أما تفسير قول سيدنا يوسف لملك مصر ﴿ اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ﴾ بأنه طلب منه لوزارة الخزانة أو المالية، وأنه أثناء توليه لهذا المنصب لم يطبق في حكمه شريعة يعقوب وإنما نظام الملك غير القائم على أساس العدل هو تفسير فيه تعسف كبير، وحَيْدٌ واضح عن مذهب الحق . ولا بد من الوقوف على بعض النقاط لتجلية الموضوع .

l إن واقع الحكم في تلك الفترة كان ملكياً، والنظام الملكي في التاريخ أخذ شكلين :

أحدهما : النظام الملكي المطلق حيث كان الملك هو الحاكم بأمره، المستبد برأيه، فما يراه يجب أن يسير عليه الناس، ولا يعقب أحد على حكمه . وكانت تتجمع في يده السلطات الثلاث : التشريعية والتنفيذية والقضائية . وكان يعين أعوانه ويعزلهم متى شاء، وقد يختارهم لولائهم له أو تزلفهم له، أو لحصافة رأيهم وحسن تدبيرهم . وهؤلاء الأعوان يكفي أن يكونوا موالين له مطيعين، حتى تطلق أيديهم فيحكموا بأمرهم ويستبدوا برأيهم ويصبحوا صورة مصغرة عن الملك .

ثانيهما : النظام الملكي المقيَّد، وقد أضحى الملك في هذا النظام صورة أكثر منه حقيقية، حيث نزعت منه صلاحياته المطلقة . وصارت السيادة في هذا النظام للدستور والقانون وليس للملك . وقامت هيئات تشريعية تسن القوانين بدل الملك، وهيئات تنفيذية تنفذها بدل الملك، وأخرى قضائية تقضي في الخصومات وتفض المنازعات بين الناس بدل الملك . وهذا الشكل عرف بعد انتشار فكرة الديمقراطية مؤخراً . لذلك سمي النظام الملكي المقيّد . فأي شكل من هذين الشكلين أخذه نظام الملك في مصر زمن يوسف عليه السلام ؟ .

إنه لا يتصور أن ملك مصر زمن يوسف عليه السلام كان مقيداً بدستور ونظام . وما ورد من كلمة ( دين الملك ) لم تكن على المعنى الذي أوردوه أي: شريعة الملك . وإن قياس نظام الملك زمن يوسف عليه السلام على أنظمة اليوم التي تحكم تصرفات الحكام هو قول فيه مجانبة للصواب، وفيه قياس خاطئ .

l إن طلب سيدنا يوسف من الملك أن يجعله على خزائن الأرض واجابته إلى طلبه، لا يعني أن طلبه هذا متعلق بالحكم . والموضوع الذي ذكره القرآن كان محصوراً بموضوع الرؤيا، ولم يتعدّه إلى سواه . وهو متعلق بغلال القمح وسنوات الخصب وسنوات الجدب، وما يجب العمل فيها .
فطلب سيدنا يوسف أن يسند إليه أمر تخزين القمح وتدبير التوزيع في سنوات الخصب بما يتناسب مع ما سيأتي من سنوات الجدب، من غير أن يفرط في مهمته ولا أن يخون . وهذه مهمة صعبة لا يستطيع أن يقوم بأعبائها إلاّ من كان مكيناً، أميناً، حفيظاً، عليماً، كيوسف عليه السلام، حتى إن ما حدث بين يوسف وإخوته كان متعلقاً تحديداً بهذا الموضوع .

ونحن لا نستطيع أن نجعله يتجاوز هذا الإطار، وأن نوسع دائرة مهمة سيدنا يوسف من عندنا . ولا يحق لنا القول إن مهمته هذه كانت متعلقة بسنة قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك، وأهل بيته وجنده ورعيته . وهذه لا بد أنها ستجري بحسب نظام الملك وليس شريعة يعقوب . فهذا التوسع يحتاج إلى دليل .

l يلاحظ أن الملك عندما أعجب بفصاحة رأي يوسف ورجحان عقله ونزاهته، قربه منه، وأعطاه صلاحية تدبير هذا الأمر الجلل الذي شغله منذ أن رأى رؤياه . ولا بد أن يكون قد أطلق يده في ذلك كي لا يتدخل فيه أحد .

l ويلاحظ أن سيدنا يوسف لم يفسِّر رؤيا الملك فحسب، بل أعطاه العلاج والتدبير المناسب . مما دفع الملك إلى الاطمئنان إلى طلب يوسف عليه السلام أن يجعله على خزائن الأرض وإطلاق يده . ولم يقل له : عندي شريعة أو نظام يجب أن تسير عليه . بل رضي بتفسيره للرؤيا ووضعه للعلاج فقلده وظيفة التخزين والتوزيع على رأيه .

l لا بد أنه بعد أن أتت سنوات الجدب، صار يوسف هو الملجأ الذي يلجأ إليه الناس لينقذوا أنفسهم من الجوع، ولا بد أنه قد صار حديث الركبان بعدله وتدبيره . وهذا من شأنه أن يعزز مركزه عند الملك ويجعله أكثر تقرباً منه . وقد يكون هذا هو الذي مكنه من الانتقال من كونه العزيز، كما خاطبه إخوته بقولهم: ﴿ يا أيها العزيز ... ﴾، إلى إيتائه الملك بعد مجيء والديه إليه من البدو حيث دعا ربه فقال: ﴿ رب قد آتيتني من الملك ... ﴾، ومن ثم قوله تعالى عنه: ﴿ ورفع أبويه على العرش ﴾ مما يعني أن الأمر قد انتقل إليه في النهاية .

l إن الحكم الوحيد الذي ذكر القرآن أنّ سيدنا يوسف نفذه هو استرقاق أخيه بحسب شريعة يعقوب . فلماذا لم يؤخذ بمخالفته لنظام الملك إن كان للملك نظام ثابت خاص ؟ .

l إنه لا يتصور أن يصدر من سيدنا يوسف عليه السلام أية مخالفة شرعية، ذلك لأنه نبي معصوم، وصفه ربه بأنه كان محسناً ومخلصاً وتقياً . وهو الذي فضل السجن على الغواية . وهو الذي كان يدعو في السجن، وهو الذي رفض أن يخرج من السجن دون أن تظهر براءته، وهو الذي بعفته ونزاهته أعجب به كفار مجتمعه، من امرأة العزيز إلى نسوة المدينة إلى صاحبي السجن إلى الملك حتى إخوته قبل أن يكشفوا أمره .