18- وبالمناسبة فقد كان المخطوط الأصلى الذى حققه وطبعه الدكتور تين (Dr. Tien) خاليا من اسمَىْ صاحِبَىِ الرسالتين، وهذا هو نص المقدمة التى كانت فى المخطوط ثم تم حذفه وكُتِبَ مكانه الاسمان: "ذُكِر أنه كان فى زمن عبد الله المأمون رجل من نبلاء الهاشميّين، وأظنّه من ولد العباس قريب القرابة من الخليفة، معروفٌ بالنسك والورع والتمسك بدين الإسلام وشدّة الإغراق فيه والقيام بفرائضه وسننه مشهورٌ بذلك عند الخاصة والعامة. وكان له صديق من الفضلاء ذو أدبٍ وعِلْمٍ كِنْدِىّ الأصل مشهورٌ بالتمسك بدين النصرانية، وكان فى خدمة الخليفة وقريبا منه مكانا، فكانا يتوادّان ويتحابّان ويثق كل منهما بصاحبه وبالإخلاص له. وكان أمير المؤمنين وجماعة أصحابه والمتّصلون به قد عرفوهما بذلك، وكرهنا أن نذكر اسميهما لعلة من العلل. فكتب الهاشمى الى النصرانى كتابا هذه نسخته". وهذا يدل، كما سبق الإيماء، على أن فى الأمر كثيرا من الاضطراب من شأنه أن يلقى الريبة فى الصدور، وبخاصة أننا نقرأ فى مقدمة الطبعة العربية أن ناشريها قد أَجْرَوْا فيها بعض التعديلات والتغييرات حسبما يقول النص التالى: "ويسرنا أن نقدم للقارئ العربي رسالتي الهاشمي والكِنْدي في هذه الطبعة الحديثة التي قدمنا فيها رسالة الهاشمي كما وجدناها، أما رسالة الكندي للهاشمي فقد حذفنا منها المترادفات، والتكرار، والتحيات، ونقلنا الاقتباسات الكتابية من ترجمة بيروت المعروفة بترجمة البستاني. وقد تركنا كلمة "نصارى ونصرانية" كما هي رغم معرفتنا أن المقصود بها هنا هو "المسيحية" وليس فرقة النصارى". كما أن وليام موير حين ترجم الرسالة المنسوبة للكندى لم يترجمها كاملة كما هى، بل اكتفى بترجمة مختارات منها وحذف الباقى كما أخبرنا فى المقدمة (ص 8)، بما يدل على أن النص الأصلى لم يبق على حاله. وهنا أرجو أن يتنبه القراء إلى دلالة اسمَىْ صاحِبَىِ الرسالتين: عبد الله بن إسماعيل، وعبد المسيح بن إسحاق. فــ"عبد المسيح" تقابل "عبد الله"، و"إسحاق" تقابل "إسماعيل"، على اعتبار أن المسلم يتعبد لله، على حين يتعبد النصرانى للمسيح، وينتسب المسلم إلى إسماعيل، أما النصرانى فهو يفضل أن ينتسب إلى إسحاق، على أساس أن إسماعيل هو ابن إبراهيم الذى إليه يعتزى العرب، ومنهم محمد صلى الله عليه وسلم، بينما إسحاق هو ابنه الآخر الذى إليه ينتسب بنو إسرائيل، ومنهم المسيح عليه السلام. لكل ما سبق فإنى أرجح أن الرسالتين مصنوعتان صنعا على يد نصرانى لم يصرح باسمه بل تخفى وراء الاسمين المذكورين.
هذا ما عنّ لنا فيما يخص رسالة الهاشمى، أو بالأحرى: الرسالة المنسوبة إلى الهاشمى، أما بالنسبة إلى رسالة الكندى المزعوم، ذلك الذى لا نعرف عنه شيئا بالمرة، فإلى القارئ العزيز ملاحظاتنا عليها:
1- يلاحظ إسراف الكاتب فى تبجيل الخليفة (الذى من المفترض أنه هو المأمون، والذى رأينا أنه لا يمكن أن يكون المأمون)، فى الوقت الذى يتسافه فى حق رسول الله. ولا أدرى كيف يكون ذلك، وهو ما يدفعنى إلى القول بأن الرسالة لم تكن فى الأصل هكذا رغم أنها (كما قلت) لا تبعث أبدا على الاطمئنان إلى أن مؤلفها هو الكندى، بل دخلها عبث كثير مع هذا. ذلك أن من يحرص على تبجيل الخليفة كل هذا التبجيل وعلى التخاشع أمامه بكل تلك المذلة لا بد أن يحرص، على الأقل، على ألا يمس الرسول الذى يحكم ذلك الخليفة باسمه فلا يصفه بــ"صاحبك الجلف" مثلا، وهو الوصف الذى لو كان قد كتبه الكاتب فعلا إلى أحد المسلمين لكان قد ضربه بما فى قدمه على وجهه وحطم أنفه ومرغه فى الطين، إذ ليس الأمر هنا أمر حرية تفكير وتعبير بل أمر تسافه وتباذؤ على أكبر رمز عند المسلمين، وبالذات فى تلك العصور حيث كانت الدولة تقوم على العقيدة والشريعة اللتين أتى بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا أضفنا إلى ذلك أن الخلفاء العباسيين هم من نفس السلالة التى منها رسول الله تبين لنا كيف كان من المستحيل اجتراء مثل ذلك الكلب الكندى على تناول رسول الله فى رسالة له إلى أحد بنى العباس بما تناوله به! ولست محتاجا إلى الإشارة إلى قلة أدب الكندى المزعوم وسفاهة عقله وعمى قلبه عن أنه لا يصح له قول ما قال فى حق رجل غيّر مسار التاريخ وعلّم البشر من قيم الحضارة والرقىّ الإنسانى والاجتماعى والأخلاقى ما كانت تجهله وما زالت تجهله حتى الآن! لكن ما علينا، فإن الحلاليف من أمثال هذا الوغد لا يمكنها أن تقدر اللآلئ قدرها الحق. ذلك أن قيمة اللآلئ إنما يعرفها خبراء الحلىّ والأحجار الثمينة، أما الحلاليف فهى، راحت أو جاءت، حلاليف لا تفهم إلا فى تشمم الزبالة وغمس فراطيسها فيها بحثا عن الفضلات! وإلى القارئ بعض ما قاله ذلك الكلب الحقير النجس عن الخليفة: "قرأت رسالتك وحمدت الله على ما وُهب لي من رأي سيدي أمير المؤمنين، ودعوت الله الذي لا يخيب داعيه إذا دعاه بنيَّةٍ صادقةٍ أن يطيل بقاء سيدنا أمير المؤمنين في أسبغ النعم برحمته". ومن الواضح أنه يكذب أيضا فى إشارته إلى ما وُهِب له من رأى سيده أمير المؤمنين، إذ ليس فى رسالة الهاشمى أية إشارة من قريب أو من بعيد إلى أنه كان لأمير المؤمنين (أيا ما يكن أمير المؤمنين ذاك) رأى يخص ذلك الكلب الدنس!
2- ومما قاله الكندى المزيف لصديقه المسلم: "مكتوب في التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى النبي، وناجاه بجميع ما فيها وخبَّره أسراره في السفر الأول من أسفارها الخمسة، وهو المعروف بسفر "الخليقة" (التكوين)، أن إبراهيم كان نازلاً مع آبائه بحاران، وأن الله تجلّى له بعد تسعين سنة، فآمن به وحُسِب له ذلك بِرًّا. ولكنه كان قبل ذلك التجلّي يعبد الصنم المسمّى: العُزّى، المتَّخَذ على اسم القمر، لأن أهل حاران كانوا يعبدون هذا الصنم، فكان إبراهيم يعبد الصنم حنيفًا مع آبائه وأجداده وأهل بلده كما أقررتَ أنت أيها الحنيف وشهدتَ بذلك عليه، إلى أن تجلّى الله له فَآمَنَ بِالرَّبِّ فَحَسِبَهُ لَهُ بِرًّا (تكوين 15:6). فترك الحنيفية التي هي عبادة الأصنام، وصار موحّدًا مؤمنًا، لأننا نجد الحنيفية في كتب الله المنزلة اسمًا لعبادة الأصنام، فورَّث إبراهيم ذلك التوحيد إسحق، الذي هو ابن الموعد، وهو الذي قرَّبه لله ففداه الله بالكبش، لأنه هكذا أمره الله: خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ الَّذِي تُحِبُّهُ إِسْحَاقَ واذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ (تك 22:2)". ولو رجعنا إلى سِفْر "التكوين" (أو سفر "الخليقة" كما سماه الكلب النجس كاتب الرسالة) لتبين لنا أنه كذاب قرارى لا يخجل ولا يستحى على وجهه، إذ ليس فى ذلك السِّفْر ولا فى أى سفر آخر من الكتاب المقدس عنده هو وأمثاله شىء مما زعم: فليس فيه أن إبراهيم كان وثنيا يعبد الأصنام. وليس فيه كلمة "حنيف" ولا "حنيفية". وليس فيه أن الله قد اختار إبراهيم بعد بلوغه التسعين من عمره، بل قبل ذلك بطويل زمن. والسفر المذكور ما زال بحمد الله موجودا فى العهد القديم، فليرجع إليه القارئ بنفسه ليرى مدى الكيد الدنس الذى يتعامل به ذلك المأفون مع خصمه المسلم المزعوم. ومن بجاحته وعراقته فى الكذب أنه يقوّل خصمه المسلم ما لم يقل، لكن الله قد أبى إلا أن يفضح مؤلفهما فجعله يناقض نفسه بنفسه ويكذّب نفسه بنفسه، فهو يقول مثلا للمسلم: "كان إبراهيم يعبد الصنم حنيفًا مع آبائه وأجداده وأهل بلده كما أقررتَ أنت أيها الحنيف وشهدتَ بذلك عليه"، مع أن المسلم لم يقل شيئا من ذلك، أو بالأحرى: أن الذى كتب رسالة المسلم لم يقل على لسان المسلم شيئا من ذلك، لكن إرادة الله اقتضت فضحه وهتك الستر عن سوأته أمام أبصار الناس جميعا!
وفى ص 77 وما بعدها من كتاب "أعاجيب الأكاذيب" لمحمد جواد، وهو متاح على المشباك لمن يطلبه، يطالع القارئ خلاصة تحقيق ذلك العالم لتلك المسألة فى السطور التالية المخزية للكندى الكذاب الذى يجرى على سنة قومه فى الافتراء والتدليس والتزييف دون أن يطرف له جفن. يقول الأستاذ محمد جواد: "قال عبد الله الهاشمي في صحيفة 12 في ذكر إبراهيم النبي عليه السلام: "ملّة أبينا إبراهيم، فإنه كان حنيفًا مسلمًا"، وذكر في صحيفة 6 قول الله تعالى في سورة "آل عمران": "مَا كَانَ إبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ"، فقال عبد المسيح، صحيفة 30، إن إبراهيم إنما كان نازلا بحرّان مع آبائه تسعين سنة، لم يعبد إلاّ الصنم المسمّى بالعزّى. ثم قـال: فكان إبراهـيم يعبد الصنم حنيفًا مع آبائه وأجداده وأهـل بلده، كما أقررت به أنت أيها الحنيف وشـهدت به، إلى أن تجلّى الله له. ثم قال: لأنّا نجد الحنيفيّة في كتب الله المنزلة اسمًا لعبادة الأصنام. فليت شعري من أين ينسب عبادةَ الأصنام لإبراهيم، ولم يجئ لهذا ذكر في توراته ولا كُتُب وحيه؟! وأما قوله إن إبراهيم إنما كان نازلا بحرّان مع آبائه تسعين سنة، لم يعبد إلاّ الصنم المسمّى بالعزّى، فإنه قد اشتمل على أكاذيب عديدة:
(1) إنّ توراتهم تكذّب قوله هذا، فإنها تذكر في أواخر الأصحاح الحادي عشر من سفر التكوين أن إبراهيم كان ساكنًا في أرض ميلاده أور الكلدانيّين فيما بين النهرين وبقي فيها إلى أن تزوّج هو وأخوه الأصغر منه هاران، وولد لهاران ولده لوط، ثم خرج من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان فأتى إلى حاران. فأين نزوله تسعين سنة مع آبائه في حاران؟ وأيضًا في الأصحاح الثاني عشر من التكوين، في العدد الرابع، أن إبراهيم لما خرج من حاران وأتى إلى أرض كنعان كان عمره خمسًا وسبعين سنة، فأين تكون التسعون سنة في حاران؟ وبمقتضى دلالة التوراة وتواريخهم أن إبراهيم لم يسكن في حاران إلاّ سنين قليلة، وتواريخهم المعلّقة على توارتهم تذكر أن خروجه من بلاده أرض الكلدانيّين كان سنة 1923 قبل المسيح، وخروجه من حاران كان سنة 1921 قبل المسيح، فيكون مكثه في حاران سنتين، فأين التسعون سنة؟!
(2) إن إبراهيم لم يكن له آباء وأجداد في حاران.
(3) إن عبد الله الهاشمي لم يعترف ولم يشهد بأن إبراهيم كان عابد وثن، وإنما ذكر من القرآن الكريم أنه "كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين"، فما هذه الأكاذيب المتتابعة؟
وأيضًا أين عبد المسيح عن مقدّسه كتاب العهد الجديد؟ فإنه يذكر في "أعمال الرسل"، في الأصحاح السابع في العدد الثاني، أنّ الله ظهر لإبراهيم وهو فيما بين النهرين قبلما سكن في حاران، وأمره بالخروج إلى الأرض التي يريه الله إيّاها وهي أرض كنعان، فخرج بأمر الله ووحيه. فإبراهيم دخل حاران وسكن فيها وهو نبيٌّ مُوحًى إليه، فأين تكون عبادته للأصنام في حاران؟ هَبْ أن في الكذب للكاذب شرفًا ودينًا، ولكن ما ذنب إبراهيم مع عبد المسيح، الشخصي أو النوعي، حتى يرمي قُدْسه بعبادة الأصنام، ويكذب عليه بهتانًا وزورًا؟ ومن الظرائف قول عبد المسيح: "لأنّا نجد "الحنيفيّة" في كتب الله المنزلة اسمًا لعبادة الأصنام"! وياللعجب! هذه الكتب التي يزعم عبد المسيح وأصحابه أنها منزلة من الله بين أيدينا، ولْيَضُمّوا إليها أيضًا ما رفضته المجامع، وما رفضه البروتستنت من كتبهم، ويُرُونا أين يوجد فيها أن "الحنيفية" اسم لعبادة الأصنام؟ أفلا يعلمون أن في المسلمين من قرأ كتبهم حرفًا حرفًا؟ ولكن ماذا نقول؟
لا تنتهي الأنفسُ عن غيِّها* ما لم يكن منها لها زاجر
أيها القارئ، ما هو حالك في الدهشة والأسف عن الصدق والأمانة والشرف والاستقامة والدين؟ هب أن الناس يتسامحون في الكذب في الأمور الدنيوية ومعاملات المعيشة، ولكن الديانة المطلوب بها الهدى والصلاح والاستقامة كيف يُبْنَى أمرها على الكذب الصريح المتسلسل من رجال الدعوة إلى الدين، ومن الكتب المنسوبة إلى الوحي الإلهي؟ فأين الشرف والأمانة والصلاح؟! وأين الدين والتقوى؟! وما هذه الجرأة على قدس الرسل والأنبياء والصالحين؟ وما هذه الجرأة القبيحة على جلال الله وقدسه؟ وياللعجب المدهش من أناس يدعوننا بمثل ما ذكرناه من الكذب إلى مثل ما ذكرناه من الكذب والجرأة على جلال الله وقدسه! ويا للأسف! وحسبنا الله ونعم الوكيل، وسبحان ربّك ربّ العزّة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين".
هذا ما قاله محمد جواد، ولكى يتابع معنا القارئ ما نقول أرى أن أضع بين يديه ما كتبه مؤلف سِفْر "التكوين" عن إبراهيم عليه السلام فيما يتعلق بتلك الفترة التى يشير إليها ذلك المدلّس، وهو موجود فى الإصحاحين الحادى عشر والثانى عشر: "27وَهذِهِ مَوَالِيدُ تَارَحَ: وَلَدَ تَارَحُ أَبْرَامَ وَنَاحُورَ وَهَارَانَ. وَوَلَدَ هَارَانُ لُوطًا. 28وَمَاتَ هَارَانُ قَبْلَ تَارَحَ أَبِيهِ فِي أَرْضِ مِيلاَدِهِ فِي أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ. 29وَاتَّخَذَ أَبْرَامُ وَنَاحُورُ لأَنْفُسِهِمَا امْرَأَتَيْنِ: اسْمُ امْرَأَةِ أَبْرَامَ سَارَايُ، وَاسْمُ امْرَأَةِ نَاحُورَ مِلْكَةُ بِنْتُ هَارَانَ، أَبِي مِلْكَةَ وَأَبِي يِسْكَةَ. 30وَكَانَتْ سَارَايُ عَاقِرًا لَيْسَ لَهَا وَلَدٌ. 31وَأَخَذَ تَارَحُ أَبْرَامَ ابْنَهُ، وَلُوطًا بْنَ هَارَانَ، ابْنَ ابْنِهِ، وَسَارَايَ كَنَّتَهُ امْرَأَةَ أَبْرَامَ ابْنِهِ، فَخَرَجُوا مَعًا مِنْ أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ لِيَذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَوْا إِلَى حَارَانَ وَأَقَامُوا هُنَاكَ. 32وَكَانَتْ أَيَّامُ تَارَحَ مِئَتَيْنِ وَخَمْسَ سِنِينَ. وَمَاتَ تَارَحُ فِي حَارَانَ. 1وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ: «اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. 2فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. 3وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ». 4فَذَهَبَ أَبْرَامُ كَمَا قَالَ لَهُ الرَّبُّ وَذَهَبَ مَعَهُ لُوطٌ. وَكَانَ أَبْرَامُ ابْنَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً لَمَّا خَرَجَ مِنْ حَارَانَ. 5فَأَخَذَ أَبْرَامُ سَارَايَ امْرَأَتَهُ، وَلُوطًا ابْنَ أَخِيهِ، وَكُلَّ مُقْتَنَيَاتِهِمَا الَّتِي اقْتَنَيَا وَالنُّفُوسَ الَّتِي امْتَلَكَا فِي حَارَانَ. وَخَرَجُوا لِيَذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَوْا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ". وكما يرى القارئ ليس فى النص أى كلام عن عبادة إبراهيم للأوثان، وليس فيه لفظة "حنيف"، وليس فيه أن إبراهيم ظل فى حاران حتى بلغ التسعين من عمره، وليس فيه أن الله تجلى له وهو ابن تسعين عاما، بل الذى فيه أنه تجلى له وهو ابن خمسة وسبعين. ورغم ذلك يقول مؤلف "أعمال الرسل" (فى الإصحاح السابع منه) إن الله تجلى لإبراهيم قبل ذلك بكثير حين كان لا يزال فى أرض الكلدانيين، وهو ما ينقض ما قرأناه لتوّنا فى سفر "التكوين": "ظَهَرَ إِلهُ الْمَجْدِ لأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ فِي مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، قَبْلَمَا سَكَنَ فِي حَارَانَ 3وَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ، وَهَلُمَّ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. 4فَخَرَجَ حِينَئِذٍ مِنْ أَرْضِ الْكَلْدَانِيِّينَ وَسَكَنَ فِي حَارَانَ. وَمِنْ هُنَاكَ نَقَلَهُ، بَعْدَ مَا مَاتَ أَبُوهُ، إِلَى هذِهِ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتُمُ الآنَ سَاكِنُونَ فِيهَا. 5وَلَمْ يُعْطِهِ فِيهَا مِيرَاثًا وَلاَ وَطْأَةَ قَدَمٍ، وَلكِنْ وَعَدَ أَنْ يُعْطِيَهَا مُلْكًا لَهُ وَلِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ".
3- ويمضى الكذاب قائلا إنه "من نسل إسحق من سارة الحرة خرج المسيح مخلِّص العالم"، ولن أسوق فى الرد على ذلك الهراء ونقضه وتدميره إلا ما قاله الإنجيل المنسوب لمن اسمه متى فى أول فقرة من أول إصحاح منه، وهو يجرى على النحو التالى: "1كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ: 2إِبْراهِيمُ وَلَدَ إِسْحاقَ. وَإِسْحاقُ وَلَدَ يَعْقُوبَ. وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يَهُوذَا وَإِخْوَتَهُ. 3وَيَهُوذَا وَلَدَ فَارِصَ وَزَارَحَ مِنْ ثَامَارَ. وَفَارِصُ وَلَدَ حَصْرُونَ. وَحَصْرُونُ وَلَدَ أَرَامَ. 4وَأَرَامُ وَلَدَ عَمِّينَادَابَ. وَعَمِّينَادَابُ وَلَدَ نَحْشُونَ. وَنَحْشُونُ وَلَدَ سَلْمُونَ. 5وَسَلْمُونُ وَلَدَ بُوعَزَ مِنْ رَاحَابَ. وَبُوعَزُ وَلَدَ عُوبِيدَ مِنْ رَاعُوثَ. وَعُوبِيدُ وَلَدَ يَسَّى. 6وَيَسَّى وَلَدَ دَاوُدَ الْمَلِكَ. وَدَاوُدُ الْمَلِكُ وَلَدَ سُلَيْمَانَ مِنَ الَّتِي لأُورِيَّا. 7وَسُلَيْمَانُ وَلَدَ رَحَبْعَامَ. وَرَحَبْعَامُ وَلَدَ أَبِيَّا. وَأَبِيَّا وَلَدَ آسَا. 8وَآسَا وَلَدَ يَهُوشَافَاطَ. وَيَهُوشَافَاطُ وَلَدَ يُورَامَ. وَيُورَامُ وَلَدَ عُزِّيَّا. 9وَعُزِّيَّا وَلَدَ يُوثَامَ. وَيُوثَامُ وَلَدَ أَحَازَ. وَأَحَازُ وَلَدَ حِزْقِيَّا. 10وَحِزْقِيَّا وَلَدَ مَنَسَّى. وَمَنَسَّى وَلَدَ آمُونَ. وَآمُونُ وَلَدَ يُوشِيَّا. 11وَيُوشِيَّا وَلَدَ يَكُنْيَا وَإِخْوَتَهُ عِنْدَ سَبْيِ بَابِلَ. 12وَبَعْدَ سَبْيِ بَابِلَ يَكُنْيَا وَلَدَ شَأَلْتِئِيلَ. وَشَأَلْتِئِيلُ وَلَدَ زَرُبَّابِلَ. 13وَزَرُبَّابِلُ وَلَدَ أَبِيهُودَ. وَأَبِيهُودُ وَلَدَ أَلِيَاقِيمَ. وَأَلِيَاقِيمُ وَلَدَ عَازُورَ. 14وَعَازُورُ وَلَدَ صَادُوقَ. وَصَادُوقُ وَلَدَ أَخِيمَ. وَأَخِيمُ وَلَدَ أَلِيُودَ. 15وَأَلِيُودُ وَلَدَ أَلِيعَازَرَ. وَأَلِيعَازَرُ وَلَدَ مَتَّانَ. وَمَتَّانُ وَلَدَ يَعْقُوبَ. 16وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ الَّتِي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ. 17فَجَمِيعُ الأَجْيَالِ مِنْ إِبْراهِيمَ إِلَى دَاوُدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً، وَمِنْ دَاوُدَ إِلَى سَبْيِ بَابِلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً، وَمِنْ سَبْيِ بَابِلَ إِلَى الْمَسِيحِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً". والآن أرجوك أن تنظر أيها القارئ الكريم إلى آخر سلسلة النسب هذه، ولسوف تلاحظ فى الحال أنه لا صلة البتة بين المسيح وإبراهيم، لأن السلسلة تنتهى، لا بمريم أم المسيح التى جاء منها المسيح، بل بيوسف النجار، الذى لا تربطه علاقة أبوة بالمسيح، اللهم إلا إذا قلنا كما يقول من يكفرون بالله وبالمسيح، ولسنا منهم، إن يوسف النجار هو أبوه، وهى فضيحة نكراء نعوذ بالله منها وممن يقولونها، ومنهم مؤلف إنجيل متى كما هو واضح للأسف. وتقول الأناجيل بكلام صريح مباشر إن يوسف هو أبوه فعلا، وقد جاء هذا الكلام على لسان أمه فيما جاء.
وهو ما يؤكده النص التالى المأخوذ من مطلع إنجيل توما "And a certain Jew when he saw what Jesus did, playing upon the Sabbath day, departed straightway and told his father Joseph: Lo, thy child is at the brook, and he hath taken clay and fashioned twelve little birds, and hath polluted the Sabbath day"، إذ يقول المؤلف إن أحد اليهود الغيارى على الشريعة الموسوية، حين رأى عيسى الصغير يصنع يومَ سبتٍ من الطين طيرًا، ذهب من فوره إلى "أبيه يوسف" وشكا له ما صنع ابنه من الاعتداء على حرمة اليوم المقدس. ومثله قول مؤلف ذلك الإنجيل فى موضع آخر إن عيسى ذهب ذات يوم لزراعة القمح مع "والده" فى حقلهم:"Again, in the time of sowing the young child went forth with his father to sow wheat in their land: and as his father sowed, the young child Jesus sowed also one corn of wheat"...، وغير ذلك من المواضع التى وُصِف فيها يوسف بأنه "أبوه". بل إننا لنقرأ أن يوسف، تعجُّبًا من المعجزات التى كان يعملها عيسى الصغير، قد دعا ربه شاكرا أنْ أعطاه غلاما مثله: " Happy am I for that God hath given me this young child". وفى "يسوع ابن الإنسان" لجبران خليل جبران كلام على لسان يوحنا بن زبدى أحد الحواريين مؤداه أن أباه رجل من البشر: "قد وُلِد يسوع الناصرى ونشأ مثلنا، وكان أبوه وأمه كوالدينا، وكان هو إنسانا مثلنا" (المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران خليل جبران المعرّبة عن الإنجليزية/ دار صادر- دار بيروت/ بيروت/ 1964م/ 236). ولا ننس أيضا أن سلسلة النسب الآنفة تذكر أن عيسى هو ابن داود، ومعروف من هو داود فى العهد القديم! إنه الزانى القتال المجرم الأثيم، المنتسب إلى يهوذا ولوط الزانيين بمحارمهما: الأول بزوجة ابنه، والثانى ببنتيه اللتين حبلتا منه، أستغفر الله وأستلعنه على من كتب هذا الكفر المبين المبير!
وها هى ذى نصوص من العهد الجديد تقول بصريح كلام لا لبس فيه إن عيسى هو ابن يوسف. ونبدأ بما جاء فى لوقا فى الإصحاح الثالث: "23وَلَمَّا ابْتَدَأَ يَسُوعُ كَانَ لَهُ نَحْوُ ثَلاَثِينَ سَنَةً، وَهُوَ عَلَى مَا كَانَ يُظَنُّ ابْنَ يُوسُفَ، بْنِ هَالِي، 24بْنِ مَتْثَاتَ، بْنِ لاَوِي، بْنِ مَلْكِي، بْنِ يَنَّا، بْنِ يُوسُفَ، 25بْنِ مَتَّاثِيَا، بْنِ عَامُوصَ، بْنِ نَاحُومَ، بْنِ حَسْلِي، بْنِ نَجَّايِ، 26بْنِ مَآثَ، بْنِ مَتَّاثِيَا، بْنِ شِمْعِي، بْنِ يُوسُفَ، بْنِ يَهُوذَا، 27بْنِ يُوحَنَّا، بْنِ رِيسَا، بْنِ زَرُبَّابِلَ، بْنِ شَأَلْتِيئِيلَ، بْنِ نِيرِي، 28بْنِ مَلْكِي، بْنِ أَدِّي، بْنِ قُصَمَ، بْنِ أَلْمُودَامَ، بْنِ عِيرِ، 29بْنِ يُوسِي، بْنِ أَلِيعَازَرَ، بْنِ يُورِيمَ، بْنِ مَتْثَاتَ، بْنِ لاَوِي، 30بْنِ شِمْعُونَ، بْنِ يَهُوذَا، بْنِ يُوسُفَ، بْنِ يُونَانَ، بْنِ أَلِيَاقِيمَ، 31بْنِ مَلَيَا، بْنِ مَيْنَانَ، بْنِ مَتَّاثَا، بْنِ نَاثَانَ، بْنِ دَاوُدَ، 32بْنِ يَسَّى، بْنِ عُوبِيدَ، بْنِ بُوعَزَ، بْنِ سَلْمُونَ، بْنِ نَحْشُونَ، 33بْنِ عَمِّينَادَابَ، بْنِ أَرَامَ، بْنِ حَصْرُونَ، بْنِ فَارِصَ، بْنِ يَهُوذَا، 34بْنِ يَعْقُوبَ، بْنِ إِسْحَاقَ، بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بْنِ تَارَحَ، بْنِ نَاحُورَ، 35بْنِ سَرُوجَ، بْنِ رَعُو، بْنِ فَالَجَ، بْنِ عَابِرَ، بْنِ شَالَحَ، 36بْنِ قِينَانَ، بْنِ أَرْفَكْشَادَ، بْنِ سَامِ، بْنِ نُوحِ، بْنِ لاَمَكَ، 37بْنِ مَتُوشَالَحَ، بْنِ أَخْنُوخَ، بْنِ يَارِدَ، بْنِ مَهْلَلْئِيلَ، بْنِ قِينَانَ، 38بْنِ أَنُوشَ، بْنِ شِيتِ، بْنِ آدَمَ، ابْنِ الله". ثم نثنّى بما جاء فى الإصحاح الرابع منه: "22وَكَانَ الْجَمِيعُ يَشْهَدُونَ لَهُ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ كَلِمَاتِ النِّعْمَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ فَمِهِ، وَيَقُولُونَ: «أَلَيْسَ هذَا ابْنَ يُوسُفَ؟»". ثم نثلّث بما قاله مَنء يقولون إنه يوحنا فى الإصحاح الأول من الإنجيل المنسوب له: "43فِي الْغَدِ أَرَادَ يَسُوعُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْجَلِيلِ، فَوَجَدَ فِيلُبُّسَ فَقَالَ لَهُ:«اتْبَعْنِي». 44وَكَانَ فِيلُبُّسُ مِنْ بَيْتِ صَيْدَا، مِنْ مَدِينَةِ أَنْدَرَاوُسَ وَبُطْرُسَ. 45فِيلُبُّسُ وَجَدَ نَثَنَائِيلَ وَقَالَ لَهُ:«وَجَدْنَا الَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءُ يَسُوعَ ابْنَ يُوسُفَ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ». 46فَقَالَ لَهُ نَثَنَائِيلُ:«أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟» قَالَ لَهُ فِيلُبُّسُ:«تَعَالَ وَانْظُرْ»". ثم نربّع بما كتبه مؤلف إنجيل يوحنا فى الإصحاح السادس منه: "41فَكَانَ الْيَهُودُ يَتَذَمَّرُونَ عَلَيْهِ لأَنَّهُ قَالَ:«أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ». 42وَقَالُوا: «أَلَيْسَ هذَا هُوَ يَسُوعَ بْنَ يُوسُفَ، الَّذِي نَحْنُ عَارِفُونَ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ؟ فَكَيْفَ يَقُولُ هذَا: إِنِّي نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ؟» 43فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ:«لاَ تَتَذَمَّرُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ. 44لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ" (ولنلاحظ أنه عليه السلام لم ينكر عليهم نسبتهم إياه إلى يوسف النجار!). ثم نخمّس الآن بما ورد فى الإصحاح الثانى مما يسمى: إنجيل لوقا: "25وَكَانَ رَجُلٌ فِي أُورُشَلِيمَ اسْمُهُ سِمْعَانُ، وَهَذَا الرَّجُلُ كَانَ بَارًّا تَقِيًّا يَنْتَظِرُ تَعْزِيَةَ إِسْرَائِيلَ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ كَانَ عَلَيْهِ. 26وَكَانَ قَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ أَنَّهُ لاَ يَرَى الْمَوْتَ قَبْلَ أَنْ يَرَى مَسِيحَ الرَّبِّ. 27فَأَتَى بِالرُّوحِ إِلَى الْهَيْكَلِ. وَعِنْدَمَا دَخَلَ بِالصَّبِيِّ يَسُوعَ أَبَوَاهُ، لِيَصْنَعَا لَهُ حَسَبَ عَادَةِ النَّامُوسِ، 28أَخَذَهُ عَلَى ذِرَاعَيْهِ وَبَارَكَ اللهَ وَقَالَ: 29«الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، 30لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ، 31الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. 32نُورَ إِعْلاَنٍ لِلأُمَمِ، وَمَجْدًا لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ»" (ولنلاحظ هنا أيضا وصف سمعان ليسوع بأنه عبد الله لا ابنه سبحانه). ثم نسدّس بهذا النص من نفس الإصحاح حيث تؤكد مريم لابنها أن أباه هو يوسف: "41وَكَانَ أَبَوَاهُ يَذْهَبَانِ كُلَّ سَنَةٍ إِلَى أُورُشَلِيمَ فِي عِيدِ الْفِصْحِ. 42وَلَمَّا كَانَتْ لَهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً صَعِدُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ كَعَادَةِ الْعِيدِ. 43وَبَعْدَمَا أَكْمَلُوا الأَيَّامَ بَقِيَ عِنْدَ رُجُوعِهِمَا الصَّبِيُّ يَسُوعُ فِي أُورُشَلِيمَ، وَيُوسُفُ وَأُمُّهُ لَمْ يَعْلَمَا. 44وَإِذْ ظَنَّاهُ بَيْنَ الرُّفْقَةِ، ذَهَبَا مَسِيرَةَ يَوْمٍ، وَكَانَا يَطْلُبَانِهِ بَيْنَ الأَقْرِبَاءِ وَالْمَعَارِفِ. 45وَلَمَّا لَمْ يَجِدَاهُ رَجَعَا إِلَى أُورُشَلِيمَ يَطْلُبَانِهِ. 46وَبَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ وَجَدَاهُ فِي الْهَيْكَلِ، جَالِسًا فِي وَسْطِ الْمُعَلِّمِينَ، يَسْمَعُهُمْ وَيَسْأَلُهُمْ. 47وَكُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوهُ بُهِتُوا مِنْ فَهْمِهِ وَأَجْوِبَتِهِ. 48فَلَمَّا أَبْصَرَاهُ انْدَهَشَا. وَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ:«يَا بُنَيَّ، لِمَاذَا فَعَلْتَ بِنَا هكَذَا؟ هُوَذَا أَبُوكَ وَأَنَا كُنَّا نَطْلُبُكَ مُعَذَّبَيْنِ!»". وبطبيعة الحال فنحن المسلمين لا نقول بهذا، بل نؤمن أنه وُلِد دون أب من البشر، لكن هذا لا يجعل منه عليه الصلاة والسلام ابنا لله، إنما هو عبد من عباده سبحانه (كما جاء على لسان سمعان الكاهن)، ونبى من أنبيائه.
4- وفى محاولة من كذابنا الكندى لإثبات صدق التثليث نراه يقول، فى تفسير الكلام التالى الذى كتبه مؤلف سفر "الخروج" فى الإصحاح الثالث منه: "13فَقَالَ مُوسَى ِللهِ: «هَا أَنَا آتِي إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَقُولُ لَهُمْ: إِلهُ آبَائِكُمْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. فَإِذَا قَالُوا لِي: مَا اسْمُهُ؟ فَمَاذَا أَقُولُ لَهُمْ؟» 14فَقَالَ اللهُ لِمُوسَى: «أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ». وَقَالَ: «هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَهْيَهْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ».15وَقَالَ اللهُ أَيْضًا لِمُوسَى: «هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: يَهْوَهْ إِلهُ آبَائِكُمْ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. هذَا اسْمِي إِلَى الأَبَدِ وَهذَا ذِكْرِي إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ"، إن الله هنا قد "جدَّد ذكر التوحيد وأَلْغز عن سرّ الثالوث حيث قال: إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب، فكرر بذلك القول ذكر الثلاثة الأقانيم بعد ذكر التوحيد كما كان قديمًا، فهو واحد ذو ثلاثة أقانيم لا محالة، لأنه أجمل في قوله: "إله آبائكم"، ثم قال مكررًا اسم الجلالة ثلاث مرات. فإن قلنا إنها ثلاثة آلهة أشركنا، وإن قلنا إله واحد مكررًا ثلاث مرات نكون قد دفعنا للكتاب حقه، لأنه قد كان يمكنه أن يقول: إله آبائكم إبراهيم وإسحق ويعقوب". يقصد البكاش صاحب الثلاث ورقات أنه قال أولا: "إله آبائكم"، وهذا توحيد لأنه ذكر كلمة "إله" مرة واحدة، ثم عاد فقال: "إله إبراهيم، وإله إسحاق، وإله يعقوب" مكرِّرًا كلمة "إله" هنا ثلاث مرات. ولو لم يكن يقصد الثالوث فى العبارة الأخيرة لقال بدلا منها: "إله آبائكم إبراهيم وإسحق ويعقوب" دون تكرير كلمة "إله" فى كل مرة مع اسم كل نبى من الأنبياء الثلاثة. ولاحظ أولا قوله إن الله قد "ألغز عن سر الثالوث"، وكأن الله طارح ألغاز، وكأننا فى سمرٍ شتوى أمام موقد نتدفّأ ونتحاكى الحواديت والفوازير تقصيرا لليل الشتاء الطويل! كذلك من المضحك لجوؤه إلى الزعم بأن عبارة "إله آبائكم" توحيد، على حين أن عبارة "إله إبراهيم، وإله إسحاق، وإله يعقوب" تعديد، رغم أن هذه هى تلك، وأن أحمد هو الحاج أحمد بقضه وقضيضه لا يزيد ولا ينقص. وإلا فلو قلت عن نفسى مثلا إننى أستاذ محمد، وأستاذ سيد، وأستاذ نبيل، أأكون حينئذ ثلاثة أساتذة أو ثلاثة أقانيم فى أستاذ؟ فماذا لو قلت إننى أستاذ فلان وفلان وفلان وفلان وفلان وفلان وفلان وفلان... حتى بلغت بالعدد عدة ألوف كما ينبغى أن أقول عن نفسى لأن تلاميذى يعدون فعلا بالألوف، أأكون فى هذه الحالة آلاف الأساتيذ معا أو آلاف الأقانيم فى أستاذ؟ إن هذا الغبى لا يفقه شيئا فى أساليب اللغة، فإن قولنا: "إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب" هو نفسه قولنا: "إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب" لا يزيد ولا ينقص، اللهم إلا أن فى التكرار شيئا من التأكيد، كما أن فى تكرار "لا" فى قولنا مثلا: "لا أحب البطاطس ولا القلقاس" تأكيدا للنفى لا وجود له فى قولنا: "لا أحب البطاطس والقلقاس"، وكما فى تكرار أية عبارة أخرى لتثبيتها فى الذهن أو للتنبيه إلى أهميتها أو خطورتها مثل قول الواحد منا: "أنا أكره الثرثرة. قلت لك: إنى أكره الثرثرة. ألا تفهم؟ أنا أكره الثرثرة. بالله عليك كُفّ عن اللت والعجن، فأنا أكره الثرثرة"، ومثل قول عبد الحليم حافظ: "أَحبِّكْ، أَحبِّكْ، أَحِبِّكْ يا حياة قلبى"، وقول عايدة الشاعر: "أنا أحبَّك، أنا انا احبَّكْ" عدة مرات وترديد الفتيات وراءها هذه الجملة فى كل مرة، وإلا فهل كل من العندليب الأسمر ومطربة الأفراح أقانيم متعددة؟ فهذا كل ما هنالك. أما قول مجادلنا الصغير العقل إن الله لو لم يكن يقصد الثالوث فى العبارة الأخيرة لقال بدلا منها: "إله آبائكم إبراهيم وإسحق ويعقوب" فالرد عليه هو أنه قالها يا كذاب يا مداور فى الآية التى بعد ذلك مباشرة حيث نقرأ ما نصه: "16اِذْهَبْ وَاجْمَعْ شُيُوخَ إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمُ: الرَّبُّ إِلهُ آبَائِكُمْ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ"، وقالها أيضا فى الإصحاح الثالث من سفر "الخروج": "16اِذْهَبْ وَاجْمَعْ شُيُوخَ إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمُ: الرَّبُّ إِلهُ آبَائِكُمْ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ"، إذ لم يقل: "إله إبراهيم، وإله إسحاق، وإله يعقوب"، بل قال: "إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب"، دون أن يكرر كلمة "إله"! فما القول فى ذلك؟ كذلك أرجو من القارئ العزيز أن يتنبه إلى أن كلمة "إله" فى الكتاب المقدس يمكن أن تُطْلَق على البشر أيضا (حاجة ببلاش كده!)، فالله سبحانه وتعالى يقول لموسى عليه السلام فى أول آية من الإصحاح السابع من سفر "الخروج": "فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «انْظُرْ! أَنَا جَعَلْتُكَ إِلهًا لِفِرْعَوْنَ. وَهَارُونُ أَخُوكَ يَكُونُ نَبِيَّكَ"، وهو ما يدل على أن الكتاب المقدس لا ينبغى أن يؤخذ بكل تلك الجديّة.
ثم إن معنى كلامه هو أن إله إبراهيم كان هو الآب، على حين أن إله إسحاق كان هو الابن، وإله يعقوب هو الروح القدس مثلا. فمن هو يا ترى إله موسى؟ ومن هو إله داود؟ ومن إله سليمان؟ ومن إله زكريا؟ بل من إله كل نبى من الأنبياء؟ ترى أهو إلهٌ قطّاعىّ؟ ولماذا لم يقل يهوه ذلك بوضوح مباشر بدلا من هذا اللف والدوران الذى يليق ببهلوان فى سيرك لا بإله؟ وإذا كان قد فاته هذا هنا فلماذا لم يستدركه بعد ذلك؟ بل لماذا لم يقله منذ آدم وانتظر إلى زمن موسى؟ بل على الأقل لماذا لم يقله منذ إبراهيم المنسوب له هذا الكلام وانتظر حتى كليم الله؟ ولماذا لم يقله موسى إذن بوضوح إذا كان يقصد هذا؟ بل لماذا لم يبشّر موسى بعيسى نفسه؟ ولماذا لم يقل إبراهيم بصريح العبارة إن الله ثالوث فيريح ويستريح؟ إن المسيح ذاته لم يقلها، فكيف نصدق بما يقوله كاتب الرسالة المدلس؟ وبالمناسبة فقد جاء فى النص السابق أن الله سوف يُدْعَى إلى الأبد: "أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ"، ثم نراه عقب ذلك يقول إن اسمه "يَهْوَه"، وهو ما يربك العقل، إذ لا يعرف الإنسان أى من الاسمين هو المقصود، وإن كان التاريخ قد أثبت أن هذا وذاك كلام فى الهواء، لأنه ما إن جاء المسيح حتى لم يعد أحد يسميه بهذا الاسم أو ذاك، إذ يقول النصارى إنه هو الآب، ثم جاء محمد فقال وقلنا معه إنه هو "الله"! أما قول صاحبنا المداور المفتئت على الحق: "فأي دليل أوضح من هذا إلا لمن عاند الحق الذي أودعه في كتبه التي أنزلها على أنبيائه، وهي في أيدي أصحاب التوراة؟ إلى هذا الوقت لم يكونوا يفهمونه حتى جاء صاحب السرّ الذي هو المسيح سيدنا وكشفه لنا"، فليس له من معنى إلا أن كل الأنبياء قبل عيسى عاشوا وماتوا دون أن يعرفوا أن الله ثلاثة أقانيم، أى ماتوا جهلاء بالدين الحق! بل إن عيسى نفسه لم يتطرق إلى أى ذكر للتثليث! وأيا ما يكن الأمر فماذا نحن قائلون فى كلام يعقوب التالى، وهو موجود فى الإصاح الثانى والثلاثين من ذات السفر: "9وَقَالَ يَعْقُوبُ: «يَا إِلهَ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَإِلهَ أَبِي إِسْحَاقَ، الرَّبَّ الَّذِي قَالَ لِيَ: ارْجعْ إِلَى أَرْضِكَ وَإِلَى عَشِيرَتِكَ فَأُحْسِنَ إِلَيْكَ. 10صَغِيرٌ أَنَا عَنْ جَمِيعِ أَلْطَافِكَ وَجَمِيعِ الأَمَانَةِ الَّتِي صَنَعْتَ إِلَى عَبْدِكَ. فَإِنِّي بِعَصَايَ عَبَرْتُ هذَا الأُرْدُنَّ، وَالآنَ قَدْ صِرْتُ جَيْشَيْنِ. 11نَجِّنِي مِنْ يَدِ أَخِي، مِنْ يَدِ عِيسُوَ، لأَنِّي خَائِفٌ مِنْهُ أَنْ يَأْتِيَ وَيَضْرِبَنِي الأُمَّ مَعَ الْبَنِينَ. 12وَأَنْتَ قَدْ قُلْتَ: إِنِّي أُحْسِنُ إِلَيْكَ وَأَجْعَلُ نَسْلَكَ كَرَمْلِ الْبَحْرِ الَّذِي لاَ يُعَدُّ لِلْكَثْرَةِ»" حيث قال" إله إبراهيم، وإله إسحاق" فقط، أى أنه كرر كلمة "إله" مرتين لا ثلاثا؟ ترى هل ينبغى أن نفهم من هذا أن الله ثَانُوءٌ لا ثالوث؟ ألا يرى القارئ أننا أمام أمرٍ كلّه هزلٌ لا جِدّ فيه؟
وفى دفاعه عن التثليث يسأل الكندى خصمه وصديقه المسلم قائلا: "ألا تعلم أن الواحد لا يُقال له واحدًا إلا على ثلاثة أوجه: إما في الجنس، وإما في النوع، وإما في العدد. ولستُ أرى أحدًا يدَّعي غير هذا، أو يقدر أن يجد غير هذه الأوجه الثلاثة. فإن قلت إنه واحد في الجنس صار واحدًا عامًّا لأنواع شتى، لأن حكم الواحد في الجنس هو الذي يضمّ أنواعًا كثيرة مختلفة، وذلك مما لا يجوز في الله. وإن قلت إنه واحد في النوع صار ذلك نوعًا عامًّا لأقانيمَ شتَّى، لأن حكم النوع يضم أقانيمَ كثيرةً في العدد. وإن قلت إنه واحد في العدد، كان ذلك نقضًا لكلامك أنه واحد فرد صمد، لأنه لو سألك سائل عن نفسك: كم أنت؟ لا تقدر أن تجيبه أنك واحد فرد. فكيف يقبل عقلك هذه الصفة التي لا تُفضِّل إلهك عن سائر خلقه؟ وليتك مع وصفك إياه بالعدد كنت وصفته أيضًا بالتبعيض والنقصان. ألا تعلم أن الواحد الفرد بعض العدد، لأن كمال العدد ما عمَّ جميع أنواع العدد، فالواحد بعض العدد، وهذا نقضٌ لكلامك. فإن قلت إنه واحد في النوع، فللنوع ذواتٌ شتَّى لا واحدٌ فرد. وإن قلت إنه واحد في الجوهر، نسألك: هل تخالف صفةُ الواحد في النوع عندك صفةَ الواحد في العدد؟ أو هل تعني واحدٌ في النوع واحدًا في العدد لأنه عام؟ فإن قلت: قد تخالف هذه تلك، قلنا لك: حدّ الواحد في النوع عند أهل الحكمة اسم يعمّ أفرادًا شتَّى، وواحد الواحد ما لا يعمّ غير نفسه. فهل تقرّ أن الله واحد في الجوهر يعم أشخاصًا شتى، أو هل هو شخص واحد؟ وإن كان معنى قولك إنه واحد في النوع واحد في العدد، فإنك لم تعرِّف الواحد في النوع ما هو وكيف هو، ورجعت إلى كلامك الأول أنه واحد في العدد، وهذه صفة المخلوقين. وإن قلتَ: هل تقدر أنت أن تصف الله واحدًا في العدد إذا كان كزعمك الواحد في العدد بعضًا وليس بكامل؟ قلنا لك: إننا نصفه واحدًا كاملاً في الجوهر مثلّثًا في العدد، أي في الأقانيم الثلاثة، فقد كملت صفته من الوجهين جميعًا. أما وصفنا إياه واحدًا في الجوهر فلأنه أعلى من جميع خَلْقه، لا يشبهه شيء منها ولا يختلط في غيره، بسيط غير كثيف وروحاني غير جسماني، أب على كل شيء بقوة جوهره من غير امتزاج ولا اختلاط ولا تركيب. وأما في العدد فلأنه عام لجميع أنواع العدد لأن العدد لا يُعَدّ، وإن تكن أنواعه نوعين زوجًا وفردًا، فقد دخل هذان النوعان في هذه الثلاثة. فبأي الأنحاء وصفناه لم نعدل عن صفة الكمال شيئًا كما يليق به. فوَصْفنا الله واحدًا ليس على ما وصفته أنت. وأرجو أن يكون هذا الجواب مقنعًا لك وللناظر في كتابنا هذا، إذا نظر بعين الإنصاف".

يتبـــع