أولاً ليست " سينين " جمعاً كما توهم مثيرو هذه الشبهات ، الذين يقفون عند ظواهر الكلمات فإن وجدوا فيها ما يشبع رغبتهم فى التشفى من القرآن والتحامل عليه ملأوا الدنيا ضجيجاً ، وإن لم يجدوا ملأت قلوبهم الحسرة ، ورجعوا خائبين..
نعم ليست " سينين " جمعاً كما زعموا ، بل هى لغة فى "سيناء" بكسر السين ، كما أن " سَيناء " بفتح السين لغة فيها.
وبهاتين اللغتين: سِيناء ، بالكسر ، وسَيناء بالفتح وردت القراءات ، فهى إذن فى القرآن لها ثلاثة لغات:
- سِيناء بكسر السين.
- سَيناء بفتح السين.
- وسِينين ، بكسر السين وياءين ونونين.
كما أن البلد الحرام لها فى القرآن عدة أسماء (7): - مكــــة - بكــــة - أم القــرى - البلد الأمين.


ثانياً

2يقول المبهتون بفتح الهاء أن فى الأية الكريمة من سورة آل عمران(59) أن الصواب هو كلمة فكان بدلاً من فيكون, هل هناك جهل أعمى من ذلك ؟؟هل هناك قوم لهم آذان لايسمعون بها وعقول خربة مثل هؤلاء القوم؟؟ فلننظر إلى الآية كاملة إذاً وما سبب نزولها كي نوضح ماتعنيه ولما نزلت ولما كانت الكلمة كن فيكون وليست كن فكان.
أولاً الآية الكريمة(يقول تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، الحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين) (آل عمران:61- 59).
ثانياً سبب نزول الآية(يقول السيوطي في متناول تفسيره للآية: إنه على حسب رواية ابن عباس أن رهطًا من نجران قدموا على النبي « وكان فيهم السيد والعاقب، فقالوا: ما شأنك تذكر صاحبنا: وقال من هو؟ قالوا: عيسى تزعم أنه عبد لله، فقال: أجل، فقالوا: فهل رأيت مثل عيسى أو أنبئت به. ثم خرجوا من عنده، فجاء جبريل، فقال قل لهم: إذا أتوك (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم) الآيات إلى قوله: (من الممترين).
ويقول الواحدي تعليقًا على هذه الآية: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم): قال المفسرون: إن وفد نجران قالوا لرسول الله «: ما لك تشتم صاحبنا؟» قال: وما أقول؟ قالوا: تقول إنه عبد، قال: أجل إنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول، فغضبوا، وقالوا: هل رأيت إنسانًا قط من غير أب، فإن كنت صادقًا فأرنا مثله، فأنزل الله عزَّ وجَلَّ هذه الآية. وقد أورد السيوطي والواحدي عدة روايات في أسباب النزول تدور حول هذا المعني ولكنها من طرق أخرى وكلها تؤيد هذه الروايات التي ذكرناها.

والمعني الذي تشير إليه هذه الآية: أن مثل عيسى عند الله كمثل آدم كلاهما خلق خلقًا غريبًا فآدم خلق من غير أب وأم، خلقه اللَّه من تراب. وقدره جسدًا من طين، ثم قال له: كن فكان، أما عيسى فقد خلق من غير أب فقط فمن الأغرب في خلقه منهما؟ ولذلك جاء التشبيه على هذا النحو وهو تشبيه الغريب بالأغرب منه. والآية كما يقول الغرناطي: حجة على النصارى في قولهم: كيف يكون ابن دون أب، فمثَّله اللَّه بآدم الذي خلقه دون أم ولا أب، وذلك أغرب مما استبعدوه، فهو أقطع لقولهم.
ثالثاً لماذا كلمة فكان بدلاً من كلمة فيكون(أن المشبه أغرب وأخرق للعادة، فيكون ذلك أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته «ومن» لابتداء الغاية متعلقة بما عندها، والضمير المنصوب- لآدم- والمعني ابتدأ خلق قالبه من هذا الجنس ، (ثم قال له كن فيكون) أي صر بشرًا فصار، فالتراخي على هذا زماني إذ بين إنشائه مما ذكر وإيجاد الروح فيه وتصييره لحمًا ودمًا زمان طويل... ولكن يدور في الأذهان سؤال: لماذا عبر بالمضارع هنا فقال: كن فيكون، والحال أنه كن فكان؟. والتعبير بالمضارع مع أن المقام مقام المضي لتصوير ذلك الأمر الكامل بصورة المشاهد الذي يقع الآن إيذانًا بأنه من الأمور المستغربة العجيبة بشأن، وجوَّز أن يكون التعبير بذلك لما أن الكون مستقبل إلى ما قبله، و«ثم» هنا هى للتراخي في الإخبار لا في المخبر به، وحملوا الكلام على ظاهره، ولا يضر تقدم القول على الخلق في هذا الترتيب والتراخي- كما لا يخفى- والضمير المجرور عائد على ما عاد عليه الضمير المنصوب إذاً فهى لتراخي الخبر لا المخبر «فيكون» حكاية حال ماضية، والقول: بأنه عائد على عيسى ليس بشيء، لما فيه من التفكيك الذي لا داعي إليه ولا قرينة تدل عليه.
ويقول الإمام الشوكاني فى هذا الأمر (ولا يقدح في التشبيه اشتمال المشبه به على زيادة وهو كونه لا أم له، كما أنه لا أب له، فذلك أمر خارج عن الأمر المراد بالتشبيه وإن كان المشبه به أشد غرابة من المشبه وأعظم عجبًا وأغرب أسلوبًا. وأهل الكتاب الذين عرفوا قصة آدم وخلقه العجيب الغريب ولم يسمعوا أساطير مثل الأساطير التي صاغوها حول عيسى، فلماذا يقولون عن عيسى إن له طبيعة لاهوتية، وآدم أغرب منه في خلقه، إن العنصر الذي صار به آدم إنسانًا هو ذاته العنصر الذي صار به عيسى من غير أب: عنصر النفخة الإلهية في هذا وذاك، وإن هي إلا الكلمة «كن» تنشئ ما تراد له النشأة «فيكون» يقول اللَّه عَزَّ وجَلَّ عن آدم عليه السلام: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين). والله عز وجل عندما يقول لرسوله محمد عليه السلام: (فلا تكن من الممترين) ليس معنى ذلك أن الرسول « كان كذلك، وإنما يقصد التثبت على الحق ليؤكده في حسه وحس من حوله من المسلمين، فماذا بعد هذا البيان والإفحام؟ إن الله الذي خلق آدم بدون أب ولا أم هو الذي خلق حواء بدون أم هو الذي خلق عيسى بدون أب هو الذي خلق سائر الناس من ذكر وأنثي هو الذي يجعل من يشاء عقيمًا، هو الذي يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور.
هذه هي مظاهر قدرة الله، وإذا كان أمر خلق عيسى غريبًا، فأمر خلق آدم أغرب. ولكن الذي يعجب له الموحدون الغيورون على دين الله من أمر هذا الجدل الذي ثار حول أمر خلق عيسى وهو لم يتجاوز سُنَّة اللَّه في الخلق. فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ لقد أمسك القرآن بأيدينا ووضعها على مواطن الحق، ولا يبقى بعد هذا إلا أن يستجيب الناس لداعي الهدى والهادي إلى سواء الصراط.





ثالثاً

الآية9 من سورة الحجرات (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا )وهنا أعاد الضمير جمعاً " اقتتلوا " هذا فى جملة الخبر ، مع أن المبتدأ مثنى " طائفتان " وذلك لأن هذا اللفظ مثنى غير حقيقى ، بل هو مثنى فى اللفظ ، جمع فى المعنى.

وفى هذه الآية راعى النظم القرآنى المعجز المعنى فى جملة الخبر وحدها " اقتتلوا " ثم راعى اللفظ فى بقية الآية هكذا:

(فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما ).

وكلا المنهجين فصيح صحيح بليغ.

والذى سوَّغ مراعاة المعنى فى " اقتتلوا " وقوعه بعد جمعٍ ، هو " المؤمنين " ، وليس فوق ذلك درجة من الصحة والإصابة ، وإن كره الحاقدون.


يتبع أخي