نكبة البرامكة:
لم تكن تغيب عن الرشيد افعال البرامكة واستغلالهم للمناصب، واستحواذهم على المال والسلطة بل وحتى إساءتهم اليه شخصيا، وكان يصبر عليهم ويغض الطرف لعلهم يرعوون، أو يقفوا عند حد. فقد كان وفيّا لهم، لما قدموه من خدمات في تثبيت اركان الدولة وفي تأييد توليه للخلافة. لقد كان حريصا على عدم القطيعة معهم. ولم يكن من السهل الانقلاب عليهم، لسببين:
أولاً: للصلة الأسرية والروابط الاخوية والعاطفية التي تجعله يتجمّل حتى يتيقن من استحالة المضي بهذا الشكل.
وثانياً: لأنهم اصحاب النفوذ الفعليين ولهم اتباع وأنصار في كل مفاصل الدولة. وليس من السهولة مجابهتهم أو تنحية بعضهم (ولو تدريجياً) عن السلطة.
فهذا سيشكل جبهة معارضة قوية منهم، لا طاقة له بها، حيث غدت الدولة واقعاً دولة البرامكة لا دولة الرشيد.
لم يكن الرشيد فاسداً أو ظالماً، وإنما كان حكيماً عادلاً لا يرضى بالظلم، لم يكن الرشيد خَبّاً (مخادعاً)، كان أجلّ من ان يُخدع وأورع من أن يَخدع.
وكان في ذات الوقت عبقريا بعيد النظر واسع الدهاء (بدليل ما وصلت اليه بغداد في زمنه من عصرها الذهبي المؤطر بالرخاء والرقي الحضاري) ولذا كان الحق معه في ان لا يستمر طويلاً بصمته على ما يجري في البلد أكثر مما صمت وعليه الآن إعادة الأمور الى مجاريها وأن يتحين الفرصة المناسبة، وأدلة الإدانة الكاملة التي تستلزم اتخاذ خطوته الجريئة التي لا مناص منها، ولا بديل عنها، واتخاذ قرار يضع حدّاً لكل ذلك. ولتكن غضبة الحليم، إذا طفح به الكيل.
كان لا بد له من السريّة والكتمان الشديد، على ما سيقدم علية، وبسبب هذه السرية في تخطيط وتنفيذ (البطش بالبرامكة)، نستطيع القول إنه ليس بمقدور أحد من المؤرخين حتى اليوم ان يعرف ما هو السبب المباشر الذي حدا بالخليفة هارون الرشيد للقيام بعملية تصفية البرامكة المفاجئة، وانهاء نفوذهم في ليلة وضحاها- قد يكون السبب كل الاخطاء التي وقعوا فيها- وقد يكون خطأ أو اخطاء بعينها، لقد جنوا على أنفسهم.. وقد ذكرتها في منتدى واحة الأدب بالتفصيل فليرجع إليها هناك.
وأيّا مّا يكون السبب، فإن تصرفه بهذا الشكل دليل على حكمة ورجاحة عقل الخليفة وشجاعة القائد في التدبير والمباغتة في المواقف المصيرية التي تمس أمن البلد. دون ان يحدث فراغًا أمنيًا أو إداريًا أو ردة فعل عكسية في أركان الدولة.
وفي ليلة السبت (أول صفر 187 هـ = 29 من يناير 803م)، أمر رجاله بالقبض على البرامكة جميعًا، وأعلن ألا أمان لمن آواهم، وأخذ أموالهم وصادر دورهم وضياعهم. وفي ساعات قليلة انتهت أسطورة البرامكة وزالت دولتهم، وتبدت سطوة تلك الأسرة التي انتهت إليها مقاليد الحكم وأمور الخلافة لفترة طويلة من الزمان، تلك النهاية المأساوية التي اصطُلح على تسميتها في التاريخ بـ” نكبة البرامكة”.
الأسباب المباشرة للنكبة: الراجح أنه قد طفح الكيل بهارون الرشيد من طغيان البرامكة، بأمرين:
الأمر الأول: تشكيل الفضل بن يحيى البرمكي (حاكم الجناح الشرقي لدولة الاسلام)، لجيش تعداده 50 ألف مقاتل من الأعاجم في منطقة خراسان بدون مشورة الخليفة. جيش لا ينتمي لجيش الخلافة، بل يدين بالولاء للوالي الفضل البرمكي فقط، وليس للخليفة. (وهذا العمل هو أشبه بالمليشيات المسلحة التي تنشئها كيانات سياسية أو حزبية في وقتنا الحاضر ويكون ولائها لمن ينشئها، فتعتبر خارجة على القانون. ومن الطبيعي ان يكون الشك والريب قرين لأهداف انشائها)، فنوايا إنشاء هذا الجيش لم تكن حسنة. بدليل ان الرشيد حين استدعى الفضل البرمكي الى العاصمة بغداد، (باعتباره وال تابع للخليفة) حضر ومعه عشرون ألف من مقاتلي النخبة من هذا الحيش، في استعراض لقوة الوالي.
ولقد أدرك الرشيد بهذا التحرك العسكري، انه هو المستهدف، وان هنالك انقلاب عليه على وشك الوقوع، وبالتالي فإنّ الخلافة العباسية في بغداد هي المستهدفة (إسقاط النظام)، أو على أقل تقدير انفصال الجزء الشرقي من الدولة العباسية لإعادة تشكيل الدولة الفارسية المجوسية عليها. (على رأي من يرجح الشك في إسلامهم).
الأمر الثاني: ظهور الخيانة العظمى من البرامكة (خيانة الوطن)، في تفريطهم بأمن الدولة من خلال تواطؤهم مع خصوم السلطات العباسية (ما أشبه اليوم بالأمس في تفريط أولي الأمر بأمن المدن وتسليمها لأعداء الوطن).
وثبوت خيانة البرامكة لأمانة الخليفة حين أمرهم في التحفظ على (الثائر على الخلافة) يحيى بن عبد الله بن الحسن الطالبي الذي خرج في بلاد الديلم وتوظيف قضايا آل البيت لمصالحهم.
مفهوم النكبة:
تاريخياً هنالك من حاول التضخيم والتهويل لحادثة نكبة البرامكة ورسم حولها هالة خيالية من المبالغة والدراما في القتل وسفك الدماء على الطريقة الهوليودية. وان (مسرور) سياف هارون الرشيد يقف بالمرصاد ليقطع رقاب الآلاف من البرامكة واعوانهم. وهذا كله تهويل ومبالغة، انما يتماشى مثل هذا التهويل ويتساوق مع أسلوب قصص ألف ليلة وليلة. فكل ذلك لا يثبت وبعيد عن العقل والمنطق.
مفهوم النكبة في معاجم اللغة تعني بالدرجة الأساس: (الازاحة والابعاد والعزل)، كما تعني تاليا (المصيبة). وجملة ما فعله الرشيد للبرامكة ينضوي تحت مفهوم إزاحتهم وابعادهم عن التصرف في شؤون الدولة وليس سفك الدماء والإيغال في القتل كما يشيعه الشعوبيون والحاقدون من القوميين الفرس.
لقد اراد الرشيد التخلص من نفوذهم وليس من ذواتهم.
التخلص من استبدادهم وتحكمهم، ولكن ليس بالقتل بدليل انه لم يقتل من رؤوس البرامكة سوى جعفر بن يحيى، وانما قتله لارتكابه الخيانة العظمى [خيانة الوطن].
فلو كانت النكبة بمعنى القتل، لكانت قيادات البرامكة ممثلة في الأب يحيى واولاده الفضل وموسى ومحمد هم أول القتلى، لكونهم رؤوس الأسرة البرمكية المستهدفة في النكبة. (والوقع يشهد أنه ان اُريد إخماد تمرد أو إضعاف تنظيم أو كتلة انما تستهدف القيادة أولاً، من أجل أن ينفرط عقد الأتباع بغياب القيادة).
ولكن كان أمر الرشيد، السجن لهم هو البديل والذي هو حكم أقرب للعفو:
1-يحيى بن خالد (الأب) حبس في منزله وتوفي سنة 190هـ وله من العمر 70 سنة وصلى عليه ابنه الفضل ودفن على شاطئ الفرات.
2-أما الفضل بن يحيى، فقد سجن كذلك في منزل أخر وتوفي سنة 193هـ قبل وفاة الرشيد بخمسة أشهر، وهو ابن خمس وأربعين سنة، وصلى عليه اخوانه في القصر الذي كانوا فيه قبل إخراجه، ثم أُخرج فصلى الناس على جنازته. وهذا يعطيك فكرة عن نوعية السجن الذي يتواجد ويتقابل فيه البرامكة.
3-أما موسى بن يحيى، فقد بقي في الحبس حتى تولى الأمين الخلافة، سنة 193هـ فأطلق سراحه، فالتحق موسى بالخليفة الجديد الامين يقاتل في صفوفه، ولم يفارقه حتى قتل الامين.
4-واما محمد بن يحيى، فقد اختلفت الروايات في سجنه، فهنالك روايات تقول ان الرشيد استثناه من السجن لنصحه الصادق للرشيد، واخرى تقول انه سجن كذلك.
وعلى اي حال فقد عاش حرّاً طليقًا طويلاً. والتحق بالمأمون الذي تولى الخلافة بعد أخيه الامين سنة 198هـ، وظل أحد قادته حتى وفاته.
ومن هنا ندرك ان الرشيد لم يكن مولعا بسفك الدماء كما يُشاع، في حدث هو الأبرز في تاريخه، وان مسرور السياف بريء مما ينسب اليه، وأوامر الرشيد في قضية النكبة كانت تهدف الى ابعاد وعزل البرامكة الفاسدين، وكذا الذين يمتون لهم بصلة ممن كان لهم تأثير سلبي في ادارة الدولة، تأثيرا لا يتماشى مع خط الخلافة.
ومع ذلك لم يطل محبسهم سوى قرابة 5 سنوات ليعاود من تبقى من الاسرة، الحياة بشكل طبيعي دون إعلام يُسلط عليهم الأضواء، ولا صلاحيات مطلقة كما كانت لهم بالأمس.
اما مصادرة الاموال والضياع والقصور فهي أموال وأملاك الدولة، وإنما الشكاية فيها والحسم للقضاء. ولقد عُرِف عن الرشيد رده للمظالم، وطلبه للحق، وخشيته الشديدة من الله، حاجّاً ومجاهدًا.
واختم هذا البحث برواية وردت في كتب التأريخ مفادها: ان أحد ابناء يحيى البرمكي سأل اباه بعد ان أصابهم ما أصابهم: يا أبت! بعد الأمر والنهي والنعمة صرنا الى هذا الحال.
فقال: يابني! لعلها دعوة مظلوم سرت بليل ونحن عنها غافلون. (وحقًا وصدقًا ما قال. فان من يستولي على المال العام وعلى املاك الآخرين عليه ان لا ينتظر دعوة مظلوم واحد، بل ستلحقه دعوة مظاليم في جنح الليل، دعوة لن يغفل الله عنها. وقال: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين).
ان من تثير نكبة البرامكة شجونه واحزانه لا يبعد ان يكون على صلة عاطفية بفارس القديمة، وأمثال هؤلاء هم من ثبت انهم شوهوا صورة الخليفة العظيم هارون الرشيد ووصفوه - ظلمًا وعدوانًا- بالمجون وشرب الخمر والظلم والجواري وكل ما يشين.
تلك النهاية المأساوية التي اصطُلح على تسميتها في التاريخ بـ ” نكبة البرامكة”.
وكان لتلك النكبة أكبر الأثر في إثارة شجون القومية الفارسية، فعمدت إلى تشويه صورة الرشيد ووصفه بأبشع الصفات، وتصويره في صورة الحاكم الماجن المستهتر الذي لا همّ له إلا شرب الخمر ومجالسة الجواري، والإغراق في مجالس اللهو والمجون؛ حتى طغت تلك الصورة الظالمة على ما عُرف عنه من شدة تقواه وحرصه على الجهاد والحج عامًا بعد عام، وأنه كان يحج ماشيًا ويصلي في كل يوم مائة ركعة.
وفي أواخر سنة (192 هـ = 808م) خرج الرشيد لحرب “رافع بن الليث”، واستخلف على بغداد ابنه الأمين، وفي الطريق مرض الرشيد، وما لبث أن اشتد عليه المرض، وفاضت روحه في (3 من جمادى الآخرة 193م = 24 من مارس 809م)، فتولى الخلافة من بعده ابنه “محمد الأمين”.
في ظل هذه الظروف والأجواء نستطيع أن نقترب قليلاً من قصر الخلافة.