آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


-
نعود نتساءل: أكان ذلك كله من مصلحته السياسية؟.
لم يكن ذلك من المصلحة السياسية طبعًا، لا سيما أنه لم تسكن الفتن والثورات بعدُ في الأقطار المأمونية، ولكنا نميل إلى اعتقاد أن المأمون كان مرغمًا على الوقوع في هذه الغلطة السياسية وهو ذلك السياسي المحنك والداهية القدير، كما رأينا وكما سنرى في موضعه؛ لأن لظروف الأحوال نصيبها في ذلك التصرف منه ومن غيره ممَّن يكون في مكانه، ولأنه ربما تحاشى بتصرفه ذلك خطرًا أجسم، وأوسع نطاقًا، وأبعد مدًى؛ وهو خطر إغضاب الفضل بن سهل وجماعة الفضل بن سهل.
ومهما يكن من شيء، فإن هذه التصرفات التي كانت من الفضل بن سهل وإقرار المأمون لها، وبقاء المأمون بعد أن تم له الأمر في مَرْو دون بغداد عاصمة الخلافة العباسية، كانت لها نتائجها السيئة في شيعة المأمون وأنصاره من جهة، وفي أعدائه والراغبين عن سلطانه من جهة أخرى، ذلك بأن أنصار المأمون وقواده، ونخصُّ بالذكر منهم طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين، قد كسَر قلوبهم وفلَّ من عزائمهم، أن يكون جزاؤهم على فوزهم وحسن بلائهم وإخلاصهم تلك التصرفات السيئة التي كانت نصيبهم من المأمون ومن حاشية المأمون.
هذا كان أثرها في شيعته وخاصة أنصاره، وأما غير هؤلاء فقد جعلت هذه التصرفات ألسنتهم تنطلق باتِّهام المأمون بأنه يميل إلى الخراسانيين، وأنه أصبح آلة في أيديهم يُحرِّكونه كما يشاءون، وقد حدث من جراء هذه الإشاعات وفتور همة أنصار المأمون الذين لم يجازوا الجزاء الأوفى أن اضطربت الأمور وكثرت الفتن، ووجد أعداء المأمون الفرصة سانحة لتحقيق أطماعهم، ومن تلك الفتن ما يحدثنا التاريخ عنه من خروج محمد بن إبراهيم العلوي المعروف بابن طباطبا بالكوفة، وقد قام بتدبير أمره رجل من رجالات هرثمة بن أعين وكبار أنصاره، وقد خرج لأنه حبس عنه ما كان يُعطاه من رزق. هذا الرجل هو أبو السرايا السري بن منصور، وكان هو الخارج على المأمون في الواقع لا ابن طباطبا، وقد بلغ من أمره أن ضرب الدراهم وجند الجنود حتى اضطر الحسن بن سهل أن يسترضي هرثمة ويستعينه؛ ليكفيه شرَّ هذا الخارج القوي.
ويظهر أن موت الزعماء كان طلسمًا من الطلاسم أو سرًا من الأسرار، أو صناعة من الصناعات الخفية؛ فإنا نجد أن محمد بن إبراهيم هذا، الذي سمت منزلته بين أتباعه وعظمت طاعتهم له، قد مات بعد أن كُتب النصرُ للقائم بتدبير أموره على سليمان بن جعفر والي الكوفة من قِبَل المأمون، ثم نرى هذا المنتصر يولي مكانه غلامًا أمرد حدثًا هو محمد بن محمد بن زيد العلوي.
وتعال معي لننظر في حوادث سنة تسع وتسعين ومائة؛ ففيها ما يكشف القناع عن أمور جسام تُفيدنا في تفهم الروح الحزبية بين العلويين والعباسيين، وتفيدنا أيضًا في إماطة اللثام عن سبب هامٍّ من الأسباب التي يرجع إليها تبرُّم بعض الوُلاة الكُفاة بدولة الفضل بن سهل، وانفراده هو وجماعته بمراتب الدولة ووظائفها.
وإنا نلخص لك الحوادث التي وقعت بعد أن قمَع هرثمةُ ثورةَ أبي السرايا التي انتهت بقتله عام ٢٠٠ﻫ وإخماد فتنته، معتمدين في ذلك على الطبري.
لما قمع هرثمة ثورة أبي السرايا عاد إلى نهروان دون أن يعرِّج على والي بغداد، وهناك وافاه أمر الخليفة بتوليه حكم سوريا وبلاد العرب، وكان قد اعتزم الذهاب بعد ذلك إلى «مرو» مباشرة ليكشف للخليفة عن حقيقة الموقف وحرجه الذي يخفيه عنه وزيره الفضل، بسبب بقاء الخليفة في «مرو»، وأن الغرب سينتقض عليه سريعًا ويخرج من يده إذا هو لم يبادر إلى العودة إلى بغداد، فلما أحس الفضل عزم هرثمة على القدوم فطن إلى ما ينويه، فدس له عند المأمون حتى أوغر صدره عليه، وكادت السنة تنتهي قبل أن يذهب هرثمة إلى «مرو»، فلما ذهب خشى أن يكتم الفضل خبر قدومه عن المأمون، فدق الطبول عند دخوله المدينة، فلما علم الخليفة الموغر الصدر بقدومه أمر بإحضاره، فلما مثَل بين يديه بالغ في تقريعه وتأنيبه على توانيه في تسكين ثورة أبي السرايا، وفي مخالفة ما أصدره إليه من أمره بالذهاب إلى ما ولاه من أعمال، وما كاد هذا القائد يهم بالكلام ويشرح لمولاه الحالة حتى هجم عليه الحرس الذين أسَرَّ إليهم الفضل أن يغلظوا في تعذيبه، فانهالوا عليه ضربًا ولكمًا على وجهه وجسمه ثم سحبوه بسرعة إلى السجن حيث مات به بعد زمن قصير متأثرًا بجروحه، ولقد اعتقد عامة الناس أن الذي أماته هو الفضل.
وهكذا انطوت صحيفة هذا الباسل العظيم الذي ذبَّ عن مُلك المأمون، وكافح في توطيد دعائم الدولة من إفريقية إلى خراسان، والذي يرجع إليه الفضل الأكبر في انتصار المأمون على أخيه المخلوع.
ومات هذا القائد العظيم ضحية للسعاية ونكران الجميل كما مات أمثاله من قبل من صناديد هذه الدولة من جراء السعاية والمنافسة، ومن جراء أعمال البطانة ودسائس الحاشية.
ولنتساءل: ماذا كانت نتيجة قتل هرثمة؟
يحدثنا التاريخ أن هرثمة كان محبوبًا في الغرب، وأن موته أحدث فتنًا وقلاقل في بغداد، وثارت الجنود في وجه الحسن بن سهل؛ إذ عدوه آلة في يد أخيه الفضل الذي كانوا ينعتونه بالمجوسي، وبعد قتال دام ثلاثة أيام طردوا الحسن من المدينة، فلجأ إلى «المدائن» ثم ارتد إلى «واسط»، واستمرت الفتن والقلاقل بعد ذلك قائمة ببغداد شهورًا عدة نشطت في خلالها عصابات اللصوص وشراذمة الصعاليك، وشمرت عن ساعدها في أعمال النهب والسلب حتى طغى سيل غاراتهم على تلك المدينة المنكودة التي أصبحت تحت رحمتهم.
ويحدثنا التاريخ أنهم قد أسرفوا في ذلك إسرافًا عظيمًا مما فزع له أعيان المدينة ووجهاؤها، فأجمعوا أمرهم على صد هؤلاء السفلة الأشرار ودفع غائلتهم عن المدينة وأهلها، ولما تم لهم ما أرادوا اختاروا من بينهم رجلين من ذوي الفضل والمكانة فيهم وولوهما تدبير الحكم ريثما تستقر الحال ويعود الأمن إلى نصابه، ثم عرضوا عرش الخلافة على المنصور بن المهدي والبيعة له، فتأبى عليهم ولكنه عاد وقَبِل أن يتولَّى الحكم باسم الخليفة المأمون.
ولم توشك هذه السنة أن تنتهي حتى كان قواد الجند في بغداد قد سئموا القتال، فاتفقوا مع الحسن بن سهل الوالي فعاد إلى بغداد بعد أن أصدر عفوًا عامًّا، ووعد بأنه يدفع للجند رواتبهم عن ستة أشهر، وبأن يدفع كذلك لذوي المعاشات أرزاقهم حسبما هو مدرج بقوائمهم.
لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة هريدى المصرى في المنتدى حقائق حول عيسى عليه السلام
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 29-11-2014, 03:01 PM
-
بواسطة ابو اسامه المصرى_1 في المنتدى المنتدى الإسلامي
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 08-03-2012, 02:55 AM
-
بواسطة فريد عبد العليم في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 13-12-2009, 02:00 AM
-
بواسطة محمد ابوقاسم في المنتدى الرد على الأباطيل
مشاركات: 5
آخر مشاركة: 08-02-2009, 02:54 AM
-
بواسطة kholio5 في المنتدى مشروع كشف تدليس مواقع النصارى
مشاركات: 22
آخر مشاركة: 07-05-2008, 02:47 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات