ومع ذلك ينبغي التفصيل في المسألة ، قال في أضواء البيان :

فقد ((وقع الخلاف بسبب نصين في المسألة:

الأول: حديث الشفاء بنت عبد الله قالت: " دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عند حفصة، فقال لي: " ألا تعلمين هذه رقبة النملة كما علمتيها الكتابة؟ " رواه المجد في المنتقى عن أحمد وأبي داود وقال بعده: وهو دليل على جواز تعلم النساء الكتابة.

والثاني: حديث عائشة رواه الحاكم وصححه البيهقي مرفوعاً: " لا تنزلوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة - يعني النساء - وعلموهن الغزل وسور النور " قال الشوكاني في نيل الأوطار، على حديث المنتقى وحديث الفساد، أعني تعليم الكتابة والقراءة.

أما تعليم العلم فليس محل خلاف، والواقع أن هذه المسألة واضحة المعالم، إذا نظرت كالآتي:

أولاً: لا شك أن العلم من حيث هو خير من الجهل، والعلم قسمان: علم سماع وتلقي، وهذه سيرة زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعائشة كانت القدوة الحسنة في ذلك في فقه الكتاب والسنة، وكم استدركت على الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وهذا مشهور ومعلوم.

والثاني: علم تحصيل بالقراءة والكتابة، وهذا يدور مع تحقق المصلحة من عدمها، فمن رأى أن تعلميهن مفسدة منعه، كما روي عن علي رضي الله عنه: أنه مرَّ على رجل يعلم امرأة الكتابة فقال: لا تزد الشر شراً.


وروي عن بعض الحكماء: أنه رأى امرأة تتعلم الكتابة، فقال: أفعى تسقى سماً، وانشدوا الآتي:

ما للنساء وللكتا == بة والعمالة والخطابة
هذا لنا ولهن منا == أن يبتن على جنابه

ومثله ما قاله المنفلوطي:

يا قوم لم تخلق بنات الورى == للدرس والطرس وقال وقيل
لنا علوم ولها غيرها == فعلّموها كيف نشر الغسيل
والثوب والإبرة في كفها == طرس عليه كل خط جميل


وهذا نظر إلى تعلميهن وموقفهن من زاوية واحدة. كما قال الشاعر الآخر:

كتب القتل والقتال علينا == وعلى الغانيات جر الذيول

مع أننا وجدنا في تاريخ المرأة نسوة شاركن في القتال، حتى عائشة رضي الله عنها كانت تسقي الماء، وأم سلمة تداوي الجرحى، إذ لا يؤخذ قول كل منهما على عمومه.

قال صاحب التراتيب الإدارية: "أورد القلنشدي أن جماعة من النساء كن يكتبن، ولم ير أن أحداً من السلف أنكر عليهم. اهـ.

ومن المعلوم رواية " كريمة " لصحيح البخاري، وهي من الرواية المعتبرة عن المحدثين، وهناك نسخة لسنن أبي داود عند آل المبارك وعليها تعليق لأخت صلاح الدين الأيوبي، وذكر صاحب التراتيب الإدارية قوله: وقد ثبت عن كثير من نساء أهل الصحراء الإفريقية خصوصاً شنقيط: شنجط، أي شنقيط، وهي المعروفة الآن بموريتانيا، وتيتبكتو، وقبيلة كنت العجب، حتى جاء أن الشيخ المختار الكنتي الشهير، ختم مختصر خليل للرجال، وختمته زوجته في جهة أخرى للنساء" . أ.هـ.

ومما يؤيد ما ذكره في أضواء البيان ما قاله الأخ "عبد" في منتدى أهل الحديث حين قال : أننا ونحن في بعثة الجامعة الإسلامية لإفريقيا، سمعنا ونحن في مدينة أطار وهي على مقربة من مدينة شنجيط المذكورة، سمعنا من كبار أهلها أنه كان يوجد بها سابقاً مائتا فتاة يحفظن المدونة كاملة. ، وقد سمعت في الآونة الأخيرة، أنه كانت توجد امرأة تدرس في المسجد النبوي، الحديث، والسيرة، واللغة العربية وهي شنقيطية.

ويجب أن تكون النظرة لهذه المسألة على ضوء واقع الحياة اليوم وفي كل يوم، وقد أصبح تعليم المرأة من متطلبات الحياة، ولكن المشكلة تكمن في منهج تعليمها، وكيفية تلقيها العلم

فكان من اللازم أن يكون منهج تعليمها قاصراً على النواحي التي يحسن أن تعمل فيها كالتعليم والطب وكفى.

أما كيفية تعليمها، فإن مشكلتها إنما جاءت من الاختلاط في مدرجات الجامعات، وفصول الدراسة في الثانويات في فترة المراهقة، وقلة المراقبة، وفي هذا يكمن الخطر منها وعليها في آن واحد، فإذا كان لا بد من تعليمها، فلا بد أيضاً من المنهج الذي يحقق الغاية منه ويتضمن السلامة فيه، والتوفيق من الله سبحانه.

أما ما يخشى عليها من الاتصال عن طريق الكتابة، فقد وجد ما هو أقرب وأسرع منها لمن شاءت وهو الهاتف في البيوت، فإنه في متناول المتعلمة والجاهلة. والمدار في ذلك كله على الحصانة التربوية والمتانة الدينية والقوة الأخلاقية.


وقد أوردت هذا المبحث الأخ "عبد" استطراداً لبيان وجهة النظر في المسألة، اقتباساً من قوله تعالى: { ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ } ،
وبالله التوفيق)). أ.هـ.