الفصل الأول
محمد الأمين
هو محمد الأمين بن هارون الرشيد، ولد سنة 170 هجرية، وهي السنة التي استُخلف فيها والده الرشيد، وكان مولده بعد مولد أخيه عبد الله المأمون بستة أشهر، وولد المأمون في الليلة التي استُخلف فيها والده.
وأم الأمين أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن المنصور؛ فهو هاشمي الأب والأم، وقيل: إن ذلك لم يتفق لخليفة عباسي غيره.
وإذ كان أخواله هاشميين ولهم في الدولة نفوذ قوي وكلمة مسموعة، فقد سعوا، فيما يحدثنا التاريخ، حين مدَّ جماعة من بني العباس أعناقهم إلى الخلافة، إلى أن يكون الأمر إلى ابن أختهم، وقد نجحوا.
سعى خال الأمين عيسى بن جعفر بن المنصور إلى الفضل بن يحيى الذي بعثه الرشيد على رأس جيش إلى خراسان، لمحاربة بعض الخارجين على الخلافة، وتسكين الاضطراب في تلك النواحي، وقد كان التوفيق حليفه في ذلك الوجه، فقال عيسى للفضل: «أنشدك الله لما عملت في البيعة لابن أختي، فإنه ولدُك وخلافتُه لك»، فوعده الفضل أن يفعل، فلما كان الفضل بخراسان يُدِلُّ بما واتاه فيها من ظهور على الخارجين، وهو بعدُ من آل برمك وزراء الرشيد، وأصحاب السلطان العظيم في الدولة، بايَع لمحمد الأمين هو ومن معه من القواد والجند بعد أن فرق أموالًا عظيمة، وأعطى أعطيات كثيرة، وتغني بذلك شعراء العصر، أمثال أبان بن عبد الحميد اللاحقي والنمري وسلم الخاسر وغيرهم. ولبيان وجهة نظرهم في البيعة نقتطف لك شيئًا مما قاله سلم والنمري؛ قال سلم:
قد وفَّق الله الخليفة إذ بنى /بيت الخليفة للهجان الأزهر
فهو الخليفة عن أبيه وجده /شهدا عليه بمنظر وبمخبر
قد بايع الثقلان في مهد الهدى /لمحمد ابن زبيدة ابنة جعفر

وقال النمري:
أمسَت بمرو على التوفيق قد صفَقتْ /على يد الفضل أيدي العُجم والعرب
ببيعة لولي العهد أحكمها /بالنصح منه وبالإشفاق والحدب
قد وكَّد الفضل عقدًا لا انتقاض له /لمصطفى من بني العباس منتخب
فلما تناهى أمر البيعة إلى الرشيد ووجد نفسه أمام «الأمر الواقع»؛ إذ قد بايع لمحمد أهل المشرق، بايع له بولاية العهد، وكتب إلى الآفاق فبويع له في جميع الأمصار.
ومن هذا تعلم ما يصح أن يعتبر سرًّا في أن الأمين كان ولي عهد الرشيد دون أن يكون أكبر ولده سنًّا.
نشأته وأخلاقه

ولنتساءلْ الآن: هل سجَّل لنا التاريخ شيئًا قيمًا عن نشأة الأمين وطفولته؟
أظن أنني لا أعدو الحق كثيرًا إذا قلت: لا؛ إذ قلما يعرض المؤرخون القدماء لشيء من طفولة العظماء ورجال التاريخ.
على أنا قد وقفنا من طفولة الأمين على شذرات ليست بذات غناء كبير، نثبتها لك وندرسها معك؛ فربما ساعدتنا بعض المساعدة على تفهم حداثة الأمين، واستخلاص بعض الحقائق عنه.
يحدثنا البيهقي في «المحاسن والمساوي» بما سنلخصه لك خاصًّا بنشأة الأمين التعلُّمية؛ لتقف على البيئة التي كان فيها الأمين، ولأن روايته — خصوصًا ما جاء عن حُلم زبيدة وفزعها منه، مما رواه المسعودي في «مروجه» أيضًا — قد تجعلنا نعلل بحق أثر الوسط والوراثة في خَلْق ما كان بالأمين من استعداد لحب الاستخارة، مما كانت له نتائجه السيئة، ولأنه يفهمنا بوجه عامٍّ لِمَ كان الأمين فصيحًا أديبًا بليغًا، ولمَ كان عابثًا مستهترًا، ولَمِ كان وادعًا متهيبًا من الدماء، ولأنه يفسر نشأته في ترف الخلافة ونعيمها، ومَرَح الحداثة ونهزِها، والاستمتاع بمال زبيدة والإدلال بهاشميتها.
•••
ولما كان الرشيد قد جعل الأمين في حِجْر الفضل بن يحيى، والمأمون في حجر جعفر بن يحيى، فإن الفضل كان أكثر ما أخذ به ولي العهد الأمين هو تعظيم الدماء، لأنه أُحب أن يُشرِب الله قلبه الهيبة لها، والعفاف عن سفكها.
ربما كان من الحق أن نقول: إن هذه النشأة كانت لها آثارها السيئة، خصوصًا أنَّا نلاحظ أن الأمين تنقصه الدربة السياسية، ومن المعلوم أن الدربة السياسية هي ناحية يُؤبَه لها كثيرًا في تنمية روح الحكم، وتقوية المواهب الإدارية، وتنظيم ملكات السلطان في ولي العهد، خصوصًا ذلك العصر الذي لم تكن فيه وسائل الثقافة الملكية متوافرة توافرها اليوم؛ مع أن الحاجة إلى الثقافة السياسية في ذلك العصر كانت أشد منها اليوم؛ لأن الملك حين ذاك كان صاحب سلطان فعليٍّ مُطلق غير مقيد بقانون أو دستور إلا ما يرجع إلى دينه وورعه.
نريد أن نقول: إنه إذا كان نَدْب الهادي للرشيد حين ولاه قيادة الجند لحرب الروم، قد أوجد الرشيد في مركز القيادة العامة، وفيها من الشيوخ المحنكين والقادة المدربين والزعماء المنظمين مجموعةٌ صالحة للثقافة السياسية، وفرص تسنح في الفينة بعد الفينة للمرانة السياسية، ولتخريج خليفة مُدرَّب في فنون الملك، وإذا كان المأمون قد نُدب للحكم في خراسان وغير خراسان حتى نكَّبت به ظروف الأحوال عن مفاسد مال الخلافة ونعمة ابن زبيدة ودلال الهاشميين، نريد أن نقول: إنه إذا كان ذلك كذلك، وكانت هذه هي نتائج الدربة السياسية، فمن الميسور أن نفهم مغبة افتقادها، كما أنه من الميسور أن نستنبط أن عنصرًا هامًّا من عناصر تكوين رجال السياسة والحكم كان ينقص الأمين الذي لم تستطع غاشيته من الخدم، وبطانته من الموالي، وأخواله من الهاشميين، وأساتذة من المربين أن يحولوا بينه وبين ما تشتهيه نفسه وتهوَى طفولته.
على أنه من العدل والحق أن نقرر أن الأمين لم يكن بليد الذهن أو ثقيل الظل، بل كان نقيض ذلك على حظٍّ من توقُّد الذهن وفصاحة اللسان، وخفة الروح والظل، وحسبك أن ترى شيئًا مما كان ينضح به في مجالس اللهو والمنادمة من سرعة البديهة، وظرافة النكتة، وحلاوة التندر، ورقة الدعابة، وعذوبة الفكاهة؛ لتؤمن بما نقول.
وكل ما اتفقت عليه كلمة المؤرخين العرب جميعًا أنه كان مستهترًا مسرفًا، مع خَوَر خُلُقي، وعدم تبصر في العواقب ولا تروٍّ في مهمات الأمور — مما يرجع في الواقع إلى عدم العناية بثقافته السياسية، كما أسلفنا.
وفي الحق أن قصف الأمين وانهماكه في لهوه وغلوُّه في عبثه، واستهتاره في مرحه، واشتغاله بوجه خاص بخدمه، قد جرَّ عليه وبالًا كثيرًا، وشرًّا مستطيرًا، ونفَّر منه قلوب العقلاء من مشايعيه ومناصريه، والأقوياء من مؤيديه وذويه.
من أمثال ذلك ما ذكروه عن العباس بن عبد الله بن جعفر، وهو من رجالات بني هاشم جلدًا وعقلًا وصنيعًا، وكان يتخذ الخدم كطبيعة حياة المترفين في ذلك العصر، قالوا: كان له خادم من آثَرِ خدَمه عنده يقال له منصور، فوجَد الخادم عليه فهرَب إلى محمد وأتاه وهو بقصر أم جعفر المعروف بالقرار، فقبله محمد أحسن قبول، وحظي عنده حظوة عجيبة، فركب الخادم يومًا في جماعة خدم كانوا لمحمد يقال لهم السيافة، فمرَّ بباب العباس بن عبد الله، يريد بذلك أن يُري خدم العباس هيئته وحاله التي هو عليها، وبلغ ذلك الخبر العباس، فخرج إليه وقامت معركة، وكادوا يُحرقون دار العباس، وقبض الأمين على العباس وهمَّ أن يقتله لولا وساطة أم جعفر من ناحية، واشتغاله بخروج الحسين بن علي بن ماهان عليه وانضمامه إلى المأمون من ناحية أخرى.
ولموضوع خدم الخليفة وغاشيته ذوي السلطان من المقربين والزعماء والقادة والوزراء، بل الخدم والأمناء أسوأُ أثرٍ في تاريخ المدنية الإسلامية.
•••
وهناك ظاهرة خُلُقية في أخلاق الأمين، وهي حبه للاستخارة، واحتفاله بالبحث عن أمر طالعه، وركونه حتى في آخر لحظة من حياته، وهي لحظة التقرير في مصيره، أيُسلِّم نفسه إلى طاهر أم إلى هرثمة إلى منام رآه.
وربما كانت هذه الخلة فيه من أثر البيئة، كما أسلفنا، أو من روح العصر نفسه، وإن كان ابن ماهان قائده يحتقرها، وسنرى أن المأمون كان على عكس الأمين لا يحفل في مهام أموره بالاستخارة ووحي الأحلام، بل كان يجعل جل اعتماده على مشورة رجالاته وذوي النصيحة من أنصاره.
على أنه ليس معنى ذلك أن الأمين لم يكن يستشير، ولكنه كان في كل شئونه يغلبه هواه على وجه الصواب من أمره، وكان لرياء حاشيته وتأثير بطانته فيه النتيجة السيئة، فكان لا يعمل بما يُدلَى به إليه من نصح.
ولكن الأمين، كما قلنا، كان هواه يُعمِّي عليه وجه الصواب من أمره، وكان واقعًا تحت سلطان الفضل بن الربيع وعلي بن عيسى بن ماهان وغيرهما من بطانته، وهم الذين كان رياؤهم سمًّا زُعافًا، ونفاقهم وباء فتَّاكًا، ولين كلامهم حسكًا وقتادًا، والذين لم يُخلصوا لمليكهم أو بلادهم فيما يدلون به من الآراء، وما يقدمونه من النصائح، وإنما يُخلصون لعاجل مصلحتهم، فزينوا له نكث العهد، وسهلوا له أمره، حتى أقدم عليه، وكان ما كان من النزاع.