ثانيًا: تهمة الإفراط في السجع


يقول النجار:

اقتباس
اقتباس:ولم يكن السجع غريباً على محمد، فقد قال الامام احمد : حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف عن زُرارة عن عبد الله بن سلام، قال : لما قدم رسول الله (ص) المدينة انجفل الناس، فكنت فيمن انجفل، فلما تبينت وجهه عرفت انه ليس بوجه كذاب، فكان اول شئ سمعته يقول : "أفشوا السلام، واطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام
مشكلة الناقد النجار أنه لا يعرف الفرق بين السجع والقافية، وبينهما وبين الفواصل، ولا يعرف متى يكون السجع محمودًا ومتى يكون مذمومًا، وما هو سجع الكهان وما هو السجع البليغ، وصدق عليه الوصف: كله عند العرب صابون.

فما يميز سجع الكهان عن غيره هو مكانة المعنى، فالكلام البليغ يجعل المعنى هو الأساس والسجع هو التابع، بينما سجع الكهان نرى فيه الإيغال في السجع على حساب المعاني.


فالنبي صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم، والدراسات في الأحاديث النبوية –وإن كانت قليلة- تثبت ذلك، فانظر إلى جمال التجنيس في قوله صلى الله عليه وسلم: ( الظلم ظلمات يوم القيامة )، وانظر إلى بديع قوله: ( لا تزال أمتي بخير ما لم تر الغنى مغنمًا، والصدقة مغرمًا )، كيف استعمل الطباق والسجع، وأدى الوظيفة البيانية في المعنى على أتم وجه، مع الإيجاز التام دون الإضرار بالمعنى.


ومثله ما ذكره النجار: (أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام ) فهذه الجملة الموجزة جمعت في طياتها أسباب دخول الجنة، وتطرقت إلى جوانب المعاملة مع الناس، فلم تجعل عبادة الله هي الوحيدة في دخول الجنة، وأدت معنىً بليغًا قبل الحفاظ على السجع، فاهتم بالمفاضلة بين الناس في الأعمال فقال ( صلوا بالليل والناس نيام )، كان بإمكانه أن يقول: ( وصلوا القيام ) مع المحافظة على السجع لو كان هذا مقصده، وكان بإمكانه القول: ( وحجوا البيت الحرام ) مع محافظته على السجع، لكن الحج مختلف عن العبادات الأخرى وليس شرطًا لدخول الجنة، لكن أنى للنجار أن يرى هذا !


قارن بين هذا الكلام وبين كلام الكهان، ودع الحكم لفطرتك، فمن قول الكهان: ( يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول لا إله إلا الله ) (البخاري في المناقب: إسلام عمر)، انظر إلى هذا السجع القلق، وانظر إلى المعاني غير المترابطة والتي لا تؤدي معنى متحدًا، فأين هذا من كلام رسول الله؟


بل كان النبي صلى الله عليه وسلم من أشد الناس كراهية للتكلف في الكلام، وكان يقول: (هلك المتنطعون) (رواه مسلم وأبو داود)، والتنطع هو التعمق والتفاصح في الكلام، وانظر للرجل الهذلي حين خاصم في دية الجنين فقال: يا رسول الله، كيف أغرم دية من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل؟ فمثل ذلك يطل (أي بهدر دم)، فقال صلى الله عليه وسلم: إنما هذا من إخوان الكهان ، وفي رواية: أسجع الجاهلية وكهانتها ؟


فهذا السجع هو سجع الكهان المصنوع، وكان المعنى فيه تابعًا للفظ وليس العكس، لكن النجار يرى أن كل سجع هو سجع كهان! وهو علامة سلبية دائمًا وليست بلاغية!


ثم يقول النجار:

اقتباس
اقتباس:والسجع هو العمود الفقري في لغة القرآن، لدرجة ان محمداً قد غير اسماء اماكن واشياء لتتماشى مع السجع في السورة. فمثلاً في سورة التين، الاية الثانية، نجد ان "طور سيناء" قد تغير الى "طور سينين" ليتماشى مع السجع :

1- "والتين والزيتون"
2- "وطور سينين"
3- "وهذا البلد الامين"
4- "لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم".

وليس هناك بالطبع مكان او جبل اسمه طور سينين، وكلمة طور نفسها ليست كلمة عربية وانما كلمة عبرية وتعني " جبل"، وهذا الجبل في سيناء، ولذلك دُعي جبل سيناء او طور سيناء. ونجده قد استعمل الاسم الصحيح في سورة "المؤمنون" الاية 20 : "وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغٍ للآكلين".
يبدو أن النجار لا يملك مصحفًا كاملاً بل ما بين أيديه هو جزء عم أو ملصقات فيها آيات قرآنية.


فأين ذهبت السور الطوال؟ وأين السجع المتكلف في سور البقرة والتوبة والنساء والمائدة والنور؟ إذ يبدو الآن أن القرآن بـ"نصف" أو "ربع" عمود فقري!


أما استدلاله على "تغيير" أسماء الأعلام من أجل المحافظة على الفواصل (وليس السجع)، دليل على جهله المطقع، فالأسماء الأعجمية لا قاعدة لتعريبها، وقد ذهبت العرب مذاهب شتى في تعاملها مع الأسماء الأعجمية، فترى قولهم سِيناء وسَيناء وسينا، وترى اسم "أفلاطون" بدلاً من اسمه الحقيقي بلاتو Plato، وسموا يوحنا يحيى ويوحنس، وقالوا أرسطو وأرسطوطاليس، ونحن نقول "واشنطن" مع أن الإنجليزية تخلو من الطاء.


فما يعنينا هو أنه لا قاعدة في تعريب الاسم الأعجمي وما يسميه النجار "تغيير" ليس تغييرًا حقيقيًا وإنما استعمال صحيح، فالعرب أضافوا الياء والنون إلى الاسم الأعجمي كما في صفين وحطين ويبرين، واستعمال القرآن للفظ (سينين) استعمال صحيح راعى فيه أيضًا الفواصل القرآنية.


ومن الطريف قوله "استعمل الاسم الصحيح في آية أخرى"!


ومثاله أيضًا ما هذاه النجار بعد ذلك:

اقتباس
اقتباس:ونجد في سورة الانعام، الآية 85، ذكر بعض الانبياء : "وزكريا ويحيي وعيسى وإلياس كل من الصالحين". ونجد كذلك في سورة الصافات، الاية 123 إلياس يُذكر مرة اخرة : "وان إلياس لمن المرسلين". ولكن فجأةً في الآية 130 من نفس السورة يتغير اسمه ليصبح إلياسين، ليتماشى مع السجع : "سلام على إلياسين". وهذه ليست "آل ياسين" وانما "إل ياسين" بكسر الالف الاولى.
اقتباس
وأغلب القرآن مسجوع لان السجع، كالشعر، يسهل حفظه. وألانسان البدائي تعلم الرقص والغناء والشعر آلاف السنين قبل أن يتعلم الكتابة. ولم يتعلم الانسان النثر الا بعد أن تعلم الكتابة، لصعوبة حفظ النثر.
ينطبق على "إلياس" ما ينطبق على "سيناء"، ثم ألا ترى أن "إلياس" هو تعريب "إيليا"؟ أم أن هذا للحفاظ على السجع أيضًا؟

لقد راعى القرآن الفواصل حفاظًا على الإيقاع الموسيقي له دون شذوذ، وحافظ على المعنى الأصلي دون تشويه له، فإذا كان الناقد النجار يرى أن هذا يطيح بالبلاغة القرآنية، فما وجه ذلك يا ترى ونحن نعلم أن البلاغة متعلقة بإيصال المعنى على أتم وجه؟

ثم نرى الناقد النجار يتخبط في أفكاره ويحشو بعضًا من النظريات العلمية في التطور هنا، فيقول أن الدافع لهذا السجع هو سهولة الحفظ! طبعًا بعد أن كان سببه الكهانة والشعر!


اقتباس
اقتباس:وتجاهل بعض الناس هذه الحقيقة البسيطة في اندفاعهم لجعل القرآن المرجع الوحيد لما حدث ويحدث في العالم. فالبروفسير حميد الله يذكر في مقدمة ترجمته للقرآن الى اللغة الفرنسية أن الله ذكر القلم في أول سورة أُنزلت على النبي، ليؤكد أهمية القلم كأداة في تطور علم الانسان. ويستمر البروفسير ويقول إن هذا يؤكد كذلك اهتمام النبي بجمع القرآن وحفظه مكتوباً30. وطبعاً البروفسير حميد الله قد نسى أن العلماء قد قدروا أن ألانسان البدائي ظهر على هذه الارض قبل حوالي سبعة ملايين من السنين، وتعلم اثناء تطوره الصيد وصناعة ألالآت وصناعة القوارب والحراب، وتعلم كذلك ان ينظم الشعر وان يرسم وتعلم فن القصص (الفولكلور الشعبي) وصناعة الملابس واشياء أخرى مثل اكتشاف النار والزراعة، ألاف السنين قبل أن يتعلم القراءة ويخترع القلم.

ويتفق العلماء أن اختراع اللغة هو الذي سهّل للانسان الاتصال بالناس الآخرين ونقل الافكار بينهم، وبالتالي تكون اللغة هي أداة تقدم ألانسان وليس القلم كما يقول بروفسير حميد الله. وإذا كان القلم والقراءة بهذه الاهمية عند الله حتى انه ذكر القلم في أول سورة انزلها على النبي، لماذا أختار الله رسولاً أمياً لا يقرأ ولا يكتب، حسب زعم المسلمين؟

وبما أن القرآن لم يكن يُكتب في البداية، وكان أعتماد المسلمين على الذاكرة، كان الاعتماد على السجع أفضل وسيلة لمساعدتهم على حفظه. ولكن مشكلة السجع تكمن في التكرار خاصة اذا كانت السورة طويلة، لان الساجع يجد صعوبة في ايجاد كلمات كثيرة متماشية مع القافية. فنجد أن السور الطويلة يتغير فيها السجع عدة مرات، وتتكرر بعض الكلمات عدة مرات، وفي بعض الاحيان يشتق القرآن بعض الكلمات اشتقاقاً على غير المعهود لتماشي السجع.
وأنا أسأله: هل عاش محمد قبل ملايين السنين حتى تفترض هذه الفرضية الحمقاء؟

ومن أين عشت وهم (لم يكتب القرآن في البداية)؟ وما دليلك على ذلك؟ أم هو جهل مركب؟

فالقرآن كان مكتوبًا منذ الأيام الأولى للإسلام، ولعل حادثة إسلام الفاروق دليل على ذلك:

وكان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن فخرج عمر يوما متوشحا سيفه يريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورهطا من أصحابه قد ذكروا له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا ، وهم قريب من أربعين ما بين رجال ونساء ومع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمه حمزة بن عبد المطلب ، وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق وعلي بن أبي طالب ، في رجال من المسلمين رضي الله عنهم ممن كان أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة ، فلقيه نعيم بن عبد الله فقال له أين تريد يا عمر ؟ فقال أريد محمدا هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش ، وسفه أحلامها ، وعاب دينها ، وسب آلهتها ، فأقتله فقال له نعيم والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدا أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم ؟ قال وأي أهل بيتي ؟ قال ختنك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو ، وأختك : فاطمة بنت الخطاب ، فقد والله أسلما ، وتابعا محمدا على دينه فعليك بهما ، قال فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه وعندهما خباب بن الأرت معه صحيفة فيها : " طه " يقرئهما إياها ، فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب في مخدع لهم - أو في بعض البيت وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها ، وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب عليهما ، فلما دخل قال ما هذه الهينمة التي سمعت . قالا له ما سمعت شيئا ، قال بلى والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه وبطش بختنه سعيد بن زيد ، فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها ، فضربها فشجها ، فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه نعم قد أسلمنا ، وآمنا بالله ورسوله فاصنع ما بدا لك : فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع فارعوى ، وقال لأخته أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرءون آنفا أنظر ما هذا الذي جاء به محمد وكان عمر كاتبا ، فلما قال ذلك قالت له أخته إنا نخشاك عليها ، قال لا تخافي ، وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها إليها ، فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت له يا أخي ، إنك نجس على شركك ، وإنه لا يمسها إلا الطاهر فقام عمر فاغتسل فأعطته الصحيفة وفيها : " طه " فقرأها ، فلما قرأ منها صدرا ، قال ما أحسن هذا الكلام وأكرمه فلما سمع ذلك خباب خرج إليه فقال له يا عمر والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه فإني سمعته أمس وهو يقول اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب فالله الله يا عمر فقال له عند ذلك عمر فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم فقال له خباب هو في بيت عند الصفا ، معه فيه نفر من أصحابه فأخذ عمر سيفه فتوشحه ثم عمد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فضرب عليهم الباب فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنظر من خلل الباب فرآه متوشحا السيف فرجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم وهو فزع فقال يا رسول الله هذا عمر بن الخطاب متوشحا السيف فقال حمزة بن عبد المطلب : فأذن له فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له وإن كان جاء يريد شرا قتلناه بسيفه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ائذن له " ، فأذن له الرجل ونهض إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى لقيه في الحجرة فأخذ حجزته أو بمجمع ردائه ثم جبذه به جبذة شديدة وقال " ما جاء بك يا بن الخطاب ؟ فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة " ، فقال عمر يا رسول الله جئتك لأومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله قال فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمر قد أسلم . فتفرق أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكانهم وقد عزوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وينتصفون بهما من عدوهم

فلا أدري كيف افترض عدم كتابة القرآن وبنى عليه عقيدته تلك، ومن ثم ربطها بنظرية التطور!

وإذا كان السجع يسهل حفظ القرآن، فماذا عن الجزء المدني الأصعب؟ خصوصًا أنه يتحدث عن الشريعة ودستور المسلمين؟

أما اختيار النبي ليكون أميًا وعلاقته بأهمية القراءة، فلعل إيمانه بأن أميًا أصدر مثل هذا الكلام يجعله يعي معنى المعجزة.

إن هو إلا تخرص وإن هم إلا يظنون!


اقتباس
اقتباس:فإذا أخذنا مثلاً سورة مريم، من ألآية الثانية حتى ألآية الثالثة والثلاثين نجد آخر كلمة من كل آية تنتهي ب"يا"

2- "ذكرُ رحمة ربك عبده زكريا"
3- "إذ نادى ربه نداءً خفيا"
ثم في ألآيتين 34 و35 تتغير القافية الى "ون"
34- "ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون"
35- "ما كان لله أن يتخذ من ولدٍ سبحانه إذا قضى شيئاً أن يقول له كن فيكون"
ثم تتغير الى "ميم" في ألآيتين 36 و 37
36- "وإن الله ربي وربكم فأعبدوه هذا سراط مستقيم"
37- "فأختلف الاحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يومٍ عظيم"
ثم ترجع الى النون مرة أخري في ألآيات 38 و 39 و 40
40- "إنا نحن نرث الارض ومن عليها والينا يرجعون"
ثم نرجع للقافية الاولى "يا" في ألآيات من 41 الى 74
41- "واذكر في الكتاب ابراهيم انه كان صديقاً نبيا"

ثم تتغير القافية الى "دا" مثل جُنداً و ولداً الى نهاية السورة.

وادخال آيتين أو ثلاثة في منتصف السورة بسجع يختلف عن معظم آيات السورة حمل بعض الدارسين الى القول بأن هذه ألآيات أُضيفت الى السورة لاحقاً ولم تكن جزءً منها في البداية.
مرة أخرى نرى المنهج البهلواني في بناء العقيدة عنده،

من هم هؤلاء الباحثين؟

وماذا قالوا بالضبط؟

وما هي تلك الآيات التي أضيفت لاحقًا؟

وما دليلهم على ذلك؟

وأين كانت قبل إضافتها؟

وهل تتفق مع السياق أم لا؟

نلاحظ أن تغير الفاصلة كان في:

ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون

فهل يرى عقل النجار أن هذه الآية دخيلة على السياق؟! وأنها لا تمت للموضوع بصلة؟

إن كانت هذه هي أسباب إلحاده فالدنيا لا زالت بخير!

ثم إن افتراضه صعوبة إيجاد كلمات على نفس الفاصلة يتناقض مع واقع سورة مريم، فانتهاء الفاصلة بالواو والنون اقتصر على آيتين فقط، بينما كان بإمكان النبي صلى الله عليه وسلم أن يضيف ما لا حصر له من الكلمات لأن الواو النون تلحق بالأسماء والأفعال لتدل على جمع المذكر السالم، لكننا لا نرى هذا بل نجد أن النص اكتفى بفاصلتين فقط مما يدل على أن السجع غير مقصود.



تعقيبًا على تهمة التكلف في السجع


لو كان السجع هو العمود الفقري للقرآن كما يزعم النجار، فلماذا نرى آيات مسجوعة وقد دخلت بينها آية مخالفة؟

لنقرأ سورة الفاتحة:

( الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين )

لماذا أقحم محمد آية (الرحمن الرحيم) إن كان أسلوبه السجع؟ كان بإمكانه عدم وضعها من الأساس وجعل السجع أفضل.

لكن هذا كلام رب العالمين وليس كلام كاهن ولا شاعر، فالمعاني والمقاصد الإلهية لا تحكمها ولا تحدها قافية ولا فاصلة، ومن العبر المستخلصة من سورة الفاتحة ما أنوء بذكره هنا، لكن ما فائدة الكلام مع من أغلق عقله وكان أمره فرطًا.

ولننظر إلى سورة الضحى، ولنتأمل نص الآيات:

( والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى * وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى )

تأمل اختيار لفظ (قلى) فلم يقل (قلاَك)، وليس ذلك رعاية للفاصلة، فإن حذف المفعول هو لتحاشي خطابه تعالى حبيبه المصطفى في مقام الإيناس، بقوله: (ما قلاك)، لما في القلي من الطرد، والإبعاد وشدّة البغض وهو في الوقت نفسه أَظهر المفعول في (ودًعك)، إذ ليس فيه شيء يُكْرَه، بل هو يؤذن بالفراق على كُرْه، مع رجاء العود.

ولو كان السجع هو القصد، لما غيره في آخر آية:

(فأما اليتيم فلا تقهر * وأما السائل فلا تنهر * وأما بنعمة ربك فحدث )

فكان بإمكانه الإتيان بلفظ (خَبِر) بدلاً من (حدث) ليراعي الفواصل، إلا أن هذا لم يحدث.

واختيار اللفظ (حدث) دقيق جدًا، فالحديث يكون إخبارًا عن النفس دون إسناده للغير، بينما الإخبار يكون عن النفس وعن الغير، إذ يقال: فلان يحدث نفسه، ولا يقال يخبر نفسه. (معجم الفروق لأبي هلال العسكري).

ولما كانت سورة الضحى خطابًا حنونًا للنبي صلى الله عليه وسلم جاء الأمر مخصوصًا به، فاستخدم لفظ (حدث) للإخبار عن نعم الله عليه، فتصدر مباشرة منه، ولا يركن بها إلى غيره لإخبار الناس.

فما أروعها من فصاحة، وما أجملها من بلاغة، وما أعظمها من معجزة فريدة.


لكن أنى للنجار أن يدرك هذه المعاني..