النزاع بين الأمين والمأمون

توطئة

عرفت مما ذكرناه لك في مجمل كلامنا عن الرشيد والأمين، أن الرشيد أعلن ولاية العهد للأمين في سنة ١٧٥ هجرية، وسِنُّ الأمين فيما قيل وقتئذٍ خمس سنين، ثم أشرك معه المأمون في ولاية العهد سنة ١٨٣ هجرية، ثم استوثق لكليهما من أخيه سنة ١٨٦ هجرية، وهو عام حج الرشيد، بأن استكتب كلًّا منهما عهدًا بما عليه وله قبل الآخر، وعلَّق العهدين بالكعبة، كما قدمنا.
ويؤخذ من نصوص العهدين وما تبودل بعد ذلك من الرسائل بين الأمين والمأمون، مما سنورد لك بعضه لما تضمنته من «الديبلوماطيقية العباسية»؛ وهي: لين في حزم، وتيئيس في تأميل طويل الأجل، ويؤخذ منها أن خراسان ونواحيها إلى الري كانت تحت إمرة المأمون يتصرف في جميع شئونها من سياسية وحربية واقتصادية وقضائية تصرفًا تامًّا، لا تربطه بحاضرة الخلافة إلا رابطة الدعاء للخليفة، وقد صارت إليه إمرة هذه النواحي في عهد الرشيد، وهي من الأمور التي أخذ الأمين بالوفاء بها فيما أخذ به من عهود ومواثيق.
وكان الرشيد قد أشرك في سنة ١٨٨ هجرية ولده القاسم مع أخويه في ولاية العهد، وجعل من نصيبه العمل على الشام وقنسرين والعواصم والثغور.
وكانت الأمور جارية مجراها الطبيعي آخر أيام الرشيد، ثم شطرًا كبيرًا من السنة الأولى من خلافة الأمين، إلا ما كان من أشياء طوى عليها المأمون كشحًا دُرْبة منه وسياسة، وحصافة وكياسة، وتريثًا وتعقلًا، وحزامة وتمهلًا.
ولم تنقض السنة الأولى من خلافة الأمين حتى كانت الدسائس قد فعلت فعلها، وحتى كانت المنافسة العنيفة بين البطانتين قد بلغت غايتها، وأخذ كل من الأخوين يحذر أخاه ويتقيه، وامتلأت الصدور حفائظ وإحنًا، ولم يبق إلا أن تُلمس فتنفجر. وسنفصل لكم كل ذلك تفصيلًا.
البيعة للأمين بولاية العهد
لم يكد الأمين يبلغ الخامسة من عمره حتى اجتهدت أمه زبيدة وأخواله في أن تؤول إليه ولاية العهد، لتكون الخلافة له من بعد أبيه.
وبالرغم من أن الرشيد كان يتوسم النجابة والرجاحة في “عبد الله المأمون”، ويقول: “إن فيه حزم المنصور، ونسك المهدي، وعزة الهادي، ولو شئت أن أقول الرابعة مني لقلت”- فإنه قدَّم محمدا بن زبيدة على أخيه الأكبر المأمون، مع علمه أن متبع هواه. ولعل رغبة أمراء البيت لعباسي واجتماعهم على تولية الأمين كانت وراء نزول الرشيد على رأيهم، وتحقيق تلك الرغبة التي اجتمعوا عليها.
وكانت حجتهم في ذلك أن الأمين هاشمي الأبوين، وأن ذلك لم يجتمع لغيره من خلفاء بني العباس، وكان يؤجج تلك الرغبة كرههم لـ”آل برمك” الذين استأثروا بالرشيد، ونالوا لديه حظوة ومكانة كبيرة.
استدعى الرشيد الأمراء والقواد ورجال الحاشية، وطلب الفقهاء ليُشهدهم على قراره الخطير الذي عقد عليه العزم، وهو البيعة لابنه الثاني “محمد الأمين”. وفي يوم الخميس (6 من شعبان 175 هـ = 8 من ديسمبر 791 م) عقد الرشيد مجلس البيعة، وأخذت لمحمد البيعة، ولقبه أبوه بـ” الأمين”، وولاه في الحال على بلاد الشام والعراق، وجعل ولايته تحت إدارة مربيه “الفضل بن يحيى البرمكي”.
خلافة الأمين
تولى الأمين الخلافة وعمره ثلاث وعشرون سنة، ولكن لم تتم له البيعة إلا في (منتصف جمادى الآخرة 193م = 4 من إبريل 809م).
وقد أدى تولي الأمين الخلافة إلى إثارة الفتنة بينه وبين أخيه المأمون، ومما زكّى نار هذه الفتنة وقوع التنافس بين رجلين قويين كان أحدهما الوزير “الفضل بين الربيع”، الذي يسيطر على الأمين، والآخر هو “الفضل بن سهل”، الذي يسيطر على المأمون، بالإضافة إلى اتخاذ العنصر العربي والفارسي من ابني الرشيد رمزًا للصراع بين العرب والعجم، والتفاف كل فريق حول صاحبه.
واستطاع الفضل بن الربيع إقناع الأمين بعزل أخيه المأمون من ولاية العهد، وأن يجعلها في ابنه “موسى بن الأمين”، ثم ما لبث أن خلع أخاه المؤتمن من ولاية العهد.
ومن ناحية أخرى عمل الفضل بن سهل على توسيع هوة الخلاف بين الأخوين، وحرص المأمون على الاستقلال بخراسان.
وأعلن الأمين البيعة بولاية العهد لابنه موسى وسماه “الناطق بالحق”، وأمر بالدعاء له على المنابر بعده، وقطع ذكر المأمون والمؤتمن. وبذلك يكون قد نكث عما أخذه عليه أبوه الرشيد من عهود ومواثيق.
وكان ممكنًا بعد أن طوى المأمون كشحًا على ما وقع من القوم من نكث للعهود، واغتصاب لما أوصى به الرشيد له من جند ومال وسلاح، وبعد أن أخذ يُهدي إلى أخيه خير ما وصلت إليه يُمناه من تُحف خراسان ونفائسها، أن تسير الأمور في مجراها الطبيعي، وأن يستقر الأمر بين الأخوين على ما أراد الرشيد، لولا أن بطانة الأمين أوغرت صدره على أخيه، ولولا أن بطانة المأمون حفزته إلى مقابلة العدوان بمثله، وأفعمت قلبه ثقة بالغلبة والظفر، وإيمانًا بالفوز والنُّجح.
وإن كلمة الفضل بن الربيع «لا أدع ملكًا حاضرًا لآخر لا يدري ما يكون من أمره» فيها الغنية والكفاية في تفهيمنا الأساس الذي بنيت عليه تصرفاته بين الأخوين، فهو ينظر لمصلحة من بيده الملك اليوم، لا يحفل ببيعة ولا عهد، ولا يكترث لوحدة قومية، ولا يحفل بإحلال الوفاق بين العباد، ولا يعمل على مصافاة ولا وداد، وإنما همه الملك الحاضر، والإمعان في إرضاء الملك الحاضر.
كذلك كانت حال الفضل بن سهل في موقفه مع عبد الله المأمون، ومهما كانت صورة المأمون التي صورها لنا التاريخ بأنه المغلوب على أمره في النزاع الذي نشب بين الأخوين، وأن الأمين هو الناكث الغادر، ومهما كانت القلوب الإنسانية تحنو على المظلوم، وتعطف على المغلوب، مهما كان كل ذلك، مما يجعلنا نستسيغ تصرفات الفضل بن سهل مع المأمون، بل مما يدفعنا إلى الافتنان بها، وعزو الحصافة والأصالة والكياسة إلى صاحبها، وأن ليس هناك من هو أنهدُ منه في مثل مواقفه ولا أجزى، ولا أحكم من تدبيراته ولا أوفى، ولا أرهف غرارًا من عزماته ولا أمضَى، ولا أقدر منه في خططه ولا أغنَى، بيد أنا مع ذلك إذا جردنا النفس الإنسانية من بعض صفاتها ونظرنا «ببرود» — على حد التعبير الإنجليزي — وبحيدة ونَصفة منه وله، فإنا نقرر من غير أن نعدو الحق والواقع، أن الفضل بن سهل لعب مع المأمون ذلك الدور الخطير بذاته الذي لعبه الفضل بن الربيع مع الأمين، وأن كلًّا قد توكأ على أميره لغايته، واستغله في سبيل نجح سياسته، ودفع به إلى حيث يريد.
ولننظر معًا في حوادث سنة 194ه ؛ لنكون مُلمِّين بتحول النزاع الذي شجر بين الأخوين، ولنؤمن الإيمان كله أن البطانة قد لعبت دورًا شنيعًا في إشعال جذوة الحقد والسخيمة بينهما، وعملت على إضرام أُوارها، وسعَت جهدها في توسيع مسافة الخلف بين الأخوين حتى كان ما كان، نجد أن الفضل بن الربيع، فيما يرويه لنا المؤرخون، سعى بعد مقدمه العراق على محمد مُنصرفًا عن «طوس» وناكثًا للعهود التي كان الرشيد أخذها عليه لابنه عبد الله، وعلم أن الخلافة إن أفضت إلى المأمون يومًا وهو حي لم يُبْق عليه، وكان يترقب في ظفره به عَطَبه — سعى جهده في إغراء محمد به، وأعمل قريحته في حثِّه على خلعه، وزيَّن له، بما في مقدوره، أن يصرف ولاية العهد من بعده إلى ابنه موسى، ولم يكن ذلك في رأي محمد ولا عزمه، بل كان عزمه، فيما ذكر الرواة عنه الوفاء لأخويه عبد الله والقاسم بما كان أخذ عليه لهما والده من العهود والشروط، فلم يزل به الفضل بن الربيع يُصغِّر في عينيه شأن المأمون، ويزيِّن له خلعه، حتى قال له: «ما تنتظر يا أمير المؤمنين بعبد الله والقاسم أخويك، فإن البيعة لك كانت متقدمة قبلهما، وإنما أُدخلا فيها بعدك واحدًا بعد واحد!»
قال ذلك ابن الربيع وضمَّ إلى رأيه معه علي بن عيسى بن ماهان والسندي وغيرهما ممن بحضرته.
ومن المعقول أن تفترض أن الفضل مضى في الإيقاع على هذه النغمة ثَنْيًا بعد ثني، ومرة إثر أخرى، وقدح في ذلك قريحته، واستخدم شتى وسائل أمثاله ونظرائه حتى أزال محمدًا عن رأيه، وقد ذكر المؤرخون أن أول ما بدأ به محمد عن رأي الفضل بن الربيع فيما دبر من ذلك، أن كتب إلى جميع العمال في الأمصار كلها بالدعاء لابنه موسى بالإمرة بعد الدعاء له، وللمأمون والقاسم بن الرشيد.
والآن، بعد أن وقفت على تصرف محمد وجماعة محمد مع المأمون وجماعة المأمون، لك أن تستنبط ما يفعله الفريق الآخر إجابة على تصرف الفريق الأول، ولك أن تنتظر من المأمون أن يدبر أمره تدبير من يرى أن أخاه يدبر عليه خلعه، ولك أن تنتظر مثل ذلك من جماعة المأمون وأنصاره.
وهكذا تنبئنا حوادث السنة نفسها؛ إذ ينبئنا الطبري أن فيها قطع المأمون البريد عن محمد، وفيها أسقط اسمه من الطرز، وفيها لحق رافع بن الليث بالمأمون، وهو من سلالة نصر بن سيار لما انتهى إليه من الخبر عن المأمون، وحسن سيرته في أهل عمله، وإحسانه إليهم، فيما يرويه المؤرخون، أو سعي المأمون ورجالات المأمون كهرثمة وطاهر في إصلاح ما بينه وبين المأمون، وطلب الأمان له؛ ليكون عدة وظهيرًا للحزب المأموني، كما نستسيغه نحن ونستخلصه، وفيها ولَّى المأمون هرثمة رياسة الحرس، ولهرثمة مكانته وشهرته، وله سيرته ونجدته، ولرافع بيته وأنصاره، وكتائبه وفرسانه، كما أن لطاهر بن الحسين حزمه وشجاعته وفروسته ومرانه، ولابن سهل بلا ريب حذقه في تصرفاته التي بمثلها ترد الأهواء الشاردة، وتستصرف الأبصار الطامحة، وعلى رأسهم أو إلى جانبهم إن شئت المأمون، وقد تسربل بالثوب الذي نُصِح إليه بلبسه، فأضحى محمود الشيم، مرضيَّ الخلال، وهو باستعداده ونزعته ذلك الرجل السياسي المعتدل المزاج، الهادئ الأعصاب، السديد التصرف، السمح الأخلاق، اللين العريكة، الكريم المهزة، مع أناة وجلد وعزم وحزم ونفاذ ومضاء.