الحدُّ الفاصلُ بينَ الإيمان ِوالكفر

الحمدُ للهِ القائل ِفي محكم ِالتنزيل ِ:( ومن يكفرْ بالإيمان ِفقد حَبـِط َعَمَلـُهُ وهوَ في الآخرةِ منَ الخاسرينَ{5} ) المائدة.

الإخوة ُالأكارمُ : لا بدَّ ابتداءً من أن نـَعرفَ الكافرَ من المؤمن , وما هوَ الحدُّ الأدنى من الإيمان ِ؟

إخوتي وأحبتي
: ألا فلتعلموا أن الكفرَ نقيضُ الإيمان ِ, وكما قيلَ بالأضدادِ تـُعرفُ الأشياء .

فلا بُدَّ من تعريفِ الإيمان ِوالوقوفِ عندَهُ وقوفاً صحيحاً , فالإيمانُ وكما عرَّفـَهُ علماءُ الأصول ِرضوانُ اللهِ تعالى عليهم أجمعينَ : بأنهُ التصديقُ الجازمُ المطابقُ للواقع ِعن دليل ٍـ وهوَ تعريفٌ جامعٌ مانعٌ ـ فالمؤمنُ باللهِ يُصدِّقُ تصديقاً جازماً ويقطعُ بأن اللهَ وحدَهُ خالقُ الكون ِوالإنسان ِوالحياةِ. والكافرُ باللهِ من لم يُصدِّقْ بذلكَ بل يُكذبُ ـ وقد يصدقُ ـ ولكنهُ تصديقٌ غيرُ جازم ٍبوحدانيتِهِ , كاليهودِ والنصارى .

والإنسانُ بطبعهِ يشعرُ بعجزهِ ونقصهِ واحتياجهِ , وأنهُ محتاجٌ إلى خالق ٍمدبرٍ, بغضِّ النظرِ عن ماهيَّةِ هذا الخالق, وهذا الشعورُ فطريٌّ وحتميٌّ , وهو موجودٌ عندَ المسلم ِوعندَ غيرهِ , وهو جزءٌ من تكوين ِ الإنسان ِ. ولا يُمكنُ أن يخلوَ منهُ أو ينفصلَ عنهُ , وهذا هو التدينُ , وواقعهُ أنهُ غريزة ٌ طبيعية ٌثابتة ٌ.
والمظهرُ الذي يَظهرُ بهِ هذا التدينُ هو التقديسُ لِما يعتقدُ أنهُ الخالقُ المدبرُ .
فقد يظهرُ التقديسُ بمظهرهِ الحقيقيِّ فيكونُ عبادة ً. وقد يظهرُ بأقلِّ صورةٍ فيكونُ تعظيماً وتبجيلاً .

ولذلكَ نجدُ الإنسانَ بطبعهِ مُتديناً منذ ُأوجدَهُ اللهُ على الأرض ِ, فتراهُ وقد عَبَدَ شيئاً وعَظـَّمَهُ ! فقد عَبَدَ الكواكبَ والنجومَ , والشمسَ والقمرَ, والنارَ والبشرَ, والأصنام َوالشجرَ, والبحارَ والأنهارَ, كما عبَدَ اللهَ كذلك .
ولا نجدُ عصراً من العصورِ إلاَّ وقد عَبَدَ الإنسانُ فيهِ شيئاً , فتقرَّبَ منهُ وهابَهُ , وأحسَّ بعَظمَتِهِ وقدَّسَهُ , حتى المُلحدينَ باللهِ , والمستهزئينَ بأنبيائِهِ ورسلِهِ , والمُكذبينَ برسالاتِهِ , قد صَرَفوا غريزة َالتدين ِعندَهُم عن وجهـِها الحقيقيِّ . فتحولوا عن العبادَةِ الصحيحةِ للهِ , إلى عبادةِ المخلوقاتِ فقدَّسوا الطبيعة َ, وألـَّهُوا الرجالَ, وبعضَ أصحابِ الفخامَةِ والمَعالي . وهكذا انحرفت عبادتـُهُم عن ِالوُجهَةِ الصحيحةِ. فعَبَدُوا المخلوقَ دونَ الخالق ِوأشركوهُ معهُ. وما أفظعَ أن ينصرفَ الإنسانُ عن مقتضى طبيعتِهِ وفطرتِهِ .

أمَّا الإسلامُ : فهوَ الإستسلامُ المطلقُ للهِ الخالق ِالمدبرِ جلَّ وعلا.

وأما الإيمان : فهو التصديقُ الجازمُ باللهِ وملائكتهِ وكتبهِ ورسلهِ واليوم ِالآخرِ, وبالقدرِ خيرِهِ وشرهِ منَ اللهِ تعالى , والتصديقُ كذلكَ بمَا انبثقَ من العقيدةِ : كالبعثِ والنشورِ, والحسابِ والصراطِ , وأن نعيمَ الجنةِ محسُوسٌ لا خيالَ ولا رُآى , وسعيرَ النارِ كذلكَ .

والإيمانُ بأن اللهَ يُحيي ويُميتُ , وما يَتبعُ هذهِ الأفكارُ من أحكام ٍ, كعصمةِ الأنبياءِ ومعجزاتِـهم , وأن الرزقَ بيدِ اللهِ وحدَهُ , وأن انتهاءَ الأجل ِهو السببُ الوحيدُ للموتِ . وهذا كلـُّهُ من المسائل ِالإعتقاديةِ وليسَ من الأحكام ِالعمليةِ . فمن اعتقدَ بها فهوَ مؤمنٌ , ومن أنكرَها فهو كافر.
وكافرٌ كذلكَ من أنكرَ الأحكامَ العملية َالتي ثبتت بدليل ٍقطعيٍّ في ثبوتهِ قطعيٍّ في دلالتِةِ كالصلاةِ , أو الصوم ِأو الزكاةِ أو الحجِّ أو الخمار.

هذا هوَ الإيمانُ الذي حَرِصَ عليهِ رسولُ اللهِ كلَّ الحِرص ِ, ويظهرُ ذلكَ في قولِهِ تعالى : ( لعلـَّكَ باخعٌ نفسَكَ ألاَّ يكونوا مؤمنين {3} ) الشعراء .

كما ويظهرُ كذلكَ فيما جاءَ في صحيح ِمسلمَ عن سعيدِ بن ِالمُسيِّبِ عن أبيهِ رضيَ اللهُ عنهُ قال : ( لمَّا حضرَتْ أبا طالبٍ الوفاة ُجاءَهُ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ فوجَدَ عندَهُ أبا جهل ٍوعبدَ اللهِ بنَ أبي أمية َ بن ِالمغيرةِ فقالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ : ( يا عمُّ , قلْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ , كلمة ٌأشهدُ لكَ بها عندَ الله ) فقالَ أبو جهل ٍ, وعبدُ اللهِ بنُ أبي أمية َيا أبَا طالبٍ : أترغبُ عن مِلـَّةِ عبدِ المطلب ؟؟ فلم يَزلْ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ يَعرِضُهَا عليهِ , ويُعيدُ لهُ المقالة َحتى قالَ أبو طالبٍ آخِـرَ ما كلمَهُم : هوَ على ملةِ عبدِ المطلبِ , وأبَى أن يقولَ : لا إلهِ إلاَّ اللهُ . فقالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلم : ( أمَا واللهِ لأستغفرنَّ لكَ ما لم أنهَ عنك ) .
وهنا يذكرُ المفسرونَ أن الله تباركَ وتعالى أنزل آية ًتمنعُ الرسولَ من أن يستغفرَ للكفار ولو كانوا أولي قربى , فقال عزَّ من قائل : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعدِ ما تبينَ لهم أنهم أصحابُ الجحيم {113} ) التوبة .

وفي حديثٍ أخرَ صحيح ٍعندَ مسلم ٍعن أميرِ المؤمنينَ عثمانَ بن ِعفان ٍرضيَ اللهُ تعالى عنهُ قال : قالَ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ : ( من ماتَ وهوَ يعلمُ أنهُ لا إلهَ إلاَّ اللهُ دخلَ الجنة ) ويعلمُ هنا تعني يعتقدُ , وهي تدلُّ على القطع ِواليقين ِ, تماماً كما في قولِهِ تعالى : ( فاعلمْ أنهُ لا إلهَ إلاَّ اللهُ {19} ) محمد. أي : فاعتقد بوجودِ اللهِ وَوَحدانيته .

وعند مسلم ٍكذلكَ عن جابرِ بن ِعبدِ اللهِ رضيَ اللهُ تعالى عنهما قال : أتى النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ رجلٌ فقال: يا رسولَ اللهِ مَا المُوجـِبَتان ِ؟ فقالَ عليهِ السلامُ : ( من ماتَ لا يُشركُ باللهِ شيئاً دَخلَ الجنة َ, ومن ماتَ يُشركُ باللهِ شيئاً دخلَ النار) .

هذا هوَ الحدُّ الأدنى من الإسلام , فمن شكَّ أو ظنَّ , أو أنكرَ أو جَحَدَ شيئاً منهُ فقد كفرَ. ومثلـُهُ كذلكَ مَنْ جَحَدَ ما كانَ قطعيَّ الثبوتِ قطعيَّ الدلالةِ منَ كتابٍ أوسُّنةٍ , أوشيئاً من أيِّهـِمَا فقد كفرَ والعياذ ُباللهِ .

فمَن جَحَدَ آية َ:( ومن لم يَحكُمْ بما أنزلَ اللهُ فأولئكَ هُمُ الكافرونَ {44}) المائدة .

فهوَ تماماً كمن جَحَدَ ركعتي سنة َ الفجرِ, لأنهُمَا قد ثبتـَتا بطريق ِالتواترِ, مصداقاً لقولِهِ تعالى : ( وإن يأتوُكُم أسارى تـُفادُوهُم وهوَ مُحرمٌ عليكُم إخراجُهم , أفتؤمنونَ ببعض ِالكتابِ وتكفرونَ ببعض ٍ, فما جزاءُ من يفعلُ ذلكَ منكم إلاَّ خزيٌ في الحياةِ الدنيا ويومَ القيامةِ يُردُّونَ إلى أشدِّ العذابِ , وما اللهُ بغافل ٍعمَّا تعملون {85} ) البقرة . والحُكمُ الذي أنكرُوهُ هنا هوَ حُكمُ الأسرى الواردِ في الآيةِ .

وعليهِ فلا يجوزُ قطعاً أن نأخذ َالأحكامَ الشرعية َبالهوى أو التشهي , أو أن نفرِّقَ أو نفاضلَ بينَ آيةٍ وأخرى, أو حكم ٍوآخرَ لقولِهِ تعالى : ( قل كلٌ من عندِ اللهِ , فما لهؤلاءِ القوم ِلا يكادونَ يفقهونَ حديثاً {78}) النساء.
وقولِهِ محذراً المخالفينَ , ومتوعداً المتنطعينَ : ( إنَّ الذينَ يكفرونَ باللهِ ورُسُلِهِ ويُريدونَ أن يُفرِّقوا بينَ اللهِ ورُسُلِهِ ويقولونَ نؤمنُ ببعض ٍونكفرُ ببعض ٍ ويُريدونَ أن يتخذوا بينَ ذلكَ سبيلا{150} أولئكَ هُمُ الكافرونَ حقاً , وأعتدنا للكافرينَ عذاباً مُهيناً {151} ) النساء .

وأمَّا من التمسَ في غيرِ الإسلام ِإيماناً فاعتقدَ الشيوعية َ, أو الديمقراطية َالعلمانية َوآمنَ بها أو دعا إليها فقد كفر, بدليل ِقولِهِ تعالى : ( ومن يكفرْ بالإيمان ِفقد حَبـِط َعملـُهُ وهوَ في الآخرةِ منَ الخاسرينَ {5}) المائدة .

والإيمانُ لا يكونُ إلاَّ مَعَ الإسلام ِلقولِهِ تعالى : ( ومن يَبتغ ِغيرَ الإسلام ِديناً فلن يُقبَـلَ منهُ وهوَ في الآخرةِ منَ الخاسرينَ {85} ) آل عمران .

فلا يصحُّ القولُ بإيمان ِأهل ِالكتابِ ولا يجوزُ. لقول ِاللهِ تباركَ وتعالى : ( إنَّ الذينَ كفروا من أهل ِالكتابِ والمشركينَ في نارِ جهنمَ خالدينَ فيها, أولئكَ هُمْ شرُّ البريَّةِ{7} ) البينة.
وقولهِ : ( ما يَودُّ الذينَ كفروا من أهل ِالكتابِ ولا المشركينَ أن يُنزَّلَ عليكم من خيرٍ من رَبِّكم {105} ) البقرة .

هذا هو الكفرُ الذي يستحقُّ صاحبُهُ الخلودَ في جهنمَ, وهوَ كامنٌ بإنكار العقيدةِ الإسلاميةِ وجُحودِها . أو الشكِّ في القطعيَّ منها , حتى ولو كانَ في حكم ٍقطعيٍّ واحدٍ كإنكارٍ حدِّ السرقةِ , أو حدِّ الزنا مثلاً , هذا من ناحيةِ الإعتقادِ .

ولا يُستثنى من هذا كلـِّهِ غيرُ حالةٍ واحدةٍ : ( وهيَ الإكراهُ الملجأ ُالذي يَحملُ الإنسانَ على التلفظِ بالكفرِ دونَ أن يُأثـِّرَ في اعتقادِهِ , وإنما يظلُّ معتقداً بالعقيدةِ الإسلاميةِ مطمئناً إليها . وهو ما يأخذ ُحكمَ الرخصةِ, وقد أجازَهُ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ وإن كانت العزيمة ُأن يَثبتَ على الحقِّ ولو أدَّى بهِ إصرارُهُ على الإيمان ِ إلى القتل ِ. بدليل ِترخيص ِالشارع ِالتلفظ َ بالكفرِ تـُقية ًدونَ اعتقادٍ , كما في قولِهِ تعالى : ( من كفرَ باللهِ من بعدِ إيمانِهِ إلاَّ مَن أكرِهَ وقلبُهُ مُطمئنٌ بالإيمان ِ ولكنْ من شرحَ بالكفرِ صدراً فعليهم غضبٌ منَ اللهِ ولهم عذابٌ عظيمٌ {106} ) النحل .

مع العلم ِأن الأخذ َبالعزيمةِ أولى منَ الأخذِ بالرخصةِ , فقد قالَ عليهِ السلامُ في رسوليهِ إلى مُسيلِمِة َ:( أمَّا الأولُ فقد أخذ َبالعزيمةِ ، وأمَّا الثاني فأخذ َبالرخصةِ ) .



الحد الفاصل بين الإيمان والكفر- بقلم الأستاذ سعيد عبدالله الصالح