خرافة الغرانيق

وفي المساء تقابلنا مرة اخرى مع القس العجوز لنكمل الحوار .

الشيخ : أيها القس ، في نهاية حديثنا صباحاً قتلت : يا شيخ إن خجلي من هذا السؤال كثير وإن بعض الأخلاق تفعل بالانسان وتفعل. العفو يا شيخ أرجوا الاعراض عن هذا المسلك الذي قطعت به كلامك. ولنعد إلى كلامنا الأول وسامحني فيما بدر مني .

الشيخ: سل واستوضح لكي ترفع عن طريق عرفانك كل حجر عثرة.

القس : إن نبيكم لم قرأ في مكة بمحضر المشركين سورة (النجم الآيتان: 18 و 19) وتلا قوله: (أرأيت اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى) قال على الأثر: " تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى " فكيف يا شيخ يبعث الله رسولا لدعوة الإيمان بالله وتوحيده وهو يعلم أنه يمجد الأوثان بمحضر المشركين ويقدسها بالصفات السامية.

الشيخ: هل رأيت حكاية الغرانيق في القرآن. هل وجدتها في الأحاديث المتواترة. هل وجدت روايتها متصلة السند بالرجال الثقات إلى من شاهد الواقعة. هل وجدتها في جوامع المسلمين الصحاح أو الحسان. هل وجدت المسلمين يعترفون بها. هل وجدت رواتها مرضيين بالاتقان والديانة عند عموم المسلمين.

القس: لم أجد شيئا من ذلك. بل وجدت جميع أهل السنة والشيعة من المسلمين يعدونها خرافة كفرية.

يقول النسفي :
إن القول بها غير مرضي.

ويقول البيضاوي : إن القول بها مردود عند المحققين.

ويقول الخازن في تفسيره: إن العلماء وهنوا أصل الفقه وذلك أنه لم يروها أحد من أهل الصحة ولا أسندها ثقة بسند صحيح أو سليم متصل وإنما رواها المفسرون والمؤرخون " أي بعضهم " المولعون بكل غريب، الملفقون من الصحف كل صحيح وسقيم. والذي يدل على ضعف هذه القصة اضطراب روايتها وانقطاع سندها. وأنكرها القاضي عياض وقال نحو قول الخازن.

وفي السيرة الحلبية : إن هذه القصة طعن فيها جمع وقالوا إنها باطلة وضعها الزنادقة.

وقال الرازي في تفسير هذه القصة باطلة موضوعة لا يجوز القول بها.

وقال البيهقي: رواة رواة هذه القصة كلهم مطعون فيهم.

وقال النووي نقلا عنه: وأما ما يرويه الإخباريون والمفسرون أن سبب سجود المشركين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ما جرى على لسانه من الثناء على آلهتهم فباطل لا يصح منه شئ لا من جهة النقل ولا من جهة العقل.

وفي سيرة السيد أحمد دحلان أن قصة الغرانيق أثبتها بعض المحدثين والمفسرين ونفاها آخرون وقالوا إنها كذب لا أصل لها. والذين أثبتوها اختلفوا فيها والمحققون على أنها ليست من كلام النبي ( ) بل من كلام الشيطان ألقاها إلى أسماع المشركين ولم يسمعها المسلمون.

وقيل إن بعض المشركين نطق بتلك الكلمات في خلال قراءة النبي ( ).

" يا شيخ " وإن من المفسرين من يريد أن يبين سعة اطلاعه ومعرفته بأسباب نزول القرآن فيتشبث لذلك حتى بالواهيات فذكروا قصة الغرانيق سببا لنزول قول القرآن في مكة في الآية الثانية والخمسين من سورة الحج مكية نزلت في مساء واقعة الغرانيق في السنة الخامسة من البعثة بالنبوة. مع أن سورة الحج مدنية بأجمعها كما هي رواية ابن عباس وابن الزبير وقتادة والضحاك وغيرهم. دع عنك الرواية ولكن سورة الحج لا يمكن أن تكون مكية فإن فيها ذكر الصد عن المسجد الحرام ولم يكن ذلك إلا بعد الهجرة. وفيها الأمر بالأذان بالناس في الحج وأنهم يأتون رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق.

ولم يكن ذلك إلا بعد الهجرة بسنين. وفيها الإذن بالقتال ولم يكن ذلك إلا بعد الهجرة. وفيها الأمر بالجهاد ولم يكن ذلك إلا بعد الهجرة. " يا شيخ " وقد رأيت ما ذكره من اضطراب هذه الحكاية وتناقض نقولها في الجزء الأول من كتاب الهدى صحيفة 124 إلى 128 وذكرت ما ذكرته هنا إضافته لذلك.

الشيخ: أيها القس ، إذن كيف تقول: إن نبيكم قال: تلك الغرانيق العلى.

القس: سامحني يا سيدي فإني في أول الأمر وجدت ذلك في كتاب جمعية " الهداية " المطبوع بمعرفة المرسلين الأمريكان في الجزء الأول صحيفة 62 وقد أبدوها بصورة الحقيقة الواضحة حيث قالوا: قال ابن عباس وجميع المفسرين سواء كانوا متقدمين أو متأخرين. وساقوا الحكاية. ووجدت الحكاية أيضا في الرحلة الحجازية للشيخ غريب ابن الشيخ عجيب. وقال فيها قال المفسرون. فحسبت من ذلك اعتمادا على أمانتهم أن المفسرين والمسلمين قد أجمعوا على صحة هذه الحكاية. ولكن بعض الأمور نبهتني على أنه لا ينبغي الاعتماد على كل ناقل فتتبعت الحكاية فوجدتها خرافة باطلة كما شرحته لك.

وزيادة على ذلك وجدت كتب السير تصرح بأنها تروي الضعيف والسقيم والمنقطع والمعضل كما قاله الحلبي في أول سيرته، وقال في عيون الأثر: سيرة الحافظ والذي ذهب إليه كثير من أهل العلم الترخص أي التساهل في الرقائق أي أخبار المغازي والحكايات. وقال الزين العراقي:

وليعلم الطالب أن السيرا ***** تجمع ما صح وما قد أنكرا

الشيخ: ايها القس ، ما هو الذي نبهتك على عدم الاعتماد على نقل أصحابك.

القس : الذي نبهني هو ما ذكرناه صحيفة 5 و 6 من أن جمعية كتاب الهداية قالت: لم يقل الله في التوراة " وبارك الله في اليوم السابع وقدسه " مع أن هذا الكلام بعينه موجود في التوراة. وما ذكرناه صحيفة 21 من دعوى الجمعية المذكورة أن القرآن ذكر لفظ قابيل لأنه على وزن هابيل: مع أن هذين الاسمين لا وجود لهما في القرآن أصلا. ورأيت هاشم العربي في الصحيفة الحادية عشر من الطبعة الأولى لتذييله لتعريب مقالة " سايل " والغريب ابن العجيب في رحلته صحيفة 97 يقولان: " وأيضا ورد في التكوين أن إسماعيل لما مات أبوه إبراهيم أتى فدفنه " وقد زادا من عندهما على التوراة لفظة " أتى " زيادة واضحة لأجل غرض فاسد، مع أنه لا توجد لفظة " أتى " ولا ما في معناها لا في الأصل العبراني ولا في التراجم بأقسامها. وإنما الموجود في العدد الثامن والتاسع من الفصل الخامس والعشرين من سفر التكوين أن إبراهيم مات بشيبة صالحة شيخا وشبعان وانضم إلى قومه ودفنه إسحاق وإسماعيل ابناه في مغارة المكفلية.

الشيخ: هل يوجد أيضا في التراجم زيادة اتفقت عليها مثل هذه الزيادة على الأصل العبراني.

القس: نعم يوجد ولكن هذه الزيادات منها ما هو تصحيح لنقصان عبارة التوراة ومنها ما هو زيادة من عند المترجمين.

القس: عد إلى قراءتك يا مكسيموس من حيث انتهيت.

مكسيموس: لنكمل غداً ايها القس العجوز .

إلى لقاء الغد بإذن الله .