آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


-
ثانياً: التكلم عن البيعة
والآن ونحن نقترب من عصر المأمون علينا أن نتحدث إليك عن أكبر أغلاط الرشيد، وأبعدها أثرًا في حياته وفي الدولة العباسية، بل في حياة المسلمين السياسية بوجه عام، وهي بيعته بولاية العهد الثلاثية لأبنائه: الأمين والمأمون والقاسم. ورأينا في هذا النوع من احتياط الخلفاء لأنفسهم ولأبنائهم، وما كان له من الأثر السيئ في حياة القصور خاصة، وفي السياسة عامة، ولا سيما البيعة بولاية العهد لأكثر من واحد، فقد كان ذلك ينشئ بطانات مختلفة، ويُكوِّن أحزابًا لا تلتفُّ حول مبدأ أو فكرة، وإنما تلتف حول الأشخاص والمنافع التي تُنتظر منهم.
وهذه البطانات والأحزاب تتنافس في القصر، فتفسد على الخليفة والأمراء حياتهم الخاصة، وتقطع ما بينهم من صلات كان يجب أن تُرعى حرمتُها، كما أنها تتنافس خارج القصر، فتفسد على الدولة سياستها العامة فتصرفها عن مرافقها الداخلية، كما تصرفها عن الاحتياط لحماية الثغور والاحتفاظ بمهابتها الخارجية.
ومع أن هذا النوع من البيعة بولاية العهد الثنائية أو الثلاثية سُنَّة أُموية آتت ثمرها الخبيث، وجرَّت على الأمويين أنواع الوبال فمزقتهم وأضاعت ملكهم، وكان المعقول أن يستفيد العباسيون من هذا الدرس، ويُعرضوا عن سنة مُنكَرة في نفسها، وقد سنَّها أعداؤهم السياسيون، مع هذا كله تورط الرشيد فيما تورط فيه عبد الملك وخلفاء عبد الملك، وتعرضت الدولة العباسية لما تعرضت له الدولة الأموية، بل كان خطر هذه السنة على العرب أيام بني العباس أشد منه أيام بني أمية؛ ذلك أن سقوط الدولة الأموية قد نقل السلطان من أسرة إلى أسرة واحتُفظ به لقريش.
فأما أثر هذه السنة أيام بني العباس، فهو نقل السلطان الفعلي من العرب إلى الفرس ثم إلى الترك، وجعل الخلافة نوعًا من العبث والسخرية في أيدي المتغلبين من القواد والخدم والرقيق.
ومهما نلتمس الأسباب لتورط الرشيد في هذه السنة التي كان يجب أن يتجنبها، فلن نستطيع أن نهمل سببين أساسيين؛
أحدهما:
تأثر القصر العباسي بسنن الملك الفارسي القديم وسياسته.
والآخر: تأثر الخلفاء بما كان للنساء، حرائرهن وإمائهن، من سلطان ونفوذ.
فلولا هذان السببان لما تورط الرشيد في هذه السنة التي تورط فيها أبوه المهدي، وذاق هو غير قليل من ثمرها.
ستقول: ولكن الرشيد احتاط فأخذ على أبنائه العهود والمواثيق أن يفي بعضهم لبعض، ويبر بعضُهم ببعض. ولكن ما قيمة هذا الاحتياط أمام سطوة الملك وسلطانه ومطامع الإنسان التي لا حدَّ لها؟ وما قيمة هذه العهود والمواثيق وقد أثبت التاريخ في جل مراحله أنها لا تعتبر عهودًا ومواثيق إلا عند الضعفاء من الأمم والأفراد، أما الأقوياء وذوو السلطان والبطش فهي عندهم ليست بعهود ولا مواثيق، إنما هي «قصاصات ورق» لا أكثر ولا أقل، وقد يُفتي بأنها «قصاصات ورق» أولئك الذين وكدَّوها وشهدوا على صحتها، وتضامنوا في البر بها، والوفاء لأصحابها.
لما لاحظ الفضل بن يحيى سنة ١٧٥ه أن جماعة من بني العباس قد مدوا أعناقهم إلى الخلافة بعد الرشيد؛ لأنه لم يكن له ولي عهد، أجمَع على البيعة لمحمد، ولما صار الفضل بن يحيى إلى خراسان فرَّق في أهلها أموالًا، وأعطى الجند أعطيات متتابعات، ثم أظهر البيعة لمحمد بن الرشيد، فبايع الناس له، وسمَّاه الأمين،
ولما تناهى الخبر إلى الرشيد بذلك، وبايع له أهلُ المشرق بايع وكتب إلى الآفاق فبويع له في جميع الأمصار.
ويقول لنا اليعقوبي في هذا الصدد: إن هارون بايع لابنه محمد بالعهد من بعده سنة ١٧٥ﻫ ومحمد ابن خمس سنين، وأعطى الناس على ذلك عطايا جمة، وأُخرِج محمد إلى القواد، فوقف على وسادة فحمد الله وصلَّى على نبيه، وقام عبد الصمد بن علي فقال: أيها الناس، لا يغرنكم صغر السن، فإنها الشجرة المباركة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
ويقول لنا الطبري في حوادث سنة 182ه: إن فيها كان انصراف الرشيد من مكة، ومسيره إلى الرقة، وبيعته بها لابنه عبد الله المأمون بعد ابنه محمد الأمين، وأخذ البيعة له على الجند بذلك بالرقة، وضمه إياه إلى جعفر بن يحيى، وأنه قد بويع له بمدينة السلام حين قدمها، وولاه أبوه خراسان وما يتصل بها إلى همذان، وسمَّاه المأمون.
وفي سنة 189ه بايع الرشيد لابنه القاسم بعد المأمون، وجعل أمر القاسم، في خلعه وإقراره، إلى عبد الله إن أفضت الخلافة إليه. فلقد حضر الرشيد وأحضر وجوه بني هاشم والقواد والفقهاء وأُدخِلوا البيت الحرام، وأمر بقراءة الكتاب على عبد الله ومحمد، وأشهد عليهما جماعة من حضر، ثم رأى أن يُعلَّق الكتاب في الكعبة، فلما رفع ليعلق وقع، فقيل: إن هذا الأمر سريع انتقاضه، قليل تمامه.
وبعد، فإن لعصر الرشيد مكانته وقدره، فقد ازدهرت فيه الحضارة الإسلامية أيما ازدهار، وظهرت فيه آثار تحول المدنية في العصور التي سبقته، كما أثَّر هو في العصور التي تلته، ولقد صدق صاحب «النجوم الزاهرة» فيما رواه عن أبي علي صالح بن محمد الحافظ، قال: «اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره: وزراؤه البرامكة، وقاضيه أبو يوسف، وشاعره مروان بن أبي حفصة، ونديمه العباس بن محمد عم أبيه، وحاجبه الفضل بن الربيع أنبهُ الناس وأعظمهم، ومُغنِّيه إبراهيم الموصلي، وزوجته زبيدة بنت عمه جعفر.».
وقد كان الخلفاء قبل الرشيد يحتاطون لكل بيعة فيها أخذٌ للعهود والمواثيق، ومع ذلك لم ينفع هذا الاحتياط أيام بني أمية ولا أيام بني العباس.
لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله
-
ثالثاً: الدولة البرمكية والنكبة البرمكية
ولما ولي الرشيد الخلافة قلد يحيى بن خالد الوزارة وقال له: قد قلدتك أمر الرعية، وأخرجته من عنقي إليك، فاحكم في ذلك بما ترى من الصواب، واستعمل من رأيت، واعزل من رأيت، وأمض الأمور على ما ترى. ودفع إليه خاتمه، ففي ذلك يقول إبراهيم الموصلي:
ألم تر أن الشمس كانت سقيمة /فلما ولي هارون أشرق نورها
بيمن أمين الله هارون ذي الندى /فهارون واليها ويحيى وزيرها
وليس في مقدورنا أن نصور شخصية يحيى بن خالد بن برمك بأحسن من إثباتنا رأيه في الأخلاقيات، فقد قيل له: أي الأشياء أقل؟ قال: قناعة ذي الهمة البعيدة بالعيش الدون، وصديقٌ كثيرُ الآفات قليلُ الإمتاع، وسكون النفس إلى المدح، وقيل له: ما الكرم؟ فقال: ملك في زي مسكين، وقيل له: ما الجود؟ فقال: عفو بعد قدرة، وقال مرة: إذا فتحت بينك وبين أحد بابًا من المعروف فاحذر أن تغلقه ولو بالكلمة الجميلة، وقال: «أحسن جبلة الولاة إصابة السياسة، ورأس إصابة السياسة العمل بطاعة الله، وفتح بابين للرعية؛ أحدهما: رأفة ورحمة وبذل وتحنُّن، والآخر: غلظة ومباعدة وإمساك ومنع.»
ويروي لنا «ياقوت الرومي» في «معجمه» عنه، أنه لما كان الفضل بن يحيى واليًا على خراسان، كتب صاحب البريد إلى الرشيد كتابًا يذكر فيه: أن الفضل تشاغل بالصيد واللذات عن النظر في أمور الرعية، فلما قرأه الرشيد رمى به ليحيى وقال له: يا أبت، اقرأ هذا الكتاب، واكتب إلى الفضل كتابًا يردعه عن مثل هذا. فمد يحيى يده إلى دواة الرشيد وكتب إلى ابنه على ظهر الكتاب الذي ورد من صاحب البريد:
حفظك الله، يا بني، وأمتع بك، قد انتهى إلى أمير المؤمنين ما أنت عليه من التشاغل بالصيد ومداومة اللذات عن النظر في أمور الرعية ما أنكره، فعاوِدْ ما هو أزينُ بك، فإنه مَن عاد إلى ما يزينُه لم يعرِفه أهل زمانه إلا به، والسلام.
وكتب تحته هذه الأبيات:
انصَبْ نهارًا في طِلاب العلا /واصبر على فقد لقاء الحبيب
حتى إذا الليل بدا مُقبلًا /وغاب فيه عنك وجهُ الرقيب
فبادر الليلَ بما تشتهي /فإنما الليلُ نهارُ الأريب
كم من فتًى تحسبه ناسكًا /يستقبل الليل بأمر عجيب
ألقى عليه الليل أستاره /فبات في لهو وعيش خصيب
ولذة الأحمق مكشوفةٌ /يسعى بها كلُّ عدو مريب
هذا هو يحيى الذي يقول عنه المأمون: «لم يكن كيحيى بن خالد وكولده أحدٌ في البلاغة والكفاية والجود والشجاعة»، وهذا هو يحيى الذي كان يُجري على سفيان الثوري رضي الله عنه ألف درهم في كل شهر، فكان إذا صلى سفيان يقول في سجوده: «اللهُ إن يحيى كفاني أمرَ دنياي، فاكْفِه أمر آخرته.»
هذا وإذا علمت أن أُمَّ الفضل بن يحيى، وهي زينب بنت منير، كانت ظئرًا للرشيد فأرضعته بلبان الفضل، وأرضعت الخيزرانُ، والدة الرشيد، الفضلَ بلبان الرشيد، استطعت أن تُقدِّر إلى أي مدًى كانت علاقة الرشيد بآل برمك وهو لم يَدرَج في مهده، ولم يفرق بين أمسه ويومه.
ويقول الطبري في أخبار سنة 178ه: إن الرشيد فوَّض أموره كلها إلى يحيى بن خالد بن برمك.
ولننظر إلى مكانة الفضل وآل برمك من الرشيد، فإن أبا جعفر محمد بن جرير الطبري يحدثنا أنه لما قدم الفضل بن يحيى من خراسان؛ خرج الرشيد إلى بستان أبي جعفر يستقبله، وتلقاه بنو هاشم والناس من القواد والكتاب والأشراف، فجعل يصل الرجل بألف الألف وخمسمائة الألف.
وفي أخبار سنة 180ه هاجت العصبية بالشام، وتفاقم أمرها، واغتمَّ الرشيد بذلك، فعقد لجعفر بن يحيى على الشام وقال له: إما أن تخرج أنت أو أخرج أنا، فقال له جعفر: بل أقيك بنفسي. وشخص إليهم جعفر في جلة القواد والكُراع والسلاح، فأصلح بينهم، وأطفأ تلك الثائرة.
ولما عاد جعفر مُوفقًا من سفرته هذه وقد استخلف على الشام مكانه عيسى بن العكي، دخل على الرشيد فزاده إكرامًا وإجلالًا.
وفي أخبار سنة 180ه نفسها ولَّى الرشيد جعفرَ بن يحيى الحرس، وهكذا تجد في أخبار كل سنة نبأ عن آل برمك، وتمداحًا لآل برمك، وأثرًا جليلًا في خدمة الدولة من آل برمك، ومكانة سامية تبوَّأها آل برمك من الرشيد.
حتى أنني أسوق واقعة خطيرة تجسد ذلك الأمر على أنا نترك الكلمة لابن طباطبا ليقص عليك ما يرويه فيما نحن في صدده، قيل:
أن جعفر بن يحيى البرمكي جلس يومًا للشرب وأحبَّ الخلوة، فأحضر ندماءه الذين يأنس بهم، وجلس معهم وقد هُيِّئ المجلس ولبسوا الثياب المُصبَّغة- وكانوا إذا جلسوا في مجلس الشراب واللهو لبسوا الثياب الحُمر والصُّفر والخُضر- ثم إن جعفر بن يحيى تقدم إلى الحاجب ألا يأذن لأحد من خلق الله تعالى سوى رجل من الندماء كان قد تأخر عنهم، اسمه عبد الملك بن صالح، ثم جلسوا يشربون ودارت الكاسات وخفقت العيدان — وكان رجل من أقارب الخليفة يقال له: عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس، يعني ابن عم الرشيد وكان شديد الوقار والدين والحشمة، وكان الرشيد قد التمس منه أن ينادمه ويشرب معه، وبذَل له على ذلك أموالًا جليلة فلم يفعل — فاتفق أن عبد الملك بن صالح -ابن عم الرشيد-حضر إلى باب جعفر بن يحيى ليخاطبه في حوائج له، فظن الحاجب أنه هو عبد الملك بن صالح الذي تقدم جعفر بن يحيى بالإذن له وألا يدخل غيره، فأذِن الحاجب له، فدخل عبد الملك بن صالح العباسي على جعفر بن يحيى، فلما رآه جعفر كاد عقله يذهب من الحياء، وفطن أن القضية قد اشتبهت على الحاجب بطريق اشتباه الاسم، وفطن عبد الملك بن صالح أيضًا للقصة، وظهر له الخجل في وجه جعفر بن يحيى، فانبسط عبد الملك وقال: لا بأس عليكم، أحضروا لنا من هذه الثياب المُصبَّغة شيئًا، فأُحضِر له قميص مصبوغ، فلبسه وجلس يباسط جعفر بن يحيى ويمازحه، وقال: اسقونا من شرابكم. فسقوه رطلًا، وقال: ارفقوا بنا؛ فليس لنا عادة بهذا. ثم باسطهم ومازحهم، وما زال حتى انبسط جعفر بن يحيى وزال انقباضه وحياؤه، ففرح جعفر بذلك فرحًا شديدًا وقال له: ما حاجتك؟.
قال: جئت، أصلحك الله، في ثلاث حوائج أريد أن تخاطب الخليفة فيها:
أولاها: أن عليَّ دينًا مبلغه ألف ألف درهم أريد قضاءه.
وثانيتها: أريد ولاية لابني يشرُف بها قدره.
وثالثتها: أريد أن تزوج ولدي بابنة الخليفة؛ فإنها بنت عمه وهو كفء لها.
فقال له جعفر بن يحيى: قد قضى الله هذه الحوائج الثلاث؛ أما المال ففي هذه الساعة يُحمل إلى منزلك، وأما الولاية فقد ولَّيتُ ابنَك مصر، وأما الزواج فقد زوجته فلانة ابنة مولانا أمير المؤمنين على صداق مبلغه كذا وكذا، فانصرِفْ في أمان الله.
فراح عبد الملك إلى منزله فرأى المال قد سبقه، ولما كان من الغد، حضر جعفر عند الرشيد وعرَّفه ما جرى، وأنه قد ولَّاه مصر، وزوَّجه ابنته، فعجب الرشيد من ذلك وأمضى العقد والولاية، فما خرج جعفر من دار الرشيد حتى كُتب له التقليد بمصر، وأحضر القضاة والشهود وعقد العقد.
انتبهوا
عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس هو ابن عم الرشيد..
وعندما ألمت به حاجة لجأ إلى جعفر بن يحي البرمكي وكله يقين في قضاء حاجته..
أما الأهم في الموضوع فهو إجابة جعفر الواثق منها والتي فيه قوله: (قد قضى الله هذه الحوائج الثلاث).
أرأيت كيف لم ينقض الرشيد ما أبرمه جعفر في مسألة خطيرة الخطر كله، لأنها تتعلق بكرامة الرشيد وأسرة الرشيد وشئون الرشيد الخاصة؟.
أليس في ذلك ما يقطع برفيع مكانة القوم، وكبير قدرهم، وسامي منزلتهم عند الرشيد وفي الدولة التي هم مفزع رجالاتها، وموئل زعمائها؟.
وأرجو ألا يفوتك في المثل المتقدم ما جاء فيه خاصًا بالملابس؛ فإنه قد يعطيك فكرة ما عن تخصص بعضها للسهرات والردهات والمنادمات مما لا يختلف عن نظام اليوم من «ردنجوت» و«سموكنج» و«فراك» إلى غير ذلك مما يدل على مبلغ الثروة، واستفحال أمر المدنية عند القوم في تلك الأيام الخاليات؛ فتأمل …!.
ربما تطلب إليَّ مثالًا على جُودهم وتعلق الناس بهم، بلا مبالغة ولا غلو ولا تهويل ولا إغراق، وسنترك الكلمة في هذا الباب للإتليدي فيما يرويه من حديث جرى بين المأمون والمنذر بن المغيرة، فهاكه بحذافيره:
قال خادم المأمون: طلبني أمير المؤمنين ليلة وقد مضى من الليل ثلثه، فقال لي: خذ معك فلانًا وفلانًا — سماهما لي؛ وأحدهما: علي بن محمد، والآخر دينار الخادم — واذهب مسرعًا لما أقول لك، فإنه بلغني أن شيخًا يحضر ليلًا إلى آثار دور البرامكة وينشد شعرًا، ويذكرهم ذكرًا كثيرًا، ويندبهم ويبكي عليهم ثم ينصرف، فامضِ أنت وعلي ودينار حتى تردوا تلك الخرابات، فاستتروا خلف بعض الجُدر، فإذا رأيتم الشيخ قد جاء وبكى وندب وأنشد أبياتًا فأتوني به، قال: فأخذتهما ومضينا حتى أتينا الخرابات، فإذا نحن بغلام قد أتي ومعه بساط وكرسي حديد، وإذا شيخ قد أتى وله جمال، وعليه مهابة ولطف، فجلس على الكرسي وجعل يبكي وينتحب ويقول هذه الأبيات:
ولما رأيت السيف جندل جعفرًا / ونادى منادٍ للخليفة في يحيى
بكيتُ على الدنيا وزاد تأسفي / عليهم وقلت الآن لا تنفع الدنيا
مع أبيات أطالها، فلما فرغ قبضنا عليه وقلنا له: أجب أمير المؤمنين، ففزع فزعًا شديدًا وقال: دعوني حتى أوصي بوصية؛ فإني لا أوقنُ بعدها بحياة.
ثم تقدَّم إلى بعض الدكاكين واستفتح وأخذ ورقة وكتب فيها وصية وسلَّمها إلى غلامه، ثم سِرنا فلما مثَل بين يدي أمير المؤمنين قال: مَن أنت؟ وبما استوجبت منك البرامكة ما تفعله في خرائب دورهم؟.
قال الشيخ: يا أمير المؤمنين، إن للبرامكة أيادي خضرة عندي، أفتأذن لي أن أُحدِّثك بحالي معهم؟.
قال: قل، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا المنذر بن المغيرة من أولاد الملوك، وقد زالت عني نعمتي، كما تزول عن الرجال، فلما ركبني الدينُ واحتجت إلى بيع ما على رأسي ورءوس أهلي، وبيتي الذي ولدت فيه؛ أشاروا عليَّ بالخروج إلى البرامكة، فخرجت من دمشق ومعي ثلاثون رجلًا ونيِّف من أهلي وولدي، وليس معنا ما يباع ولا ما يُوهب، حتى دخلنا بغداد ونزلنا في بعض المساجد، فدعوت ببعض ثياب كنت أعددتها لأستتر بها، فلبستها وخرجت وتركتهم جياعًا لا شيء عندهم، ودخلت شوارع بغداد سائلًا عن البرامكة، فإذا أنا بمسجد مزخرف وفي جانبه شيخ بأحسن زيٍّ وزينة، وعلى الباب خادمان، وفي الجامع جماعة جلوس، فطمعت في القوم ودخلت المسجد وجلست بين أيديهم وأنا أقدم رجلًا وأؤخر أخرى، والعرق يسيل مني؛ لأنها لم تكن صناعتي، وإذا الخادم قد أقبل ودعا القوم فقاموا وأنا معهم، فدخلوا دار يحيى بن خالد فدخلت معهم، وإذا يحيى جالس على دكة له وسط بستان، فسلمنا وهو يعدنا مائة وواحدًا، وبين يديه عشرة من ولده، وإذا بمائة واثني عشر خادمًا قد أقبلوا ومع كل خادم صينية من فضة على كل صينية ألف دينار، فوضعوا بين يدي كل رجل صينيته، فرأيت القاضي والمشايخ يضعون الدنانير في أكمامهم، ويجعلون الصواني تحت آباطهم، ويقوم الأول فالأول، حتى بقيت وحدي لا أجسر على أخذ الصينية، فغمزني الخادم فجسرت وأخذتها، وجعلت الذهب في كمي والصينية في يدي، وقمتُ وجعلتُ أتلفت ورائي مخافة أن أمنع من الذهاب، فوصلت وأنا كذلك إلى صحن الدار ويحيى يلاحظني، فقال للخادم: ائتني بهذا الرجل. فأتاه بي، فقال: مالي أراك تتلفت يمينًا وشمالًا؟ فقصصت عليه قصتي، فقال للخادم: ائتني بولدي موسى. فأتاه به، فقال: يا بني، هذا رجل غريب؛ فخذه إليك، واحفظه بنفسك ونعمتك. فقبض موسى ولده على يدي وأدخلني إلى دار من دُوره، فأكرمني غاية الإكرام، وأقمت عنده يومي وليلتي في ألذ عيش وأتم سرور، فلما أصبح دعا بأخيه العباس وقال له: الوزير أمرني بالعطف على هذا الفتى، وقد علمت اشتغالي في بيت أمير المؤمنين، فاقبضه إليك وأكرمه، ففعل ذلك وأكرمني غاية الإكرام، ثم لما كان من الغد تسلمني أخوه أحمد، ثم لم أزل في أيدي القوم يتبادلونني مدة عشرة أيام لا أعرف خبر عيالي وصبياني؛ أفي الأموات هم أم في الأحياء؟ فلما كان اليوم الحادي عشر جاءني خادم ومعه جماعة من الخدم فقالوا: قم فاخرج إلى عيالك بسلام، فقلت: وا ويلاه! سُلبت الدنانير والصينية وأخرُج على هذه الحالة! إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ فرفع الستر الأول ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع، فلما رفع الخادمُ الستر الأخير قال لي: مهما كان لك من الحوائج فارفعها إليَّ، فإني مأمور بقضاء جميع ما تأمرني به، فلما رُفع الستر الأخير رأيت حجرة كالشمس حُسنًا ونورًا، واستقبلني منها رائحة الند والعود ونفحات المسك، وإذا بصبياني وعيالي يتقلبون في الحرير والديباج، وحمل إليَّ مائة ألف درهم وعشرة آلاف دينار، ومنشور بضيعتين وتلك الصينية التي كانت أخذتها بما فيها من الدنانير والبنادق. وأقمت، يا أمير المؤمنين، مع البرامكة في دورهم ثلاثَ عشرة سنة لا يعلم الناس أمن البرامكة أنا أمْ رجل غريب، فلما جاءتهم البلية، ونزل بهم، يا أمير المؤمنين، من الرشيد ما نزل، أجحفني عمرو بنُ مسعدة وألزمني في هاتين الضيعتين من الخراج ما لا يفي دخلُهما به، فلما تحامل عليَّ الدهر كنت في آخر الليل أقصد خرابات دورهم، فأندبهم وأذكر حسن صنيعهم إليَّ، وأبكي على إحسانهم، فقال المأمون: عليَّ بعمرو بن مسعدة. فلما أُتي به قال له: تعرف هذا الرجل؟ قال: يا أمير المؤمنين، هو بعض صنائع البرامكة، قال: كم ألزمته في ضيعته؟ قال: كذا وكذا، فقال له: ردَّ إليه كل ما أخذت منه في مدته، وأفرِغهما له ليكونا له ولعقبه من بعده، قال: فعلا نحيبُ الرجل، فلما رأى المأمون كثرة بكائه قال له: يا هذا، قد أحسنا إليك، فما يبكيك؟ قال: يا أمير المؤمنين، وهذا أيضًا من صنيع البرامكة! لو لم آتِ خراباتهم فأبكيهم وأندبهم حتى اتصل خبري إلى أمير المؤمنين ففعل بي ما فعل، مِن أين كنت أصل إلى أمير المؤمنين؟ قال إبراهيم بن ميمون: فرأيت المأمون وقد دمعت عيناه وظهر عليه حزنه، وقال: «لعمري هذا من صنائع البرامكة! فعليهم فابكِ، وإياهم فاشكرْ، ولهم فأوفِ، ولإحسانهم فاذكرْ.»
ومما يدل على تقدير المأمون للبرامكة ما رواه القاضي يحيى بن أكثم قال: سمعت المأمون يقول: لم يكن كيحيى بن خالد وولده أحدٌ في الكفاية والبلاغة والجود والشجاعة، قال القاضي: فقلتُ: يا أمير المؤمنين، أما الكفاية والبلاغة والسماحة فنعرفها فيهم، ففيمن الشجاعة؟ فقال: في موسى بن يحيى، وقد رأيتُ أن أُولِّيه ثغر السند.
•••
مكانة عالية بلا ريب مكانة آل برمك، وسلطان لا حد له سلطانهم، وغنى فاحش قبل الإسلام، وصولة ونفوذ قول في دولة الرشيد، فما الذي يا ترى غيَّر قلب الرشيد عليهم حتى نكبهم؟.
لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة هريدى المصرى في المنتدى حقائق حول عيسى عليه السلام
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 29-11-2014, 03:01 PM
-
بواسطة ابو اسامه المصرى_1 في المنتدى المنتدى الإسلامي
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 08-03-2012, 02:55 AM
-
بواسطة فريد عبد العليم في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 13-12-2009, 02:00 AM
-
بواسطة محمد ابوقاسم في المنتدى الرد على الأباطيل
مشاركات: 5
آخر مشاركة: 08-02-2009, 02:54 AM
-
بواسطة kholio5 في المنتدى مشروع كشف تدليس مواقع النصارى
مشاركات: 22
آخر مشاركة: 07-05-2008, 02:47 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات