أما المرأة فلها حساب آخر .

كان الإسلام قد أباح للسيد أن يكون عنده عدد من الجواري من سبى الحرب (28) يستمتع بهن وحده ، ويتزوج منهن . وأوربا تستنكر هذا اليوم وتتعفف عن هذه الحيوانية البشعة التي تعتبر الجواري متاعاً مباحاً ، وأجساداً لا حرمة لها ولا كرامة ، كل مهمتها في الحياة إشباع لذة بهيمية بغيضة ، لرجل لا يرتفع عن مستوى الحيوان .

وجريمة الإسلام الحقيقية في هذا الأمر أنه لا يبيح البغاء ! فقد كانت أسيرات الحرب في البلاد الأخرى يهوين إلى حمأة الرذيلة بحكم أنه لا عائل لهن ، ولأن سادتهن لا يشعرن نحوهن بحمية العرض ، فيشغلونهن في هذه المهمة البغيضة ، ويكسبون من هذه التجارة القذرة : تجارة الأعراض . ولكن الإسلام – المتأخر – لم يقبل البغاء ، وحرص على حفظ المجتمع نظيفاً من الجريمة ، فقصر هؤلاء الجواري على سيدهن ، عليه إطعامهن وكسوتهن وحفظهن من الجريمة ، وإرضاء حاجتهن الجنسية – عرضاً – وهو يقضي حاجته .

أما ضمير أوربا فلا يطيق هذه الحيوانية ... ولذلك أباحت البغاء ومنحته رعاية القانون وحمايته ! وراحت تنشره عامدة في كل بلد وطئته أقدامها مستعمرة . فما الذي تغير من الرق حين تغير عنوانه ؟ وأين كرامة البغي وهي لا تملك رد طالب – وما يطلبها أحد إلا لأقذر معنى يمكن أن تهبط إليه البشرية : دفعة الجسد الخالصة التي لا تلطفها عاطفة ، ولا ترتفع بها روح ؟ وأين من هذه القذارة الحسية والمعنوية ما كان بين السادة والجواري في الإسلام ؟

لقد كان الإسلام صريحاً مع نفسه ومع الناس ، فقال : هذا رق . وهؤلاء جوار . وحدود معملتهن هي كذا وكذا . ولكن الحضارة المزيفة لا تجد في نفسها هذه الصراحة ، فهي لا تسمي البغاء رقا ، وإنما تقول عنه إنه " ضرورة اجتماعية " !

ولماذا هو ضرورة ؟

لأن الرجل الأوربي المتحضر لا يريد أن يعول أحداً : لا زوجة ولا أولاداً . يريد أن يستمتع دون أن يحتمل تبعة . يريد جسد امرأة يفرغ فيه شحنة الجنس . ولا يعنيه من تكون هذه المرأة ، ولا تعنيه مشاعرها نحوه ولا مشاعره نحوها . فهو جسد ينزو كالبهيمة ، وهي جسد يتلقى هذه النزوة بلا اختيار ، ويتلقاها لا من واحد بعينه ، ولكن من أي عابر سبيل .

هذه هي " الضرورة " الاجتماعية التي تبيح استرقاق النساء في الغرب في العصر الحديث . وما هي بضرورة لو ارتفع الرجل الأوربي إلى مستوى " الإنسانية " ولم يجعل لأنانيته كل هذا السلطان عليه .

والدول التي ألغت البغاء في الغرب المتحضر لم تلغه لأن كرامتها أوجعتها ، أو لأن مستواها الخلقي والنفسي والروحي قد ارتفع عن الجريمة . كلا ! ولكن لأن الهاويات قد أغنين عن المحترفات . ولم تعد الدولة في حاجة إلى التدخل !

وبعد ذلك يجد الغرب من التبجح ما يعيب به نظام الجواري في الإسلام ، ذلك النظام الذي كان قبل ألف وثلثمائة عام – وعلى أنه نظام غير مطلوب له الدوام – أكرم بكثير وأنظف بكثير من النظام الذي يقوم اليوم في القرن العشرين ، وتعتبره المدنية نظاماً طبيعيا ً، لا يستنكره أحد ، ولا يسعى في تغييره أحد ، ولا يمانع أحد في أن يظل باقياً إلى نهاية الحياة!

ولا يقل قائل إن هؤلاء " الهاويات " يتطوعن دون إكراه من أحد وهن مالكات لحريتهن الكاملة . فالعبرة بالنظام الذي يدفع الناس بأوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية والروحية إلى قبول الرق أو الوقوع فيه . ولا شك أن " الحضارة " الأوربية هي التي تدفع إلى البغاء وتقره ، سواء كان البغاء الرسمي أو بغاء المتطوعات الهاويات !

تلك قصة الرق في أوربا حتى القرن العشرين : رق الرجال والنساء والأمم والأجناس. رق متعدد المنابع متجدد الموارد ، في غير ضرورة ملجئة ، اللهم إلا خسة الغرب وهبوطه عن المستوى اللائق لبني الإنسان .

ودع عنك استرقاق الدولة الشيوعية لأفراد شعبها حتى لا يملك أحدهم حرية اختيار العمل الذي يريده ، ولا المكان الذي يعمل فيه ، واسترقاق أصحاب رؤوس الأموال للعمال في الغرب الرأسمالي حتى لا يملك أحدهم سوى اختيار السيد الذي يستعبده .

دع عنك هذا وذاك ، فقد تجد المجادلين عنه والمنافحين . ويكفي ما سردناه من ألوان الرق الصارخة الصريحة ، التي تتم باسم المدنية وباسم التقدم الاجتماعي ! ثم انظر هل تقدمت البشرية في أربعة عشر قرناً ، بعيداً عن وحي الإسلام ، أم إنها ظلت تنحدر وتتأخر ، حتى لتحتاج اليوم إلى قبس من هدي الإسلام ، يخرجها مما هي فيه من الظلام ؟ !