك السفر بأنه قدوس مرة واحدة لا ثلاثا: "17هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ فَادِيكَ قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ". وتكرر هذا فى الكتاب المقدس عشرات المرات، أما تثليث القُدُّوس فقد تكررت مرتين فقط: فى هذا النص، وكذلك فى النص التالى من "رؤيا يوحنا" (4/ 8): "والأربعة الحيوانات لكل واحد منها ستة أجنحة حولها ومن داخلٍ مملوءة عيونا، ولا تزال نهارا وليلا قائلة: قدوس قدوس قدوس الرب الاله القادر على كل شيء الذي كان والكائن والذي يأتي". ليس ذلك فقط بل وُصِف هارون أيضا بأنه "قدوس" فى المزمور 106: "16وَحَسَدُوا مُوسَى فِي الْمَحَلَّةِ، وَهارُونَ قُدُّوسَ الرَّبِّ"، وكذلك كل إسرائيلى يبقى فى أورشليم كما جاء فى إِشَعْيا/ 4:" 2فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ غُصْنُ الرَّبِّ بَهَاءً وَمَجْدًا، وَثَمَرُ الأَرْضِ فَخْرًا وَزِينَةً لِلنَّاجِينَ مِنْ إِسْرَائِيلَ. 3وَيَكُونُ أَنَّ الَّذِي يَبْقَى فِي صِهْيَوْنَ وَالَّذِي يُتْرَكُ فِي أُورُشَلِيمَ، يُسَمَّى قُدُّوسًا. كُلُّ مَنْ كُتِبَ لِلْحَيَاةِ فِي أُورُشَلِيمَ". وهناك أيضا "قدوسون" كثيرون لا قدوس واحد، كما فى دانيال/ 9: "21وَأَنَا مُتَكَلِّمٌ بَعْدُ بِالصَّلاَةِ، إِذَا بِالرَّجُلِ جِبْرَائِيلَ الَّذِي رَأَيْتُهُ فِي الرُّؤْيَا فِي الابْتِدَاءِ مُطَارًا وَاغِفًا لَمَسَنِي عِنْدَ وَقْتِ تَقْدِمَةِ الْمَسَاءِ. 22وَفَهَّمَنِي وَتَكَلَّمَ مَعِي وَقَالَ: «يَا دَانِيآلُ، إِنِّي خَرَجْتُ الآنَ لأُعَلِّمَكَ الْفَهْمَ. 23فِي ابْتِدَاءِ تَضَرُّعَاتِكَ خَرَجَ الأَمْرُ، وَأَنَا جِئْتُ لأُخْبِرَكَ لأَنَّكَ أَنْتَ مَحْبُوبٌ. فَتَأَمَّلِ الْكَلاَمَ وَافْهَمِ الرُّؤْيَا. 24سَبْعُونَ أُسْبُوعًا قُضِيَتْ عَلَى شَعْبِكَ وَعَلَى مَدِينَتِكَ الْمُقَدَّسَةِ لِتَكْمِيلِ الْمَعْصِيَةِ وَتَتْمِيمِ الْخَطَايَا، وَلِكَفَّارَةِ الإِثْمِ، وَلِيُؤْتَى بِالْبِرِّ الأَبَدِيِّ، وَلِخَتْمِ الرُّؤْيَا وَالنُّبُوَّةِ، وَلِمَسْحِ قُدُّوسِ الْقُدُّوسِينَ". وفى إنجيل لوقا نقرأ أنه "مَكْتُوبٌ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ: أَنَّ كُلَّ ذَكَرٍ فَاتِحَ رَحِمٍ يُدْعَى قُدُّوسًا لِلرَّبِّ". ثم لو كان تكرار "القدوس" ثلاث مرات دليلا على ما يقول، فلماذا لم يجر الكتاب المقدس على هذه الخطة باستمرار؟ وهل الله يلعب معنا لعبة الفوازير فى أمر خطير كالعقيدة؟ ترى لماذا لم يقل ذلك بوضوح فى كل مرة؟ ولماذا ترك سبحانه وتعالى الأنبياء كلهم على جهل بهذا؟ أو إذا كان قد نوّرهم، فلماذا لم ينوّرونا بدَرْوهم ويريحوا ويستريحوا بدلا من كل هذه المتاعب والألاعيب؟ ولماذا "قُدّوس" وحدها هى التى تكررت (وفى موضعين اثنين فقط) ثلاث مرات ولم يحدث هذا مع "رحيم" و"كريم" و"قوى" و"عزيز" وسائر الصفات الربانية؟ أم تراها على رأسها وحدها ريشة دون باقى الصفات الإلهية؟
وفى الكتاب المقدس عبارات معينة تتكرر كثيرا بعضها فى إثر بعض، ومنها عبارة "إلى الأبد رحمته"، التى تكررت ما لا أدرى كم من المرات فى عدد من الأسفار، والتى سوف أكتفى بما تكرر منها فى المزمور السادس والثلاثين وحده، وهذا هو: "1اِحْمَدُوا الرَّبَّ لأَنَّهُ صَالِحٌ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 2احْمَدُوا إِلهَ الآلِهَةِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمتَهُ. 3احْمَدُوا رَبَّ الأَرْبَابِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 4الصَّانِعَ الْعَجَائِبَ الْعِظَامَ وَحْدَهُ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 5الصَّانِعَ السَّمَاوَاتِ بِفَهْمٍ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 6الْبَاسِطَ الأَرْضَ عَلَى الْمِيَاهِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 7الصَّانِعَ أَنْوَارًا عَظِيمَةً، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 8الشَّمْسَ لِحُكْمِ النَّهَارِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 9الْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ لِحُكْمِ اللَّيْلِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 10الَّذِي ضَرَبَ مِصْرَ مَعَ أَبْكَارِهَا، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 11وَأَخْرَجَ إِسْرَائِيلَ مِنْ وَسَطِهِمْ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 12بِيَدٍ شَدِيدَةٍ وَذِرَاعٍ مَمْدُودَةٍ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 13الَّذِي شَقَّ بَحْرَ سُوفٍ إِلَى شُقَق، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 14وَعَبَّرَ إِسْرَائِيلَ فِي وَسَطِهِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 15وَدَفَعَ فِرْعَوْنَ وَقُوَّتَهُ فِي بَحْرِ سُوفٍ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 16الَّذِي سَارَ بِشَعْبِهِ فِي الْبَرِّيَّةِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 17الَّذِي ضَرَبَ مُلُوكًا عُظَمَاءَ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 18وَقَتَلَ مُلُوكًا أَعِزَّاءَ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 19سِيحُونَ مَلِكَ الأَمُورِيِّينَ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 20وَعُوجَ مَلِكَ بَاشَانَ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 21وَأَعْطَى أَرْضَهُمْ مِيرَاثًا، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 22مِيرَاثًا لإِسْرَائِيلَ عَبْدِهِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 23الَّذِي فِي مَذَلَّتِنَا ذَكَرَنَا، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 24وَنَجَّانَا مِنْ أَعْدَائِنَا، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 25الَّذِي يُعْطِي خُبْزًا لِكُلِّ بَشَرٍ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 26احْمَدُوا إِلهَ السَّمَاوَاتِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ". والآن نتساءل: كم أقنوما يا ترى سوف يقول الكندى إن هذه العبارة تتكون منه؟ من المؤكد أن أقانيمها ستبلغ العشرات.
والعجيب الغريب أن المداور المتنطع بعد ذلك كله يرمى القرآن بالخطإ والتجنى لتكفيره من يقول إن الله ثالث ثلاثة، مؤكدا أنهم لا يقولون بهذا، بل المرقونيون المارقون. لكن أليس الكندى وأمثاله يقولون بالآب والابن والروح القدس؟ ألا يشرحون ذلك بأن الله هو الآب، والمسيح هو الابن، فضلا عن الروح القدس الذى كان يقوم بمهمة الرسول بينهما أيام أن كان عيسى عليه السلام يعيش على الأرض؟ ألم يقل المسيح إنه يسجد لله، بما يعنى أن الله شىء، والمسيح شىء آخر؟ ألا يقولون إن الله أرسل ابنه إلى الأرض ليفدى البشرية من خطيئتها الأولى بما يعنى أن الآب كان فى السماء، والابن على الأرض؟ ألم يكن الروح القدس ينزل على الابن آتيا من عند الآب حسبما يقول مؤلفو الأناجيل؟ ألم يصرخ هذا الابن إلى أبيه كى يخف لنجدته وهو على الصليب طبقا لما جاء أيضا فى تلك الأناجيل؟ ألم يقل إنه يوم القيامة سوف يشرب ماء الكَرْمَة عند ذلك الأب؟ ألم يقل إنه سيجلس على يمينه يوم الدينونة ويحاسب الناس معه؟ فعلام يدل هذا كله؟ ألا يدل على أن هناك ثلاث ذوات مستقلة؟ وهل قال القرآن شيئا غير هذا؟ وأعجب من ذلك وأشد إمعانا فى الغرابة والكذب والتدليس أن يقول الكندى الكذاب للهاشمى المزعوم إن "صاحبك (يقصد النبى عليه السلام)... حثَّكم على الإيمان بالمسيح سيد العالم ومخلّص البشر: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الإرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (سورة النساء/ 171)". فهل دعانا الرسول إلى أن نؤمن بعيسى سيدا للأكوان ومخلصا للعالم؟ فأين هذا يا ترى؟ كيف، وفى الآية السابعة عشرة من سورة "المائدة" أن الله لو أراد أن يهلك المسيح بن مريم وأمه ومن فى الأرض جميعا ما استطاع أحد أن يعقّب عليه سبحانه بشىء؟ ولماذا نذهب بعيدا، وهذا النص الذى استشهد به المدلس ينهى النصارى بأقوى عبارة عن الغلوّ فى أمر المسيح باتخاذه إلها، ويؤكد أنه عليه السلام لا يزيد عن أن يكون رسول الله وكلمته، أى كلمة "كن فيكون" التى خلق بها آدم ويخلق بها كل شىء، ويكفّر من يؤلّه السيد المسيح أو يقول بصلبه وقتله؟ الواقع أن هذا الرجل يجرى الكذب فى دمه ويتنفسه تنفسا ولا يمكنه العيش من دونه، وإلا مات كما تموت السمكة إذا خرجت من الماء! أما ما قاله عن المارقيونيين وأنهم هم المثلثة لا هم فهو كذب صراح يبرهن على أنه لا يعرف الخجل ولا حمرته، إذ إن مارقيون أقرب ما يكون إلى الثنوية، لأن الله عنده إلهان: إله العهد القديم العادل الذى خلق العالم، لكنه إله قاس وعنيف وغضوب لا يعرف الرحمة اتخذ اليهود شعبا مختارا له، بخلاف إله العهد الجديد، إله العطف والمرحمة. ومن هنا نراه يرفض ما فى العهد الجديد ولا يقبل إلا ما جاء فى إنجيل لوقا وبعض الرسائل الموجودة فى العهد الجديد، وإن كان هناك من يقول إن لوقا هو الذى أخذ منه. وهو على كل حال يقول ببنوة المسيح لإله العطف والمرحمة. جاء فى "دائرة المعارف الكاثوليكية: Catholic Encyclopedia " تحت عنوان "Marcionites":
"Heretical sect founded in A.D. 144 at Rome by Marcion and continuing in the West for 300 years, but in the East some centuries longer, especially outside the Byzantine Empire. They rejected the writings of the Old Testament and taught that Christ was not the Son of the God of the Jews, but the Son of the good God, who was different from the God of the Ancient Covenant. They anticipated the more consistent dualism of Manichaeism and were finally absorbed by it. As they arose in the very infancy of Christianity and adopted from the beginning a strong ecclesiastical organization, parallel to that of the Catholic Church, they were perhaps the most dangerous foe Christianity has ever known"
وهو نفسه ما نجده فى مادة "Marcionisme" من المعجم اللفظى (Glossaire) الخاص بموقع "www.cef.fr/catho"، إذ تقول هذه المادة:
"Mouvement hérétique fondé par Marcion, philosophe gnostique.Le Marcionisme oppose le Dieu de Justice de l’Ancien Testament au Dieu d’Amour du Nouveau Testament Il nie la réalité de l’Incarnation du Christ prétendant qu’il est homme en apparence."
وليس لهذا أية علاقة بالإسلام كما نرى، فالله فى الإسلام واحد أحد لا إلهان، والمسيح ليس سوى عبد لله ورسوله، ولا يمكن أن يكون ابنا له سبحانه. أى أن حديث الكندى الملعون عن مارقيون والمارقيونيين هو كذب فى كذب فى كذب!
5- ثم ينتقل الكذاب إلى الحديث عن نبوة الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه فيقول إنه تربى يتيما فى بيت عمه أبى طالب وشارك أهلَه عبادة اللات والعزى بدليل ما جاء فى سورة "الضحى" من قوله تعالى: "أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى* وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى* وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى"، ثم لما تزوج بخديجة واغتنى بمالها أراد أن يرأس قومه، لكن لم يتبعه على ذلك إلا القليلون، فما كان منه إلا أن خدع البدو بأنه نبى من عند الله. وسهَّل عليه مهمتَه أنهم لم يكونوا ذوى عهد بالنبوة والأنبياء، فكانوا لا يعرفون كيف يختبرون صدقه، وهكذا صار نبيا. والحق أن هذا كله ليس سوى كذب منتن كالعقل واللسان اللذين خرج منهما: فالرسول لم يعبد اللات والعزى ولا أى صنم فى حياته، وإلا لما سكت عنه المشركون ولجعلوا منه هدفا لتهكمهم الــمُصْمِى عندما جاءهم بدعوة التوحيد، وهم الذين لم يتركوا شيئا فى الدنيا من الأكاذيب إلا وشنّعوا به عليه. ومع ذلك لم يحدث أن قالوا عنه قط إنه كان يعبد الأوثان. أما هداية الله له من الضلال فمن قال إن معناها إنقاذه من الوثنية؟ لقد وردت الكلمة فى مواضع غير قليلة من القرآن الكريم فى غير هذا المعنى، كقوله تعالى على لسان موسى حين عايره فرعون بأنه قتل مصريا ثم فر هاربا فرد عليه قائلا: "فعلتُها إذن وأنا من الضالين" (الشعراء/ 20)، فهل كان موسى وثنيا حين قتل المصرى خطأً؟ طبعا ليس هذا هو المعنى المراد، بل المقصود أنه حين قتل المصرى كان مندفعا مع عاطفة الغضب للإسرائيلى المظلوم، فكان أنْ وكز الظالمَ وكزة عنيفة قضت عليه. ليس ذلك فقط، إذ كانت تهمة فرعون له أنه فعلها وهو من الكافرين، فكان رد موسى أنه إنما فعلها وهو من الضالين لا الكافرين. فالضلال هنا عكس الكفر كما هو واضح، وموسى يتبرأ من الكفر وينسب نفسه للضلال، أى أنه فعل ما فعل عن غير قصد، بل فى نوبة انفعال واندفاع أراد فيها أن يحمى واحدا مظلوما من أبناء قومه، فكان ما كان من قتله المصرى من وكزة لا تقتل عادة. فما رأى غبينا المطموس البصر والبصيرة؟ وكقول إخوة يوسف لأبيهم حين شم قميص يوسف عن بعد وأخبرهم بذلك فقالوا له: "تالله إنك لفى ضلالك القديم" (يوسف/ 95)، أى ما زلت مقيما على حبك ليوسف، فأنت تتوهم الأوهام الباطلة وتتصور أنه لا يزال حيا. ذلك أنهم كانوا يقولون عنه عندما يَرَوْن حبه الشديد ليوسف إنه لفى ضلال مبين، وهو الحب الذى دفعهم للتخلص من أخيهم الصغير حقدا منهم عليه: "إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ" (يوسف/ 8). ولا يمكن أن يكون يعقوب وثنيا، وهو النبى ابن النبى ابن النبى! وكقوله سبحانه كذلك لمحمد عليه السلام فى المدينة حين كان يقضى بين الناس ويحكمهم ويحكم بينهم: "وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا" (النساء/ 113)، بمعنى أنه لولا فضل الله عليه لاستطاع أهل طُعْمَة بن أُبَيْرِق سارق الدرع إيهام الرسول عن طريق الكذب بأن الذى سرقها إنما هو اليهودى لا طعمة. فالمقصود بهداية الله إذن من الضلال فى سورة "الضحى" هو الإشارة إلى بحثه عن الحقيقة أيام تحنثه، إذ لا يستطيع الإنسان أن يعرف الحقائق العليا على وجه الدقة واليقين إلا من الله وبهداية منه سبحانه، وهو ما وقع، إذ أنزل الله عليه روح القدس بالوحى القرآنى وكلّفه بحمل رسالته إلى البشر لهدايتهم إلى ما فيه صلاح أمرهم واستقامة حياتهم وسعادة نفوسهم. فهذا هو معنى الهداية من الضلال. وهناك رواية تقول إن محمدا الصغير كان قد تاه ذات يوم، لكن الله أعاده إلى أهله، فهو سبحانه يمنّ عليه بذلك ويذكّره به.
وقد يكون من المفيد للأغبياء من أمثال الكندى المزعوم أن يعرفوا أن أحد معانى "الإضلال" فى القرآن هو عمل الرسول على إبعاد المشركين عن الوثنية والأوثان وهدايتهم إلى نور الحق والتوحيد، وهذا هو المعنى الذى استخدمه المشركون فيه، مما يدل على أن الكلمة قد تعنى عكس ما تعنيه الوثنية تماما. فكيف يصر المأفون على أن "الضلال" فى سورة "الضحى" هو عبادة اللات والعزى؟ قال تعالى: "وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً* إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آَلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا" (الفرقان/ 41- 42). باختصار: معنى الضلال هو عدم استطاعة الشخص من الوصول إلى الغاية الصحيحة لسبب أو لآخر، وكثيرا ما يحدث هذا لأى منا وهو راجع إلى بيته من طريق غير الذى يعرفه، وبخاصة إذا كان راكبا سيارته فى منطقة جرت فيها تغييرات لم يكن على علم مسبق بها، ولا وثنية ولا يحزنون، فما قولك فى ذلك يا عقل العصفور؟ وهذه شواهد من كتابك أنت لا من القرآن حتى تخرس فلا تنطق لا من فوق ولا من تحت، لعنك الله من فوق ومن تحت: "مَلْعُونٌ مَنْ يُضِلُّ الأَعْمَى عَنِ الطَّرِيقِ" (تثنية/ 27/ 18، والضلال هنا هو الضلال عن الطريق)، "كُفَّ يَا ابْنِي عَنِ اسْتِمَاعِ التَّعْلِيمِ لِلضَّلاَلَةِ عَنْ كَلاَمِ الْمَعْرِفَةِ" (أمثال/ 19/ 7، والضلال فى هذا الشاهد هو ضلال العلم لا الوثنية)، "وَلكِنَّ هؤُلاَءِ أَيْضًا ضَلُّوا بِالْخَمْرِ وَتَاهُوا بِالْمُسْكِرِ. الْكَاهِنُ وَالنَّبِيُّ تَرَنَّحَا بِالْمُسْكِرِ. ابْتَلَعَتْهُمَا الْخَمْرُ. تَاهَا مِنَ الْمُسْكِرِ، ضَلاَّ فِي الرُّؤْيَا، قَلِقَا فِي الْقَضَاء" (إشعيا/ 28/ 7، والضلال هو ذهاب الوعى من الخمر)، "إِنْ كَانَ لإِنْسَانٍ مِئَةُ خَرُوفٍ، وَضَلَّ وَاحِدٌ مِنْهَا، أَفَلاَ يَتْرُكُ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ عَلَى الْجِبَالِ وَيَذْهَبُ يَطْلُبُ الضَّالَّ. وَإِنِ اتَّفَقَ أَنْ يَجِدَهُ، فَالْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَفْرَحُ بِهِ أَكْثَرَ مِنَ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ الَّتِي لَمْ تَضِلَّ" (متى/ 18/ 12، ولا علاقة لها الضلال بالوثنية كما هو جلىّ)، "وَكَانَ فِي الْجُمُوعِ مُنَاجَاةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ نَحْوِهِ. بَعْضُهُمْ يَقُولُونَ:«إِنَّهُ صَالِحٌ». وَآخَرُونَ يَقُولُونَ:«لاَ، بَلْ يُضِلُّ الشَّعْبَ»" (يوحنا/ 7/ 12، والكلام فى النص عن عيسى عليه السلام، ولم يكن اليهود يتهمونه بالوثنية بطبيعة الحال). لقد كان محمد قُبَيْل البعثة يبحث عن الدين الحق ويتحنث فى غار حراء، إلا أن الطريق السليم لبلوغ ذلك الحق صافيا دون أى غبش إنما هو الوحى الإلهى. وهذا الوحى لا يفوز به من الله إلا من يستحقه، فظل محمد يبحث عن الطريق، لكنه لم يهتد إليه حق الاهتداء إلا حين اصطفاه الله وجعله نبيا. أما غيره فقد أراد أن يكون نبيا، وكأن النبوة قرار شخصى يتخذه أى إنسان فيكون له ما أراد، ومن هذه الحالات حالة أمية بن أبى الصلت ومسيلمة الكذاب وسجاح والأسود العنسى، وذلك على عكس ما كان يفعل محمد من البحث المخلص عن الحق دون التطلع إلى أن يكون نبيا. وهناك من كان يبحث عن الحق ولا يضع فى اعتباره مسألة النبوة ولم يختره الله مع ذلك، كزيد بن عمرو بن نفيل وقس بن ساعدة وورقة بن نوفل وسلمان الفارسى. ثم فليكن معنى الآية الكريمة بعد كل الذى قلناه هو ما يقول الكندى الكذاب، فكيف يقبل شقها الأول ويرفض شقها الثانى؟ إنها تقول: كان محمد ضالا فهداه الله، لكن الكندى الكذاب يقبل ضلال النبى ويرفض هداه. ترى أمن الممكن القول بأن محمدا يقر بضلاله هكذا على رؤوس الأشهاد وبتلك البساطة؟ الواقع أنه لو كان هذا صحيحا لكان جواب القرشيين على الأقل هو: "طيب يا أخى. ما دام قد سبق لك أن كنتَ ضالا ثم اهتديتَ فاتركنا نحن على ضلالنا حتى يهدينا الله كما هداك. وإذن فعلى رِسْلك ولا تقرّعنا وتهاجم آلهتنا هذا الهجوم العارم!"، لكنهم لم يقولوا له شيئا من ذلك. وعلى كل فقد انتهى أمرهم معه إلى أن دخلوا كلهم فى دينه ورجعوا عن كل ما قالوه فيه، فأثبتوا أنهم كانوا كاذبين فى اتهاماتهم له وأن الحق كان معه طوال الوقت.
ثم فلنفترض ثانية أن كل ما يقوله الكندى الكذاب صحيح وأن محمدا كان يعبد الأوثان قبل البعثة كقومه، فلماذا لا تعامله أيها الكذاب كإبراهيم، الذى قلت بعظمة لسانك إنه كان يعبد العُزَّى مع قومه فى حاران قبل أن يصطفيه الله للرسالة؟ هل مَنَعَتْ إبراهيمَ عبادتُه للعُزَّى فى الجاهلية من أن يكون نبيا؟ فلماذا لا تجرى على نفس المنطق فى حالة محمد عليه الصلاة والسلام، وبخاصة أن كتابك المقدس لا يرى فى مثل هذه الأمور مانعا من أن يكون صاحبها نبيا حتى ولو ارتكبها بعد النبوة، كما هو الوضع فى حالة هارون، الذى تقولون إنه رافأ بنى إسرائيل على عبادتهم للعجل أثناء غياب موسى فوق الجبل للقاء بربه، بل هو الذى صنعه لهم بيديه وشاركهم الرقص عرايا حوله، وكما هو الوضع فى حال سليمان، الذى ساعد بعض زوجاته على ممارسة الوثنية فى قلب بيته ووفر لهن الأصنام التى يعبدنها. إننا بطبيعة الحال لا نعتقد بشىء مما يقوله الكتاب المقدس فى حق هؤلاء الأنبياء، إلا أننى أردت فقط أن أزيح النقاب عن ضمير ذلك الوغد لأُرِىَ القراء مدى التواء ضميره وكراهيته للحق وخضوعه لبواعث الشغب المستكنة فى أغوار قلبه الأسود.
وفى نهاية المطاف أرى أنه ينبغى إيراد ما قاله فى هذه الآية ابن عجيبة صاحب "تفسير البحر المديد في تفسير القران المجيد"، فقد جمع تفاسيرها المختلفة. قال: "وَوَجَدَك ضالا: غافلاً عن الشرائع التي لا تهتدي إليها العقول. فَهَدَى : فهداك إليها، كقوله: " مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ" (الشورى/ 52). وقال القشيري: "أي ضالاًّ عن تفصيل الشرائع فهديناك إليها، وعَرَّفناك تفصيلَها"، أو ضالاًّ عما أنت عليه اليوم من معالم النبوة. ولم يقل أحد من المفسرين: ضالاًّ عن الإيمان. قاله عياض. وقيل: ضلّ في صباه في بعض شِعاب مكة، فردّه أبو جهل إلى عبد المطلب، وقيل: ضلّ مرة أخرى، وطلبوه فلم يجدوه، فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعًا، وتضرّع إلى الله، فسمعوا هاتفاً يُنادِي من السماء: يا معشر الناس، لا تَضِجُّوا، فإنَّ لمحمدٍ ربًّا لا يخذله ولا يُضيّعه، وإنَّ محمدا بوادي تهامة عند شجرة السَّمُر. فسار عبد المطلب وورقة بن نوفل، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قائم تحت شجرة يلعب بالأغصان والأوراق. وقيل: أضلّته مرضعته حليمة عند باب الكعبة حين فطمته وجاءت به لترده على عبد المطلب. وقيل: ضلّ في طريق الشام حين خرج به أبو طالب. يُرْوَى أن إبليس أخذ بزمام ناقته في ليلة ظلماء فعدل به عن الطريق، فجاء جبريلُ عليه السلام، فنفخ إبليسَ نفخة وقع منها إلى أرض الهند، وردّه إلى القافلة. وقوله تعالى: "فَهَدَى" أي فهداك إلى منهاج الشرائع المنطوية في تضاعيف ما يُوحَى إليك من الكتاب المبين، وعلَّمك ما لم تكن تعلم".
ثم يقول المدلس الكذاب ما نَصُّه: "نشأ (محمد) في ذلك الأمر حتى صار في خدمة عِيرٍ لخديجة بنت خويلد، يعمل فيها بأجرة ويتردد بها إلى الشام وغيرها، إلى أن كان ما كان من أمره وأمر خديجة وتزوُّجه إياها للسبب الذي تعرفه. فلما قوَّته بمالها نازعته نفسه إلى أن يدَّعي المُلْك والترؤس على عشيرته وأهل بلده، فلم يتبعه عليه إلا قليل من الناس. فعندما يئس مما سوَّلت له نفسه ادَّعى النبوَّة وأنه رسولٌ مبعوثٌ من رب العالمين، فدخل عليهم من بابٍ لطيفٍ لا يعرفون عاقبته ما هي، ولا يفهمون كيف امتحان مثله ولا ما يعود عليهم من ضرر منه، وإنما هم قوم عرب أصحاب بدوٍ لم يفهموا شروط الرسالة ولم يعرفوا علامات النبوة، لأنه لم يُبعَث فيهم نبي قط. وكان ذلك من تعليم الرجل الملقِّن له الذي سنذكر اسمه وقصته في غير هذا الموضع من كتابنا، وكيف كان سببه. ثم إنه استصحب قومًا أصحاب غاراتٍ ممن يصيب الطريق على سُنَّة البلد وعادة أهله الجارية عندهم إلى هذه الغاية، فانضمَّ إليه هذا النوع، وأقبل يبثّث الطلائع ويدسّس العيون ويبعث إلى المواضع التي ترِد القوافل إليها من الشام بالتجارات فيصيبونها قبل وصولها، فيُغِيرون عليها ويأخذون العِير والتجارات ويقتلون الرجال. والدليل على ذلك أنه خرج في بعض أيامه فرأى جِمالاً مقبلةً من المدينة إلى مكة، لأبي جهل بن هشام، ويُسمِّي أعراب البادية ذلك غزوًا إذا خرجت للغارة على السابلة وإصابة الطريق. وكان أول خروجه من مكة إلى المدينة بهذا السبب، وهو حينئذ ابن 53 سنة بعد أن ادّعى ما ادّعاه من النبوة بمكة 13 سنة ومعه من أصحابه 40 رجلاً، وقد لقي كل أذى من أهل مكة لأنهم كانوا به عارفين، فأظهروا أن طرده لادّعائه النبوة وعقد باطنهم لما صح عندهم من إصابته الطريق. فسار مع أصحابه إلى المدينة وهي يومئذ خراب يباب ليس فيها إلا قوم ضعفاء أكثرهم يهودٌ لا حراك بهم، فكان أول ما افتتح به أمره فيها من العدل وإظهار نصفة النبوة وعلامتها أنه أخذ المِرْبَد الذي للغلامين اليتيمين من بني النجار وجعله مسجدًا. ثم إنه بعث أول بعثة حمزة بن عبد المطلب في 30 راكبًا إلى العيص من بلد جهينة يعترض عِير قريش وقد جاءت من الشام، فلقي أبا جهل بن هشام في 300 رجل من أهل مكة، فافترقوا لأن حمزة كان في 30، فخاف لقاء أبي جهل وفزع منه، فلم يكن بينهم قتال".
فأما ادعاء المشاغب الضلالى بأن الرسول كان يريد الرياسة وأنه لم يتبعه على مراده هذا إلا القليلون فمن الواضح أن ذلك الرجل (إن صح تسمية أمثاله: "رجالا") كان عريان السوأة وهو غارق فى الأحلام والأوهام! ترى متى كان ذلك؟ ومن أولئك الذين اتبعوه على غرضه ذاك؟ كذلك يزعم أن تطلعه إلى الرئاسة كان عقب زواجه بخديجة، مع أنه تزوجها وهو ابن خمس وعشرين، ولم يعلن أنه نبى إلا بعد بلوغه الأربعين، فمتى كان تطلعه إلى الزعامة طوال الخمس والعشرين سنة الفاصلة بين زواجه بها ودعوته الناس إلى الإيمان به؟ ومتى كانت دعوته العرب إلى الدين سهلة ميسورة، وهو الذى قضى فيها السنين الطوال حتى استطاع بعبقريته التى لم يُؤْتَها أحد سواه أن يطوّعهم وأن يخلق منهم رجالا وأبطالا فتحوا العالم ونشروا فى المعمور راية التوحيد بعد أن كانت الدنيا كلها تغط فى ليل الوثنية البغيض؟ إن الأحمق يريد أن يوهم القراء أن الرسول ما إن قال للعرب إنه نبى حتى خروا رُكّعًا سُجّدًا طائعين خاضعين دون فهم ودون تفكير. والحق أنه لا يقول هذا الكلام إلا رقيع مأفون كالكندى! ثم إن المشركين، على العكس، هم الذين عرضوا عليه الرياسة والمال فى مقابل سكوته عن أصنامهم وأوثانهم، وذلك كله معروف للناس جميعا، لكنه عليه الصلاة والسلام رفض كل عروضهم فى إباء وشمم يليقان بمن بَوَّأَه الله زعامة الأنبياء، على عكس اللعين بولس، الذى برجل ميزان النصرانية وقلب كل شىء فيها رأسا على عقب كى توائم عادات الوثنيين وتقاليدهم وعقائدهم، وهذا هو السر فى انتشارها بعد أن رفضها بنو إسرائيل. ثم يأتى هذا النغل بعد ذلك كله يريد أن يقلب الحقائق قَلْبًا! وهذا هو ديدنهم دائما أبدا لا يحيدون عنه ولو طلعت الشمس من مغربها ، مع الاعتذار هذه المرة للسيد كوتوموتو، الذى لا أريد أن أغضبه أبدا، لكن القافية حبكت يا سيد كوتو (من غير "موتو")!
إن صاحبنا الأبله يزعم كذبا أن العرب كانوا قوما مغفلين ضحك عليهم الرسول فسقاهم "حاجة أصفرة" وأقنعهم بنبوّته! والجواب على هذه الرقاعة حاضر على الفور، وهو أن الله جلّت قدرته سبق أن بعث فى العرب عددا من الأنبياء منهم هود وصالح وشعيب، فهم إذن لم يكونوا بعيدين عن النبوة والأنبياء كما يزعم هذا الحمار الحَسَاوِىّ. كذلك فإنهم، فى جدالهم للنبى وتعنتهم عليه، كانوا يستشهدون بغيره من الرسل ويحاجّونه بهم، إذ كان فى الجزيرة العربية أهل كتاب يسمع العرب منهم ويعرفون ما لديهم. كما كانوا يلجأون إلى اليهود فى يثرب طالبين منهم المساعدة فى حربهم له صلى الله عليه وسلم. بل كان من المسلمين المبكرين نصارى أو دارسون للنصرانية كورقة بن نوفل وعداس ويسار وجبر، وبالمثل آمن به فى المدينة بعض كبار اليهود كعبد الله بن سلام. وكانت أم المؤمنين صفية رضى الله عنها بنت أحد زعمائهم وسمعت حوارا دار بين أبيها وعمها فهمت منه أنهما يصدقان بنبوته صلى الله عليه وسلم لكن حقدهما وعصبيتهما اليهودية يمنعانهما من إعلان ذلك الإيمان ويدفعانهما إلى التشبث الغبى بدين قومهما، فكان هذا أحد العوامل التى نبهتها إلى صدق الرسول وجعلتها تؤمن به وتعتنق دينه وتنسى يهوديتها. وهذه هى قصتها رضى الله عنها حصبما وردت فى "سيرة ابن هشام": "عن صفية بنت حُيَيّ بن أخطب أنها قالت: كنت أَحَبَّ ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قَطُّ مع ولد لهما إلا أخذاني دونه. قالت: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ونزل قُبَاء في بني عمرو بن عوف غدا عليه أبي حُيَيّ بن أخطب وعمي أبو ياسر بن أخطب مُغَلِّسَيْن، قالت: فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس. قالت: فأتيا كالَّيْن كسلانين ساقطين يمشيان الهُوَيْنَى، قالت: فهششت إليهما كما كنت أصنع. فوالله ما التفتَ إليَّ واحد منهما مع ما بهما من الغم. قالت: وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حُيَيّ بن أخطب: أهو هو؟ قال: نعم والله. قال: أتعرفه وتُثْبِته؟ قال: نعم. قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقِيتُ".
وحتى لو كان ما يقوله البغل النغل صحيحا فإنه يطعن فى عيسى، إذ رفضه اليهود، الذين كانوا على دراية بالنبوة والأنبياء، ومن ثم فرفضهم له دليل، حسب كلام صاحبنا، على أنه عليه السلام ليس نبيا حقيقيا. كذلك فالعرب الوثنيون لم يقبلوا الرسول على الفور، بل جادلوه وتعنتوا معه ولم يؤمن به منهم فى البداية إلا أحسنُهم وأقدرُهم على التحمل والتضحية وأفهمُهم لما أتاهم به من قيم عظيمة، حتى ترك مكة إلى يثرب، التى قبلته لأنها كانت على اتصال باليهود العارفين وعرفت أنه هو النبى الموعود، فسهّل ذلك مهمته لديهم، على عكس ما يريد الكذاب الكندى أن يوهمنا. ثم ما قوله فى أن عشرات الملايين من النصارى قد تركوا دينهم وأسلموا فى العقود الأولى من تاريخ الإسلام على ما هو معروف، ولا تزال العجلة دائرة حتى الآن، إذ يدخل فى دينه صلى الله عليه وسلم من أوربا وأمريكا المفكرون والعلماء والفنانون ولاعبو الكرة ورجال الدين والدبلوماسيون حتى أضحى عدد الغربيين المسلمين كبيرا يثير الفزع فى قلوب السياسيين والقساوسة ويخيفهم من المستقبل، وذلك رغم هوان المسلمين بوجه عام وضعفهم الشديد فى هذ الدورة السيئة من دوارت تاريخهم، ودعنا من بقية بلاد العالم. فما قول الكاتب فى ذلك؟ ألا يقلب هذا كلامه رأسا على عقب؟ أم تراه يقول إن هؤلاء جميعهم مغفلون ساذجون؟ والله ما مغفلٌ وحمارٌ إلا أنت يا بعيد!
أما حكاية التربص بِعِير قريش التجارية فقد حدثت مرة واحدة، وكان ذلك بعد ثلاثة عشر عاما قضاها الرسول والمسلمون فى مكة يرزحون تحت العنت والتعذيب والاضطهاد الوحشى والحصار الاجتماعى والاقتصادى والشتم والضرب، بالإضافة إلى القتل. ومعنى هذا أن التربص المشار إليه وقع بعد انتقال النبى وأتباعه إلى المدينة وبعد أن ذاقوا الأمرّين من قريش وتعرضوا لألوان رهيبة من الاضطهاد والتعذيب كما قلنا. وكان هذا كفيلا بأن يقضى على الدعوة وأتباعها لولا الرجولة الشاهقة التى كانوا يتمتعون بها على نحوٍ قَلَّ أن يتحقق بين البشر. فهذا الوغد كاذب كالعادة حين يحاول إيهام القارئ النصرانى الذى لا يعرف سيرة الرسول وأصحابه أن أول شىء فعلوه فى بداية الإسلام هو قيامهم دون إِحِمْ أو دستور بالهجوم على قريش وتجارتها رغم أنهم لم يَرَوْا منها شرا ولا أذى، بل حُبًّا منهم للعدوان والإجرام! وحقيقة الأمر أن القرشيين بعد هذه الأعوام الثلاثة عشر قد أخرجوا المسلمين من ديارهم واستولَوْا على أموالهم وبيوتهم وشرّدوهم فى الآفاق ونكّلوا بمن طالته أيديهم من المهاجرين عند مغادرتهم مكة. أى أنهم لم يكونوا يريدون أن يرحموا ولا أن يتركوا رحمة ربنا تنزل عليهم. أما القسوة والفظاظة والحقد والعنصرية فأمور يعرفها أنبياء بنى إسرائيل حسبما كتب مؤلفو العهد القديم، وكانوا قساةً حَقَدَةً لا يعرفون إلا سياسة الاستئصال. والطريف فى أمر هذا البكاش أنه، رغم كل ما قاله عن العرب، الذين اتهمهم بالغفلة والسذاجة والمسارعة إلى الإيمان بمحمد دون تفكير لتجردهم من الخبرة بالنبوة والأنبياء، يعود فيقول إنه عليه السلام قد "لقي كل أذى من أهل مكة لأنهم كانوا به عارفين". أى أنهم لم يكونوا من السذاجة بحيث يصدقون النبى عليه الصلاة والسلام لأول وهلة، كما أنهم قد أنزلوا به من ضروب الأذى ما دفع الوغد الكندى للإقرار به رغم اتهامه له صلى الله عليه وسلم بأنه هو الذى بدأ قريشا بالعدوان والإغارة على قوافلها التجارية. وعجبى!
أما ادعاؤه بأن اليهود الموجودين فى يثرب آنذاك كانوا قوما ضعفاء لا حَرَاك بهم فهو ككل ما يقوله النذل كذب وتحريف لوقائع التاريخ وحقائقه، فقد كان اليهود أصحاب أموال وسلاح وزراعات وبساتين وذهب وحصون وكِبْر وغرام بالعناد والجدال، وكانوا كثيرى الشغب والتسافه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يحفظوا له اليد النبيلة التى مدها لهم بالعدل والمساواة والأمن والأمان والحرية والكرامة والتعاون المتبادل رغم اختلاف الدين والجنس، ورغم أنهم لم يكونوا من أهل البلاد بل طارئين عليها من الشمال. كما كانوا دائمى الشقاق والنفاق، يمطرونه بألوان الجدال، فيجيب على أسئلتهم، لكنهم كانوا صلاب الرقبة كافرين. وكثيرا ما ألبوا عليه الكفار واتخذوا جانبهم وسخروا منه ومن دينه وجدّفوا فى حق ربه سبحانه وتعالى وهددوه بأنه إذا لاقاهم فى حرب فلسوف يعلم ساعتئذ إنهم لهم الرجال. نعم لقد كان فيهم الصاغة وأصحاب البساتين والزراعات والحصون، ومعهم أكداس السلاح، وكانوا يقرأون ويكتبون ويتكبرون على من حولهم، وكانوا يجادلونه بالباطل ويثيرون المشاكل ويكذبون وينكرون ما فى كتبهم، فكان يفضحهم ويفحمهم فيزدادون له كراهية وعليه وعلى دينه وأتباعه تآمرا، لكنهم أثبتوا فى كل مرة أنهم أغبياء وجبناء فى الواقع رغم كل الجعجعات. ومن أكاذيب الكندى الدنسة مثله قوله يتهكم على سيده وتاج رأسه ورأس الذين نفضوا بذرته إن أول ما افتتح به أمره فى المدينة من العدل وإظهار نصفة النبوة وعلامتها أنه أخذ المربد الذي للغلامين اليتيمين من بني النجار وجعله مسجدًا. إن الكذاب الناقص يقول هذا بعيون بجحة وقحة لا تستحى، مع أن الرسول قد عوّض اليتيمين عن مربدهما ورفض أخذه دون مقابل. ثم إنه لم يأخذه بعد ذلك كله لنفسه بل أخذه للمسلمين ليقيم عليه مسجدا. ولا بد أن نعرف فوق هذا أنهما كانا بنى النجار، وهم أخوال النبى عليه السلام، فلم يكونا غريبين إذن، ومن هنا لم يكن أولياء أمرهما يريدون أن يأخذوا شيئا ثمنًا للمربد، بيد أنه صلى الله عليه وسلم شكرهم ورفض مع ذلك أخذه دون مقابل. ودعنا من حكاية الأتان التى أمر المسيح بعض أتباعه حسب افتراءاتكم أن يذهبوا إلى إحدى الحظائر ويأتوه بها حتى يدخل أورشليم (طبقا للنبوءة التى يزعمون) على أتان مسروقة، وكذلك سطوه عليه السلام هو ورفاقه على الحقول التى تقابلهم فى غياب أصحابها، ولعنه التينة المسكينة التى لم يجد فيها تينا لأنه لم يكن موسم تين، فضلا عن معجزة تموين المدعوين فى أحد الأفراح بالخمر، وكأننا إزاء خمار فى حانة لا رسول كريم لا يمكن أن يسكر أو يوفّر أم الخبائث للسكارى المخمورين! وطبعا نحن لا نصدق بهذا ولا ذاك ولا ذلك، لكننا نحاج الكذاب المدلّس بما يعتقده ويدافع عنه، ولا نريد أن نتدخل فى اعتقاده، بل كل ما هنالك أننا نرد على ما يزعمه من المزاعم المتداعية المتهافتة، وإلا فنحن نجلّ المسيح إجلالا لا يخطر له على بال ونؤمن أنه نبى عظيم، وإن كنا نؤمن فى ذات الوقت أن محمدا هو عميد الأنبياء جميعا!
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة عبد الله المصرى في المنتدى المنتدى الإسلامي
مشاركات: 5
آخر مشاركة: 26-10-2007, 07:55 PM
-
بواسطة الليزر في المنتدى حقائق حول التوحيد و التثليث
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 19-10-2006, 04:48 AM
-
بواسطة احمد العربى في المنتدى الرد على الأباطيل
مشاركات: 8
آخر مشاركة: 10-07-2006, 02:19 AM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات