آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


-
ثانياً: التكلم عن البيعة
والآن ونحن نقترب من عصر المأمون علينا أن نتحدث إليك عن أكبر أغلاط الرشيد، وأبعدها أثرًا في حياته وفي الدولة العباسية، بل في حياة المسلمين السياسية بوجه عام، وهي بيعته بولاية العهد الثلاثية لأبنائه: الأمين والمأمون والقاسم. ورأينا في هذا النوع من احتياط الخلفاء لأنفسهم ولأبنائهم، وما كان له من الأثر السيئ في حياة القصور خاصة، وفي السياسة عامة، ولا سيما البيعة بولاية العهد لأكثر من واحد، فقد كان ذلك ينشئ بطانات مختلفة، ويُكوِّن أحزابًا لا تلتفُّ حول مبدأ أو فكرة، وإنما تلتف حول الأشخاص والمنافع التي تُنتظر منهم.
وهذه البطانات والأحزاب تتنافس في القصر، فتفسد على الخليفة والأمراء حياتهم الخاصة، وتقطع ما بينهم من صلات كان يجب أن تُرعى حرمتُها، كما أنها تتنافس خارج القصر، فتفسد على الدولة سياستها العامة فتصرفها عن مرافقها الداخلية، كما تصرفها عن الاحتياط لحماية الثغور والاحتفاظ بمهابتها الخارجية.
ومع أن هذا النوع من البيعة بولاية العهد الثنائية أو الثلاثية سُنَّة أُموية آتت ثمرها الخبيث، وجرَّت على الأمويين أنواع الوبال فمزقتهم وأضاعت ملكهم، وكان المعقول أن يستفيد العباسيون من هذا الدرس، ويُعرضوا عن سنة مُنكَرة في نفسها، وقد سنَّها أعداؤهم السياسيون، مع هذا كله تورط الرشيد فيما تورط فيه عبد الملك وخلفاء عبد الملك، وتعرضت الدولة العباسية لما تعرضت له الدولة الأموية، بل كان خطر هذه السنة على العرب أيام بني العباس أشد منه أيام بني أمية؛ ذلك أن سقوط الدولة الأموية قد نقل السلطان من أسرة إلى أسرة واحتُفظ به لقريش.
فأما أثر هذه السنة أيام بني العباس، فهو نقل السلطان الفعلي من العرب إلى الفرس ثم إلى الترك، وجعل الخلافة نوعًا من العبث والسخرية في أيدي المتغلبين من القواد والخدم والرقيق.
ومهما نلتمس الأسباب لتورط الرشيد في هذه السنة التي كان يجب أن يتجنبها، فلن نستطيع أن نهمل سببين أساسيين؛
أحدهما:
تأثر القصر العباسي بسنن الملك الفارسي القديم وسياسته.
والآخر: تأثر الخلفاء بما كان للنساء، حرائرهن وإمائهن، من سلطان ونفوذ.
فلولا هذان السببان لما تورط الرشيد في هذه السنة التي تورط فيها أبوه المهدي، وذاق هو غير قليل من ثمرها.
ستقول: ولكن الرشيد احتاط فأخذ على أبنائه العهود والمواثيق أن يفي بعضهم لبعض، ويبر بعضُهم ببعض. ولكن ما قيمة هذا الاحتياط أمام سطوة الملك وسلطانه ومطامع الإنسان التي لا حدَّ لها؟ وما قيمة هذه العهود والمواثيق وقد أثبت التاريخ في جل مراحله أنها لا تعتبر عهودًا ومواثيق إلا عند الضعفاء من الأمم والأفراد، أما الأقوياء وذوو السلطان والبطش فهي عندهم ليست بعهود ولا مواثيق، إنما هي «قصاصات ورق» لا أكثر ولا أقل، وقد يُفتي بأنها «قصاصات ورق» أولئك الذين وكدَّوها وشهدوا على صحتها، وتضامنوا في البر بها، والوفاء لأصحابها.
لما لاحظ الفضل بن يحيى سنة ١٧٥ه أن جماعة من بني العباس قد مدوا أعناقهم إلى الخلافة بعد الرشيد؛ لأنه لم يكن له ولي عهد، أجمَع على البيعة لمحمد، ولما صار الفضل بن يحيى إلى خراسان فرَّق في أهلها أموالًا، وأعطى الجند أعطيات متتابعات، ثم أظهر البيعة لمحمد بن الرشيد، فبايع الناس له، وسمَّاه الأمين،
ولما تناهى الخبر إلى الرشيد بذلك، وبايع له أهلُ المشرق بايع وكتب إلى الآفاق فبويع له في جميع الأمصار.
ويقول لنا اليعقوبي في هذا الصدد: إن هارون بايع لابنه محمد بالعهد من بعده سنة ١٧٥ﻫ ومحمد ابن خمس سنين، وأعطى الناس على ذلك عطايا جمة، وأُخرِج محمد إلى القواد، فوقف على وسادة فحمد الله وصلَّى على نبيه، وقام عبد الصمد بن علي فقال: أيها الناس، لا يغرنكم صغر السن، فإنها الشجرة المباركة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
ويقول لنا الطبري في حوادث سنة 182ه: إن فيها كان انصراف الرشيد من مكة، ومسيره إلى الرقة، وبيعته بها لابنه عبد الله المأمون بعد ابنه محمد الأمين، وأخذ البيعة له على الجند بذلك بالرقة، وضمه إياه إلى جعفر بن يحيى، وأنه قد بويع له بمدينة السلام حين قدمها، وولاه أبوه خراسان وما يتصل بها إلى همذان، وسمَّاه المأمون.
وفي سنة 189ه بايع الرشيد لابنه القاسم بعد المأمون، وجعل أمر القاسم، في خلعه وإقراره، إلى عبد الله إن أفضت الخلافة إليه. فلقد حضر الرشيد وأحضر وجوه بني هاشم والقواد والفقهاء وأُدخِلوا البيت الحرام، وأمر بقراءة الكتاب على عبد الله ومحمد، وأشهد عليهما جماعة من حضر، ثم رأى أن يُعلَّق الكتاب في الكعبة، فلما رفع ليعلق وقع، فقيل: إن هذا الأمر سريع انتقاضه، قليل تمامه.
وبعد، فإن لعصر الرشيد مكانته وقدره، فقد ازدهرت فيه الحضارة الإسلامية أيما ازدهار، وظهرت فيه آثار تحول المدنية في العصور التي سبقته، كما أثَّر هو في العصور التي تلته، ولقد صدق صاحب «النجوم الزاهرة» فيما رواه عن أبي علي صالح بن محمد الحافظ، قال: «اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره: وزراؤه البرامكة، وقاضيه أبو يوسف، وشاعره مروان بن أبي حفصة، ونديمه العباس بن محمد عم أبيه، وحاجبه الفضل بن الربيع أنبهُ الناس وأعظمهم، ومُغنِّيه إبراهيم الموصلي، وزوجته زبيدة بنت عمه جعفر.».
وقد كان الخلفاء قبل الرشيد يحتاطون لكل بيعة فيها أخذٌ للعهود والمواثيق، ومع ذلك لم ينفع هذا الاحتياط أيام بني أمية ولا أيام بني العباس.
لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة هريدى المصرى في المنتدى حقائق حول عيسى عليه السلام
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 29-11-2014, 03:01 PM
-
بواسطة ابو اسامه المصرى_1 في المنتدى المنتدى الإسلامي
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 08-03-2012, 02:55 AM
-
بواسطة فريد عبد العليم في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 13-12-2009, 02:00 AM
-
بواسطة محمد ابوقاسم في المنتدى الرد على الأباطيل
مشاركات: 5
آخر مشاركة: 08-02-2009, 02:54 AM
-
بواسطة kholio5 في المنتدى مشروع كشف تدليس مواقع النصارى
مشاركات: 22
آخر مشاركة: 07-05-2008, 02:47 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات